زمن القصّة القصيرة جدًّا


 

تنتشر وتتردّد مقولة { هذا زمن القصّة القصيرة جدًّا } في كلّ آن ومكان ، وتكثر النّصوص القصصية القصيرة جدًّا منشورة في المجاميع وعلى أعمدة المجلاّت والصّحف و في صفحات المواقع الإلكترونية الأدبية ، وهي نصوص يُحاول كُتّابها تبيان كفاءتها الأدبية والكشف عن مدى الاهتمام بالإنسان في بواطنه ومشاغله و صلته بالزّمن ، وتُبحر في عوالم الحبّ والتّمرد والحرّية ، وهي تجيب على سؤال : لماذا نكتب ؟ . ويتبدّى التّشابك الهائل لهذا الإنسان المتحوّل من خلال هذا الإبداع القصصي الجديد ، إنّها القصّة القصيرة جدًّا تحفرُ في الإنسان وتكشفُ غرائبه وعجائبه ، وهي لا تستثني في الحفر حياته و علاقاته بالآخر و نبضه الفيّاض وأحلامه. إذ المبدع يتفاعل مع ذاته ووسطه و قضايا عصره و جميع العذابات اللّذيذة و المريرة و الأشواق و الأذواق و الأحلام ، وينتجُ هذه الألوان و الأشكال ويصوّر الأحوال الإنسانية المعيشيّة في نصوص قصيرة ،لا تشترط الكثير من الوقت لقراءتها ، فهي تومض وتُبرق و توحي إلغازا وتلميحًا . إنّه شكل سرديٌّ بليغ في خطابه و بنائه و سريع في انتشاره ، ولكن هل حقّق هذا الشّكل اللّطيف الخفيف الشروط الأجناسيّة ليصبح جنسا مميّزًا ومحصّنًا ومستقلاّ له منطق اشتغال و أسلوب قراءة ؟

المسألة استثارت النُّقاد و الأدباء وهي بالغة التّعقيد ، لأنّ جنس القصّة القصيرة الّذي سيُهيئ السّبيل نظريًّا و تلقيًّا للقصّة القصيرة جدًّا، يعاني من تنويعات في تحديداته التّنظيريّة ، بسبب ظهور نماذج قصصية قصيرة جديدة تخلق الاستثناء في الضّوابط المُعتمدة ، ممّا جعل النّقد يشتغل أكثر على جنس القصّة القصيرة . إنّنا نحاول مقاربة الموضوع مرّة أخرى علّنا نجد شرعية أدبية لهذا الشكل داخل منظومة الأجناس الأدبية .

