بعض مظاهر العمل البرلماني في عراق الطائفية ونظامها المافيوي

 

لا أعيد معالجة إشكالية التجاوز على الدستور في التأجيلات المتكررة لاستكمال الهيأة التشريعية والتعامل مع نصفها ممثلا بمجلس النواب وهو المصطفى بآلية انتخابية موجهة اكتنفتها اتهامات التزوير الكلي وخروقات مما لا يقره قانون ولكنني سابحث في اشتغال أعضاء المجلس وبعض مظاهر تتحكم في ذلك..

فأعضاء مجلس نواب النظام السياسي في العراق ينقسمون بين فاعلين يتحكمون بتوجيه المجلس وعاطلين يرددون ما يُملى عليهم، وهم في ذلك ملزمون بشروط الإملاء بصيغة آمر ومأمور لا يستطيع مناقشة ما هو ملزم به…

أما الفاعلون، فهم بضع أنفار يمثلون ما يسمى بينهم (زعامات) حزبية و وجاهات سياسية بالتسويق الإعلامي. وهذه المجموعة ليست قيادات مبدعة منتجة زكَّتها التجاريب ولكنها في الغالب عناصر جاءت في ضوء ما رشح عن النظام من مخلفات. فبين (زعيم) اكتسب الزعامة بوراثة عائلية وهو مازال لم يكمل لا تعليماً ولا تثقيفا ولا عجنته تجاريب حياة دع عنك تجاريب العمل السياسي سواء الحزبي أم الميداني بمختلف قطاعاته. إنه مجرد زعر تصدَّر المشهد مما تصفه العلوم السياسية ونظرياتها بشخوص هزيلة برزت في ظرف طارئ ويأتي اشتغالها تخبطاً طفولياً قد يرتقي قليلا نحو مستوى المراهقة السياسية.

وبقدر تعلق الأمر بالعمل النيابي حصراً وتحديداً فأنت لا تجد تلك الشخوص إلا بمنطقة السطو على الثروات ونثر بعض فتاتها على الحاشية ومنهم نواب الزفة عفوا الغفلة البرلمانية.. إذ تُملأ الصناديق زيفاً بمئات آلاف أصوات لصالح تلك الشخوص المسماة زعامة وهذه بدورها تعيد توزيعها على بضع شخوص وضعوها مسبقا في قوائمهم بقصد سد الشواغر وتشغيل صورة ما يسمى حزباً او كتلةً.. ولا ننسى هنا غالبية من الأصوات النسوية التي لم يعبر حجم ناخبيهن لا الحاجز القانوني ولا أي حاجز يبرر وجودهن في البرلمان سوى الكوتا التي لا تأتي بمن تستطيع التعبير والاشتغال إيجابا بل التي تسمع وتطيع وما عليها سوى ترداد قوانة من جاءت به (الصدفة) ومنطق العوائل والبيع والشراء ليتصدر زعامة المشهد المنخور…

قضية البيع والشراء على وفق مصادر من داخل النظام نفسه، تبدأ من مرحلة التصويت واختيار المرشحين، وكثرما سمعنا حكاية بيع الترشيح لننقل إلى رائحة بيع الكرسي المتحصل عليه بالزيف الذي افتضح يوم اقتسام (الغنائم)… ولكنهم لا يعنيهم من تلك الفضائح أمر؛ إذ تنتهي القسمة على اتفاق بتمرير ما يستقر عليه الوضع في معمان الصراعات وغبار معاركها.. أما القضاء فلا يسمع منه سوى ما يقر نتائج سوق المزاد شبه العلني…

وبعد استقرار المزاد وصفقات الكراسي النيابية تبدأ صفقات المساومة على التشكيلة الحكومية وكلٌ يطلق العنان لرفع العقيرة الهتافات لا سقف لها كلهم يتسابقون بطوليا لحمل (هموم الشعب) وحلها أفضل حل أما كيف فلا إجابة جدية ولا برنامج عمل سوى محاور تحتويها شعارات لا علاقة لا للزعيم ولا لما يسمى حزبه أو كتلته ولا صلة بهما سوى التسويق للفضاء الذي اشتراه أو احتله…

وتدوم اللعبة لتثير وقائعها وأيامها غباراً مفيداً لمرحلة تقاسم الغنيمة العاجلة ثمنا لما وصلوا به للمنصة إياها… لكن ذلك لا يمنع من وجود ما يمكن تسميته (أنشطة) وفعاليات نيابية مختلفة الأحجام والمقاسات تتناهبها القوى ومظلاتها من شخوص الزعامات الطائفية المافيوية…

والآلية تنص على وجوب أن تشتري مني مقابل ما تبعيني أو ما تبعيه عليّ. فقانون أصوت لك عليه يجب أن تصوت مقابله على قانون نظير يحميني كما يحميك القانون الذي عرضته بمزاد الجلسة.. ولا تخشَ تمرد بضع أصوات تحاول بضجيجها أن تبتز شيئا من القسمة الضيزى..

والكل واقع بقوانين اللعبة حتى من قد يخرج من نادر أعضاء المجلسعلى ذاك العبث فإنه في الحقيقة لن يستطيع تغيير مسار دولاب الروليت ولن يستطيع ان يحدد موضع قدمه في كل دوران لذاك الدولاب…

القضايا التي تعالجها قوانين رئيسة أو فرعية بهذا قد تمَّ تشييئها وتثمينها أقصد وضع أسعار لها ربما ليس بالدينار ولا بالدولار ولكن بمقايضات تتقابل.. أذكّر هنا بأن للوزارة سعر أو ثمن وقيمة السيادية غير قيمة الخدمية وهات وخذ فالقسمة تستقر على الأقوى في لحظة الحسم..

