عرض وتحليل ونقد مؤلف الكاتب الجمالي الإسكندر ببادوبولو .. الإسلام والفن الإسلامي ـ 1 ـ


 

تمهيد:
الكتاب من الحجم الكبير، صدر في طبعة جيدة وأنيقة، صفحاته من الورق الرفيع، اشتمل على 173 صورة ملونة و562 صورة بالأبيض والأسود و298 رسما توضيحيا (تصاميم ورسومات وبيانات).

تصدرت صفحة الغلاف الأولى صورة جزئية لمُزوَّقة (أو منمنمة) فارسية.

بعد التمهيد الموقع باسم الناشر والتشكرات الموجهة إلى الشخصيات التي ساهمت أو ساعدت في إنجاز المؤلف يبدأ القارئ فصول الكتاب الموزعة على قسمين رئيسيين:
1- الفصل الأول «الإسلام”، يأتي مباشرة بعد المقدمة التي خصصها المؤلف لحالة الفن الإسلامي، ويشتمل على بابين: الفتح العربي ووسط الحضارة.
2- الفصل الثاني حمل عنوان: “الفنون الإسلامية” واحتوى على سبعة عشر فصلا: تكوين الجمالية الإسلامية، الفسيفساء والتصوير الحائطي، المُزوَّقة، المناظر الوطنية ونهاية التصوير الإسلامي، الفن اللاتمثيلي، الفنون الصغرى، الهندسة المعمارية، أصل المساجد، التقدمة البيزنطية وسنة المدينة، الإرث الهندسي اليوناني، سلالة النماذج الأموية، التقدمة المعمارية والجمالية الإيرانية، تأثير الأشكال الجمالية الإيرانية، العمارة في تركيا، العمارة الدينية في مصر على عهد المماليك، العمارة الإسلامية في الهند، العمارة المدنيَة في الإسلام.
وختم المؤلف كتابه بفصل خصصه للوثائق الإكنوغرافية اشتمل على صور ورسومات بيانية عن العمارة وتقنيات المنمنمات التشكيلية وتطور الأشكال المعمارية تاريخيا وجغرافيا عبر أرجاء العالم الإسلامي، كما أدرج في هذا الفصل فهرست الفلاسفة المسلمين والعلماء والمؤرخين والجغرافيين والشعراء والكتاب والمصورين والمهندسين والملوك ورجالات الدولة.

وفيما يلي نستعرض هذه الفصول بشيء من التفصيل محللين ومناقشين بعض الأفكار التي وردت فيها (سنتابع عرض فصول الكتاب في حلقات).
حالة الفن الإسلامي
اشتد وعي الناس منذ فترة متقدمة وكثر اهتمامهم بالعالم الإسلامي وثقافاته وحضارته عموما وركز المختصون منهم الاهتمام بالميادين الثقافية والاقتصادية والسياسية وغيرها. فكثرت المؤلفات التي خصصت دراسات تختلف نوعيتها من كاتب لآخر بهدف التعرف والتعريف بجغرافية العالم الإسلامي.

ومن الميادين التي شدت إليها انتباه المفكرين والباحثين، الفن الإسلامي والجمالية الإسلامية، وعكس أولئك الذين بحثوا عن أنواع التأثيرات التي تركت بصمتها داخل أو خارج العالم الإسلامي. يرى الكاتب أهمية دراسة هذه فنون حسب انتمائها إلى عالم الفن، وفي علاقتها مع الدين الإسلامي الذي تبناها لذلك يجب القيام بتوضيح بسيط ومختلف حول الفن الإسلامي كفن مستقل بذاته.

يبقى في نظر الكاتب فكر الفنان الذي بلور تلك التأثيرات أكثر من التأثيرات نفسها. ذلك أنه تعامل معها حسب المثل التي جاء بها الإسلام والتي تخضع لأوامره ونواهيه، كالمحاكاة مثلا، كما يجب التركيز على موجبات الأوامر الدينية والكيفية التي طبقت بها أثناء تكوين الفن الإسلامي. وهذا ما يتعلق بسيكولوجية الفنان وطريقة تعامله مه الشرائع الدينية، قصد الوصول إلى ثورة جمالية أصيلة تساعد على بناء فن إسلامي حقيقي.