1/ جبران خليل جبران وقصّاصين عرب و ولادة القصّة القصيرة جدّا :
كانت الولادة الأولى للقصّة القصيرة جدّا عفوية ومن غير وعي مع جبران خليل جبران بدون منازع في كتابيه { المجنون والتّائه }، لأنّ نصوص الكتابين لم تحمل اسم { قصص قصيرة جدا }، رغم أنّها تطرح علاقة الذّات بنفسها وبربّها و بمن حولها ، و تثير قضايا وإشكاليات وجوديّة فلسفية مختلفة ، تنبثق من ذات ثائرة على الجمود و المجتمع و الرّكون والرّتابة و التّسييج الثقّافي ، وعلى السّلطات المبثوثة بأنواعها و قُبحها و بشاعتها ، ذات مفكّرة حائرة تائقة إلى التحرّر، ممّا أكسب النّصوص عذوبة ومتعة و جعل الإقبال عليها كثيفا والإعجاب بهذا النوع القصصي هائلا ، وآية ذلك أن أدرجت عديد وزارات التّربية نصوصا لجبران في الكُتب المدرسيّة ، لأنّها تخالف السّائد وتجرّبُ جرأة القول و فتّوة الكتابة المختلفة ، وتعبّر عن قلق الإنسان و انزعاج روحه ووجدانه وعقله ، وسط عالم اشتدّت فيه رياح التّغيير الاقتصادي والسياسي و الثّقافي . و اجتنب جبران خليل جبران في نصوصه الإطالة والإسهاب وأبحر في الذّات مركز الكون و قطبه الفاعل . فجعلها قصيرة جدا مفعمة بالإيجاز و التّلغيز و السّخرية و الانزياح والإيحاء ووحدة المقطع وقِصر الحجم ، وهي تقنيات فنيّة أصبحت اليوم من سمات القصّة القصيرة جدًّا . و ظهرت تجارب قصصية قصيرة جدًّا أخرى في الأربعينيات من القرن العشرين نذكرُ المجموعة القصصية { العذارى } للكاتب اللّبناني توفيق يوسف عوّاد سنة 1944 ، و كانت ولادة هذا الفنّ في العراق أيضا في نفس الفترة ، عندما نشر المحامي العراقي يوئيل رسّام نصوصا قصصيّة قصيرة ، وتتالت التّجارب وتلاحقت الأجيال الّتي تكتب هذا اللّون الفنّي في العراق ، و تراكمت النّصوص ما بين العقدين السّتين والسّبعين من القرن العشرين ، وتواصلت ولكن يبدو أنّ ظهورجنس القصة القصيرة جدّا بوعي و حبكة فنيّة و إتقان لشرط و ضوابط هذا الجنس ، قد كان ظهورا عراقيًّا . واستمرّت المحاولات القصصية و امتدّت زمنيًّا لتصبح أكثر مشروعية ، وتتبلور كجنس أدبيّ وافد وكان ذلك في بداية التّسعينيات . إذ شغل هذا الجنس الأدبي جمهور الكُتّاب والنّقاد و شدّ إليه جمهورا عريضا في السّاحة الثقافية العربيّة ، فكثر الحديث عنه ، و تعدّدت الدّراسات والبحوث فيه ، مثلما تطوّرت حركة التّجريب في سوريا وفلسطين والعراق ولبنان وازدهر في مصر والسعودية والكويت وقطر و عُمان والبحرين والأردن والسّودان و تونس و الجزائر والمغرب ، وبلدان عديدة أخرى في العالم . ولكن ماهي أبرز الخصائص الفنيّة و الشّكلية للقصّة قصيرة جدًّا ؟

2/ الخصائص الفنيّة و الشكليّة للقصّة القصيرة جدُّا :
تطوّرت الحالات التجريبيّة في القصّة القصيرة جدًّا ، الّتي دفعت القصّاص إلى الانفتاح على خيارات أخرى و توظيف تقنيات جديدة بِنيّة التّمرّد على نظرية الأجناس الأدبية المتعاقد عليها ضمن نظريّة الأدب، وإعادة {ذات} المؤلّف إلى المجال التّخييلي بما يسمّى { تذويت الكتابة } ، وبذلك إدخال الذّات باطن التّخييل فأصبحت حاكية ومحكيّة، وتبدّى ، فتأثّرت اللّغة وكذلك البناء. ووفق مبدأي الخرق والتّجاوز من جهة ، وبسبب تأثير عصرنا عصر الوسائط التكنولوجيّة في حياة وشكل تواصل الأفراد و سلوكهم ، ولأنّ الإنسان أصبح يعبّرُ بحريّة وسرعة عن إداركه للذّات وللعالم من جهة ثانية ، تميّزت القصّة القصيرة جدا بـقِصر الحجم ، و{ إذا وقفنا أمام السؤال الذي يثير لغطاً كبيراً: كم يبلغ طول أقصر قصة قصيرة جداً ؟ اعتماداً على ما يقوله السرديّون لا يبدو الأمر معضلة كبيرة، فأقصر قصة ينبغي أن تتألف من واقعتين، والواقعة (Event) تتجلى من خلال تعبير سردي يظهر حدثاً ما (مثل: غادر العصفور قفصه)، وإذا افترضنا أنّ هذه الواقعة هي بداية قصة قصيرة جداً، فنحن بحاجة إلى واقعة أخرى، أي تعبير سردي آخر، على الأقل، لننشئ أصغر حكاية ممكنة، تقود فيها الواقعة الأولى السردَ صعوداً نحو الذروة، في حين تقوده الواقعة الثانية نحو نهاية تسعى إلى إحداث مفاجأة (Surprise) تعمّق الإحساس بدلالة النص. ولا نعتقد أنّ قصةً قصيرة جداً يمكن أن تكون أقصر من ذلك.. اللهم إلا إذا خطر للمبدعين الذين ينشغلون بكسر قواعد النقد، أن يضعوا عنواناً ما يقوم بتأزيم الحالة، ليقودوها من ثم نحو الحل، عبر واقعة واحدة.

