نهضتنا وكبوتنا : أسئلة وتحديات

 

عندما نتأمل في كبوة أمتنا وتراجعها الحضاري الآن ، نكتشف أن المفكرين والعلماء الذين تصدوا للتخطيط وفق فلسفة المناهج الغربية الليبرالية أو الشرقية الاشتراكية في برامج التنمية وخططها الموجهة لأقطار أمتنا ، لم يدركوا هوية أمتنا الثقافية والفكرية ، فاعتمدوا على النقل والتقليد من الغرب بشكل مطلق .

وعلى الجانب الآخر ، فإن علماء الدين، كانوا سببا في إقصاء الرؤية الفكرية الشاملة عن التخطيط للمجتمع العربي المسلم، وحصرها في قضايا فرعية مثل دفن الموتى ، والاضطلاع بتعلم العلوم الشرعية ، أو نجدة المكروب ؛ فهو أمر غاية في الخطورة لأنه يحصرها في فرعيات وثانويات ، ويبعدها عن غاياتها الأساسية المتمثلة في إنهاض المجتمع المسلم ، وإعادة توجيه طاقاته ، واستثمار كوادره ، خاصة على مستوى العلوم التقنية والطبيعية، التي هي الأساس في أي نهضة جادة.

وسنجد غيابا لمفهوم شرعي غاية في الأهمية ، وهو ” الفرض الكفائي العلمي” ، والذي يعني وجوب تحصيل الاكتفاء الذاتي للمجتمع المسلم في مختلف الجوانب العلمية والفنية والتقنية والسياسية والاجتماعية ؛ أي أنه لا يمكن أن تتحقق وظيفة المسلم على الأرض ما لم يحصّل العلم التقني، وأنه – حتى في زمن التخصص – لا بد أن يحمل لنا العقل الجمعي المسلم نظرة عامة عن هذه العلوم جميعًا، بمعنى أن المجتمع الإسلامي يحتوي على كل التخصصات. ولكن هناك مشكلة في التعامل معها ، وطريقة توظيفها .

وهو ما يقودنا إلى أزمة فهم المسلمين لما يسمى بفرض الكفاية وفرض العين، فهناك قصور في هذا الجانب ، ففي طلب العلوم الشرعية ما يجب أن يُعلَمَ من الدين بالضرورة وهو فرض عين على كل مسلم، ثم يتقدم كل من يجد في نفسه الرغبة أن يتخصص في العلوم الشرعية ، وهذا ليس بالكثير ، فنحن في حاجة إلى باقي الطاقات التي تتوجه إلى ما وراء ذلك من التخصصات التي تصبح فروضًا كفائية، وأبسط ما يقال في فهم معنى الفرض الكفائي وعلاقته بالتخصص العلمي : أن يتوافر العدد الذي يغطي حاجة المجتمع لهذا التخصص أو ذاك، فإذا قام به

بعض الأفراد دون أن يصلوا إلى الحجم الذي يغطي حاجة المجتمع، يظل المجتمع آثمًا . وهنا يكون للفكر الإسلامي دور تنموي ونهضوي ومحوري في توجيه الطاقات وتوفير ما يحتاجه المجتمع من تخصصات مختلفة .

ومن المعلوم فقهيا أن المجتمع يكون آثما لأنه لم يقرأ أوجه النقص لدى الناس ، ومن ثم انتدب أفراد المجتمع للقيام بها . وهذا يتطلب أن يكون ولي الأمر / الحاكم / الحكومة ، وغيرهم من المسؤولين على دراية كاملة، وبشكل علمي مدروس، بهذا النقص ، وعلى دراية أخرى بطاقات الأفراد وملكاتهم الخاصة ، وما يمكن أن يقدموه ليس في الحاضر الحالي فحسب ، بل في المستقبل المنظور والبعيد . ومن الخطأ في التفكير والتخطيط أن تتم الاستعانة بالأجنبي وغير المسلم للقيام بهذا النقص ، والنظرة المطمئنة بأن النقص قد انسدّ بهذا الشكل . وأيضا ما نراه لدى بعض الدول المسلمة ، ذات الثراء ، في استعانتها بكوادر وعمالة أجنبية، في شتى مجالات الحياة، بدءا من المهن البسيطة إلى التخصصات العالية والمعقدة ، دون النظر إلى عواقب التكدس الأجنبي على التركيبة السكانية للدولة ، وأيضا على ميول أبناء الشعب ذاته ، واحتقارهم لبعض المهن والحرف، وعدم وجود تحدٍ للعلم والعمل ، لأن كثيرين منهم يجعلون التحدي في الحصول على المال والحياة الرغدة ، أما وقد حصلوا عليها دون تعليم عال ، ولا جهد كبير، فلا معنى للتحدي من أساسه .