وإن الوحدة الجمالية الثابتة عبر الزمن التي تتمتع بها الأعمال الفنية لتفرض نفسها على المشاهد، وإن أصالة هذا الفن المترتبة عن ثورة جمالية عميقة مرتبطة برؤى العالم والفن، تعللان عدم فهم مضمون الأعمال الفنية الإسلامية وقراءتها. وإن العامل الديني هو الذي يؤكد الوحدة الفنية التي تربط بين الأقاليم والتي يحمل سماتها كل عمل على حدة (جورج مارسيه).

ولا ينكر الكاتب دور المؤثرات الجغرافية والإقليمية وآثارها على الفن الإسلامي، ويؤكد على أن هذا الدور لا يعين إلا بتعريف طبيعة الهدف الجمالي الموحد حسب معطيات ثيولوجيا وفلسفية إسلامية. وهكذا يقول المؤلف:” نجد أن فناني الشرق الأوسط الذين يحملون إرث تقاليد عريقة في القدم هم الذين توصلوا إلى إيجاد حل للمشاكل التي وضعها الدين، وذلك باختلاقهم جمالية جديدة”.
هذا أدى بالكاتب إلى طرح نقاش حول التسمية التي يمكن إطلاقها على الفن الإسلامي لضبط تعريفاتها وتحديدها اصطلاحيا.

فنجده يرد تسمية “فنون البلدان الإسلامية” بدعوى أن فنونا أجنبية مازالت تتداول بهذه البلدان تحت راية الإسلام، وحتى تسمية «الفن الإسلامي غير مقبولة في الواقع لأن العرب لم يعرفوا أي فن” (1). ولم يهتموا بتعاطي الحرف اليدوية التي كان ينظر إليها على أنها دنيئة. وفي نظر الكاتب أن هذه الحالة مستمرة إلى يومنا هذا حيث إن “العرب لا يرون رغبة في مس العجين بأيديهم”!

الحقيقة أن كلام الكاتب به شيء من المبالغة والتعميم خصوصا وأنه يقارن عرب الأمس بعرب اليوم وما يجري على أولئك يجري أيضا على هؤلاء. ونظن أن تعميم الحكم هذا غير جائز حتى على عرب الجاهلية أنفسهم، إضافة إلى أن تعاطي الحرف أو تحاشيه في الجاهلية لا علاقة له بالفن الإسلامي، لأن العقليات تطورت والتقاليد تغيرت فأصبح الإنسان العربي المسلم مغايرا تماما لذلك الإنسان الذي عاش في العهد الجاهلي، هذا مع العلم أن الإسلام نفسه يحث كثيرا على العمل بشهادة آيات قرآنية عديدة وأحاديث نبوية شريفة.

ونتج عن غياب الأيدي العربية وتدخل الأيدي الأجنبية المسيحية في جميع النشاطات الفنية فتور الجمالية الإسلامية، خلال الفترات الأولى من ظهور الإسلام فبقيت قواعد الفن عبارة عن تمديد لفن الشرق الأوسط البيزنطي. ورغم أن هناك فنانين مسلمين عملوا بجانب هؤلاء الأجانب أو أن العمل المنجز كان من طلب أحد المسلمين، فإن جمالية العمل بعناصرها وتكويناتها لا يمكن إخضاعها للدين الذي يعتنقه كلاهما، أي الفنان وصاحب الطلب. ويربط الكاتب بين القديم والحديث فيؤكد على أن الفنانين المسلمين كانوا دائما مسيرين في ممارساتهم الفنية بسيطرة الفكر الغربي وثقافته، هذه السيطرة التي اشتدت حدتها مع أواخر القرن السابع عشر حيث توقف الفنانون العرب عن الخضوع لقواعد الجمالية الإسلامية.

ويؤكد الكاتب على أن أي عمارة وجدت قبل الإسلام لا يمكن اعتبارها عمارة إسلامية بإخضاعها فقط لوظيفة دينية كما هو حال مسجد إسطنبول (أو القديسة صوفيا) كما كان يسمى في العهد الكنائسي، كما أن أي تصوير تمثيلي يعالج موضوعا دينيا لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن نسميه تصويرا إسلاميا لأنه أولا وقبل كل شيء يخالف شرائع تحريم الصور، وثانيا ربما أنه يهتم بموضوعات نهي النقاش فيها حتى على صعيد الكلام (كالموضوعات الميتافيزيقية مثلا).
بالمقابل لهذا نجد أن عملا فنيا رغم واقعية موضوعه يمكن أن يدرج في الفن الإسلامي إذا خضع لجمالية معينة يشرح الكاتب تفاصيلها في فصل تال من مؤلفه.