وفي مقابل السؤال السابق، يمكن أن يُثار سؤال آخر:
إلى أي حدّ يمكن أن تطول؟ وكم واقعة تحتمل؟
نعتقد أّنّ القصة القصيرة جداً يمكن أن تحتمل واقعتين أو ثلاثاً أو أربعاً….. أو عشراً، مع ضرورة الاكتفاء بوحدة نصية واحدة (Lexia)، قد تطول قليلاً، ولكنها تكوّن أصغر مِساحة حِكائية، تمكن فيها ملاحظة الدلالة.}أنظر الحطيني يوسف ، الهوية السردية للقصّة القصيرة جدّا . و ثمّة مجموعة سمات أخرى لصيقة بقصر حجم القصّة القصيرة جدًّا ، هي خاصيّات تميّزها عن غيرها من الأجناس ونذكر التّكثيف : { إنّ التكثيف الذي يعدّ، حسب جميع المنظرين، ركناً أساسياً من أركان القصة القصيرة[3]هو تكثيف بنيوي، لأنه ناتج من نواتج البنية التي تنأى عن تداخل الحكايات، وهو بهذا يختلف عن التكثيف اللغوي والشعوري الذي نجده في القصة القصيرة، ويفترض انعكاسات تتجسد على مستوى البنية العميقة.

يفترض التكثيف أن تلجأ القصة القصيرة جداً إلى التعميم من خلال بعض الظواهر، ومن أبرز تلك الظواهر الابتعاد عن تسمية الشخصيات التي تقوم بالوظائف الأساسية للحكي، وتقديم الشخصية النموذج التي ترتبط في ذهن القارئ بمجموعة من سمات يختصرها السرد، والاعتماد على البنية اللازمنية للسرد (AchronicStructure)، ويخيّل إلي أن لهذا التعميم ما يسوّغه؛ إذ يمارس قدرة كبيرة في تعدد الدلالات الذي يبحث عن القاص ضمن تلك المساحة النصية.

فإذا انتقلنا إلى الحكاية في ظلّ التّكثيف وجدنا، إضافة إلى ما سبقت الإشارة إليه، أنّ بدايتها تتجنّب ما يُعرف في السرد بالتهيئة (Advance Mention)، وهي تعني أن يزرع السارد بذوراً سردية، لا تظهر أهميتها في حينه، دون أن يلمّح إطلاقاً إلى ما سيحدث، وفي لحظة يختارها بعناية تبرز أهمية تلك البذور التي يجني القارئ دلالتها، إذ يندر أن نجد مثل هذه التهيئة في القصة القصيرة جداً، لأن البنية السهمية للحدث لا تتيح ذلك، فإذا وُجِدت بشكل ما في مطلع القصة ترتّب على القاص أن يستثمرها في سرد لا يتأخر كثيراً، ومن المحتمل جداً أن يعتمد عليها الكاتب في صناعة المفارقة[4] ليُنتج لحظة التنوير.

وأمّا الصّراع (Conflict) الذي تخوضه الشخصيات في القصة القصيرة جداً، فهو غالباً ما يكون ضد قدر أو وسط اجتماعي أو ظرف سياسي سائد، وفي مثل هذه الحالات يفيد القاص من وضع عام، ليس بحاجة إلى تعريف القارئ به، وهذا ما يمنح قصته مزيداً من التكثيف.

وتبدو مهمة القاص في ربط عناصر الحبكة شديدةَ الدقة، فالمساحة الطباعية الصغيرة التي تشغلها القصة القصيرة جداً تكشف العيوب بسرعة، حيث يبدو كلّ ناشز مكشوفاً، وحيث يظهر افتقار الحدث لمنطق السببية(Causality) واضحاً أمام المتلقي، وهذا ما يمكن أن يفقد القصة سمتها الجوهرية، لأنّ السببية كما يرى السرديون هي المحرّك الأقوى للسردية} أنظر الحطيني يوسف ، الهوية السردية للقصّة القصيرة جدّا.