وبعبارة أخرى ، هناك قصور في الفهم تراثنا الإسلامي في قيمه الإيجابية النهضوية ، ونقصد بها النظر إلى حالة الوعي والتنوير التنموي ، ومدى فقه علماء الإسلام والمشرّعين والقانونيين لأهمية النهضة الشاملة في امتداداتها الحضارية والمجتمعية ، وهذا أمر ليس هينا لأنه يرتبط بحالة وعي عامة ؛ تجعل العلماء وكل من امتلك مفاتيح العلم والقدرة على الاجتهاد مهموما بأحوال الأمة ، ساعيا إلى النظر إلى قضاياها المستجدة ، ليس خائفا أن يقال إنه خالف علماءه ، وأتى بجديد، أو جاء بآراء ليست على ما سار عليه الناس وأهل العلم . والأمر في مجمله مرتبط بالحالة الراهنة للأمة ، وإحساس العالم / الفقيه أن هناك تحديات تواجه الأمة ، على أصعدة مختلفة ، ويتوجب عليه أن يقوم بدوره ، ويسعى إلى تحديث الخطاب الشرعي، وتقديم قواعده لأولي العلم والباحثين ، حتى يكون ضمن الثقافة ودائرة الهمّ العام للأمة ، فيستلهمه كلٌ في دائرة اختصاصه ؛ وهذا ما يستتبع طرح قضايا عدة ترتبط بالأبعاد الدينية ، مثل الاجتهاد والتقليد ، والفقيه والمنصب .

وجدير بالذكر أن هناك ظواهر مشتركة بين الأقطار العربية والإسلامية المختلفة، واضعين في الحسبان أن هناك تفاوتا واضحا بين هذه البلدان في درجات الحضارة ، والأخذ بأسباب التقدم في العصر الحديث ، ناهيك عن العصور الإسلامية القديمة ، فهناك بلدان سبقت غيرها في النهضة الحديثة مثل مصر التي بدأت نهضتها في النصف الأول من القرن التاسع عشر، في حين أن هناك أقطارا لم بدأت نهضتها إلى في النصف الثاني من القرن العشرين وهناك تعثرات كثيرة شهدتها هذه الأقطار ، خلال النهضة .

كذلك ، فإن هناك بلدانا لها رصيد ضخم ومساهمات عظيمة خلال مسيرة الحضارة الإسلامية ، وتمثلت فيما قدمت حواضرها ومدنها حضاريا ، منها : بغداد والقاهرة ، ودمشق والبصرة والكوفة والقيروان وفاس واستانبول، ولاشك أن الرصيد القديم له دور كبير في التقدم الحديث ، على الأقل من البعد النفسي ، وهو لم يتوافر في بلدان أخرى .

أيضا ، من الواجب عدم إغفال تراكمات وموروثات من عصور الضعف والتخلف ، والتي امتدت مئات السنين وأثّرت – ولا تزال تؤثّر – في الوعي المسلم المعاصر ، ولكننا لسنا بصدد تشخيص بنية العقل المسلم قديما وحديثا ، بقدر ما نسعى إلى تبيان أسباب تغييب الفهم الصحيح للإسلام عن العقل المسلم المعاصر ، وما يتفرع عنه من قضايا تمس مشكلات الأمة المعاصرة ، ومعالجة أوجه القصور .

لا تعليقات

اترك رد