والتسعير لا يقف عند القضايا ومشروعات القوانين ولكنه أبعد من ذلك يتناول الأفعال الرقابية حيث ظاهرة من ظواهر البيع والشراء عندما يتم إغماض عين عن جريمة فساد أو فتحها بقصد الحصول على نصيب من الكعكعة…

كل فعاليات مجلس النواب ومهامه يمكن أن تخضع للعبة ولكن من يؤكد ومن ينزِّه؟ طبعا لا يمكن للمواطن أن يطمئن إلى الخصم حكماً.. فكيف يكون من استولى على أعلى مؤسسات الدولة زيفا وبهتانا ووجهها توجيها نفعيا حصريا أو بشراكة وقسمة غنيمة أن يكون رقيبا حارساً حافظاً الأمانة؟

أمثلتنا بلا حصر وبلا حدود، أقر لك القانون لكن إقرار القانون لن يأتي بحوار لوحده يحسم الصائب من غيره إنما عادة ما نسمع الإقرار واجب وملزم بسلة من القوانين التي يمررونها معا؟ وأنت تستطيع أن تسأل ما علاقة تمرير قانون للصرف الصحي بسلة تجمعه بقانون لا عن البيئة ولا عن المياه ولكن عن إجازة استثمارات أو عقود استثمار وبالأخرى استغلال لا استثمار!؟ ويتم التمرير قانون بآخر وشيِّلني وأشِّيلك!

لماذا كل شيء يتم بسلال التقابل التي تجمع في السلة الواحدة أمورا لا تشبه بعضها بعضا بينما لم يكن ممكنا ولا متاحا تمرير انتخابات مجلس الاتحاد مع مجلس النواب مثلا؟ ألا يختزل هذا جوانب مادية وتقنية وغيرها ويسهل الأمور بوقت يحمي مهمة استكمال الهيأة النشريعية دستورياً؟؟

لماذا جرت لملمة أمور استدعاءات المسؤولين سواء بالتكتم على المجريات أم بتقديمها بطرق استعراضية أم بتمييع نتائجها وما تتوصل إليه باستدعاءات استعراضية تالية بديلة؟

إنّ استكمال بنى الدولة العراقية مؤجل بتاجيل عشرات القوانين الدستورية وبتأجيل عديد المؤسسات التي تتهيكل بها ومنها الدولة هذا فضلا عن السطو المطلق على توجهات مؤسسات نوعية رئيسة وإفراغها من مسؤولياتها بتحكم أفراد تابعين وُضِعوا في سدة المسؤولية بطريقة البيع والشراء سواء بالعملة أم بالمقايضة أم بكليهما ففي النهاية المحصلة لن تكون خدمة لمواطن وحقوقه ولكنها مغنم من مغانم طرف من أطراف المحاصصة وتوزيع الغنائم إلى درجة أن المواطن تمّ تشييئه بعد سحب الاعتراف بإنسانيته بحرمانه من حقوقه وحرياته وتحويله لعبد يباع ويشترى بسوق نخاسة النظام وزعاماته التابعة هي الأخرى لمراجع إقليمية ودولية…

أيتها السيدات، أيها السادة.. يا مواطنات ومواطنين،

لقد بيع بيتكم الوطن وكل ما فيه من ثروات ويكاد ناهبوه أن ينتهوا من تفريغه من آخر قطرة نفط بل من آخر قطرة ماء وأنتم صامتون على تعطيل الصناعة وتخريب الزراعة وتبوير الأرض وتحويلها من أرض النماء لأرض يباب تغطيها الدماء..

وها هو (نظام الطائفية الكليبتوقراطي المافيوي الميليشياوي) يصل مرحلة بيعكم بالجملة رهينة البنك الدولي وصندوقه وعبيداً لنظام الملالي يرسل أبناءكم لمعاركه في سوريا واليمن وشمال أفريقيا وأفغانستان وغيرها!؟ ولن يطول الزمن إذا ما تُرِك هكذا سبهللة إلا وتنكشف صارخة أوضاع نسوة البلاد تُستباح سبايا مطايا !!

وتلك لعبة البيع والشراء ومن بات سادنها من زعران المجتمع ومن لفظته الأيام ليعاود بمراهقته تصدر المشهد وتزعم المسار بألاعيب الطفولية السياسية التي لم تأت على البلاد والعباد إلا بمزيد نكبات ومآس وكوارث…

هذه صورة من صور المنظومة القيمية السائدة وآليات العمل بظلال نظام الطائفية المافيوي المفسد وبلطجة ميليشياته وإرهاب الدولة بذراع العنف الميليشياوي الذي لم يعد يخفِ جرائمه بل يمارسها بكل المستويات وعلنا.. وما تحدثت به هنا ليس سوى إطار لجوهر بات يضم كوارث بلا حدود ولا منتهى يعرفها الشعب لنه يحياها ويعيشها في تفاصيل يومه العادي…

أما الحل البديل فليس سوى نداء أتوجه به بثبات إلى الشعب وطبقته الواعية المدركة بعناصرها التنويرية، ومضمون النداء:
ألا فلينتفض الإنسان لإنسانيته وليرفض المواطن أن يكون حنطة على حزام الطحن الوحشي لآلة النظام الجهنمية.. ولا يجوز هنا أن يستسلم المرء لقرار وضعه قربانا للذبح كشياه الأضاحي يرسلونها حيث شاءت تقسيمات الغنائم…
وإلا فلات ساعة مندم!

لا تعليقات

اترك رد