القصّة القصيرة جدّا بين تعدّد التسميات و المصطلحات :
كثرت الدّراسات وكثرت التسميات و المصطلحات الّتي خصّ بها النّقاد هذا النّوع الأدبي الجديد لضبط هذا المنجز الأدبي تنظيرا و ممارسة ، ونذكر من هذه التسميات : القصّة اللّقطة ، القصّة الومضة ، خواطر قصصيّة ، التّخييل القصصي ، القصّة القصيرة اللّوحة ، مقطوعات قصصيّة ، بورتريهات ، مقامات قصصيّة .. إلاّ أنّنا نحبّذ مصطلح القصّة القصيرة جدًّا ، وهو مصطلح يشير بدقّة إلى ركنين أساسيين لهذا الفنّ الأدبي الجديد وهما : 1/ النّزعة السرديّة القصصيّة ، و 2/ قصر الحجم .

والقصّة القصيرة جدّا نوع أدبيّ يرتكز على بلاغة التّكثيف و الاقتصاد اللّغوي ، ويعرّفها باسم عبد الحميد حمودي قائلا : { ليست جسدا مفصولا عن فنّ القصّة القصيرة ، ولكنّها تراعي التّكثيف ، والجوّ الخاص وضربة النّهاية وتراعي التّركيز والاقتصاد في الكلمات كذلك }. ووصفها عبد العاطي الزّياني: { .. فلعلّ القصّة القصيرة جدّا ـ على ما يبدوـ عموما إبداع فنيّ يخلو من الحواشي والاستطرادات والتّراخي والتَكرار الزائد عن الحاجة ، دأبها الاكتشاف المدهش ، وكدّها رصدها مفارقة ، ودفعها إلى اللّحظة الحرجة ، تستقي من الإثارات والإيماءات إمكانياتها في نصب أشراك جمالية أمام القارئ . ومادامت القصّة القصيرة جدا جنسا أدبيا فهي غصن في شجرة الأدب } {أنظر كتابه الماكروتخييل في القصّة القصيرة جدّا بالمغرب ص13}.

كما تتميّز القصّة القصيرة جدّا بالإيجاز والاختزال الطباعي والامتداد الدّلالي والاتّساع العنواني وترتكز على الدّهشة وطرافة الحكاية والحفر في المسكوت عنه وتعرية المنسيّ والمهمّش . ولها القدرة الفائقة في ذلك إذا وجدنا لها سمات أخرى من ذلك :
الإدهاش و المفارقة و اللحظة الحرجة و الإثارة والإيماء و الانفتاح و الاتّساع و التّناص و التّرميز والتّبئير والشّحنة و الإشعاع و الومضة والإشراق و شعرية اللّغة و التّشظية والتّركيز الدّقيق و الإيحاء و النّهاية المباغتة ذات الوقع الجمالي .

ونشير إلى أهميّة العنوان في القصّة القصيرة جدّا على وجه التّخصيص ، ذلك أنّه مشروط بميزات محدّدة أدقّها التّكثيف و الإيحاء ، وبذلك لا يكون مجرّد مؤشّرا على مضامين النّص ، لأنّه يحدّد العلاقة بينه وبين حساسية التّلقي ، فهو نقط ضوء رئيسيّة بل منارة النّص ، إذ يختاره الكاتب بدقّة متناهية ، و العنوان يعتبر تحدّيًا تقنيا و فنيًّا و جماليًّا من جملة تحدّيات أخرى ، إذ كيف سيختار الكاتب جُمله فعلية واسميّة بدقّة فائقة ؟ ، وكيف يقدر أن يربط بين جُمل مُوحية دلاليا و قصيرة لغويًّا ، ونجده حرفيًّا بارعًا في الإيجاز السّردي دون أن يُهمل حبل الحكيِّ الواصل بينه وبين القارئ ، إنّها لعبة محفوفة بالمكاره و الأخطار ، فكلّما تعمّق التكثيف و الاقتصاد اللّغوي ، إلاّ وازداد الخوف من نفور القارئ من هذا النّوع السّردي الجديد . إنّه قدر هذا اللّون الجديد يحاول الوفاء للسُّنن السّردية السّابقة لتكسبَ شرط تحققّه ،ولكنّ ذلك لا يمنعه السّعيَ إلى نضجه المختلف. فالقصّة القصيرة جدّا تحترم النّظام السّردي السّابق نقصد القصّة القصيرة ولكنّ كاتبها يقدُّ ركائز الاختلاف و التميّز ، وذلك أجاز لبعض النّقاد اعتبار القصّة القصيرة جدًّا نوعا سرديًّا وليست جنسًا أدبيًّا ، فهي استمرار لتطوّر القصّة القصيرة ، في علاقات بالتّبدّلات التّاريخيّة الكبرى في العالم والعميقة للفرد وللمجموعة ، وتشاركية وسائط جديدة في حياة الإنسان ، أحدثت تغيّرات في الزّمن والحياة ، إنّها سلطة التكنولوجيا والتّقنية والميلتيميديا ، التّي اخترقت الواقع الاجتماعي والثقّافي والتّواصلي ، فالوسائط التكنولوجيّة الحديثة باستعمالاتها المتعدّدة تمارس تحكّمًا في الفضاء النّصي للكتابة ، و لم تفلت القصّة القصيرة من ذلك وظهرت معالم و آثار ذلك واضحة في القصّة القصيرة جدّا . ولا يُنسينا ذلك قدرة العُنوان على توجيه فعل القراءة نحو معنى من بين معان ممكنة للنّص أو النّصوص .

القصّة القصيرة جدّا الجنس الأدبي الجديد :
والحاصل أنّ هذا النّوع الأدبي الجديد سردٌ مقدود بحنكة و حرفيّة وإتقان بالغ ، و تشخيص سرديّ لتطوّر فنّ السّرد ، ولا يخرج عن سياق ظهور الأجناس الأدبيّة ، وعليه فالقصّة القصيرة جدًّا هي استمرار تطوّر النّص القصصي القصير من خلال تطوّر النّص السّردي الروائي ، ولا تسمحُ بدخول عناصر منافرة في نظام النّص قد تعبث ببناء الجُمل القصصيّة ، فبناء الجملة وثيق ببناء الحال ، إنّه جنس أدبي داخل الجنس يسخرُ وينتقد و يعرّي بشاعريّة سرديّة تُبحر في التّخييل و التّأويل ، في احتفاء باذخ بالذّات ، يصوّرها في أعماق صراعاتها مع نظام عالميّ جديد مقرف ، ومع كينونتها و مع الواقع السّاقط في التّشييء و التّسليع و الفِتن و الحروب و الاغتراب ، إنّه جنس أدبي مقتدر قادر على الإيغال في الدّفائن و المخفيّات ، وهو يستطيعُ طرح الأسئلة العميقة وإثارة التّساؤلات بجمالية سرديّة ومهارة فريدة متفرّدة ، وأسُّ ذلك كلّه الحجم القصير جدّا . ولمّا اكتسبت القصّة القصيرة جدًّا هذا التميّز السّردي ، استطاعت أن تأتي بالعجائبيّ والمدهش و المفاجئ و تحتفي بالمسكوت عنه و المهمّش ،

وهي بذلك تُتقن التّكثيف و الإيجاز. وقد أثبت هذا النّوع السّردي يوما بعد يوم كفاءته الفنيّة واستوفى الشروط الأدبية، وكثرت النّصوص والتّجارب في العالم العربي ، وكثرت الكُتب والدّراسات ، و يمكن اعتبار القصّة القصيرة جدًّا جنسًا أدبيًّا جديدا له مميّزاته وسماته الخاصّة ، لأنّها لا تخرج عن سياق ظهور الأجناس الأدبية ، فهي ابنة القصّة القصيرة و الرّواية .وإجابة تودوروف عن هذا السّؤال { من أين تأتي الأجناس ؟ } خير دليل على ما ذهبنا إليه : فيقول: بكلّ بساطة تأتي من أجناس أدبية أخرى ، والجنس الجديد هو دائما تحويل لجنس أو عدّة أجناس أدبية قديمة عن طريق القلب أو الزّخرفة أو التّوليف } أنظر كتابه { أصل الأجناس الأدبيّة }.

لا تعليقات

اترك رد