إن إشكالية علاقة العمل الفني بالموضوع أو خضوعه لجمالية معينة نتجت عنها أخطاء في قراءة العمل الفني وطريقة تفكيك رموزه، وحسب نظرية الفن الحديث يبقى الموضوع ثانويا إذا اعتبرنا أن العمل الفني يفرض نفسه على المتلقي عن طريق عالمه المستقل. ومن هنا نسلم إلى أن الفن ليس فقط تمثلا للواقع ولكنه إبداع يفوق المحاكاة Mimésis.

فجمالية الفن الإسلامية ومثلها تساوق نفس المثل التي يتقيد بها الفن الحديث والتي تجلت بالدرجة الأولى، في رفض محاكاة ظواهر الطبيعة الحسية.

ونجد الكاتب يتخذ موقفا من كل أولئك الذين يقيمون الفن الإسلامي بإخضاعه لقواعد الواقعية التمثيلية الغربية المهملة بدورها، وهذا يكشف عن جهل بالفن الإسلامي.

“إن القرن الذي مر منذ ثورة الفن الحديث يبدو غير كاف بالنسبة للمتخصصين الذين يدرسون الفن الإسلامي ليعوا أن جمالية الأعمال الفنية تخضع لنفس المثل التي يخضع لها الفن الحديث والتي تتجلى في رفض الظواهر الحسية، المحاكاتية كمثل للفن” (ص 24).

لكن يبدو أن الكاتب يبالغ حينما يتحدث عن “المتخصصين الذين يدرسون الفن” بدون استثناء. والمعلوم أن عددا كبيرا من الكتاب المهتمين بهذا الفن والذين عاشوا قبل المؤلف أعطوا أهمية كبيرة في كتاباتهم للطابع التجريدي الذي تتميز به تكوينات الفن الإسلامي التشكيلية. وأثاروا مسألة غياب التمثيلية التصويرية في هذا الفن. فنجد جورج مارسيه يقول سنة 1962: “إننا لا ننكر أن الحكم الديني احتفظ بكل قساوته في التكوينات التي تزين الصروح والأشياء المستعملة في أغراض العبادة، وأن هذا الحكم وضع ثقله على نمو وتطور الفن الإسلامي كله، فساعد على حرمانه من التماثيل وجعل الفنانين يبتعدون عن ملاحظة ومحاكاة العالم الذي يحيط بهم. وساعد على توجيههم إلى إبداع أشكال أجنبية عن الطبيعة “(2)، هذه الأشكال التي تتجسد في فن التزيين الذي لا يخلو من سماكة فكرية عميقة توازي تلك التي يتمتع بها الفن التجريدي الحديث، وهذا العمق في الفكر جعل فن الخطاطين يتمتع بمكانة هامة داخل الحياة الثقافية الإسلامية “حتى أصبح رابطة تجمع بين الشعوب الإسلامية رغم الحدود الحاجزة”.

هوامش:

٭ (PAPADOPOULO A.- L’islam et l’art musulman. Edité par Mazenod (1976

1- تأكيد من باب حكم القيمة، ذلك أن العرب تعاطوا لعمليات النحت والنقش خلال فترات ما قبل الإسلام، ويمكن اعتبار الأعمال المتولدة عن هذه الفترة أعمالا لا فنية إذا نظرنا إليها من جهة الوظيفة فقط، لكن لا ننس أن كل الأعمال الفنية المعروفة لدينا اليوم والتي تملأ بها قاعات ورفوف المتاحف العالمية كانت في بدايتها وظيفية ووظيفية فقط.

كيف نحكم إذا على الأعمال النحتية العربية بأنها لأتحمل أي معنى جمالي وأنها لا تتمتع بميزات تشكيلية ترقى بها إلى مستوى الفن؟ وللأسف أن عددا من الكتاب العرب سقطوا في فخ هذه الأفكار الاستشراقية.

ففي كتاب “الفن والإنسان” لعزالدين إسماعيل نجد أن “العرب (صنعوا) آلهتهم تماثيل يعبدونها ولكن أكانت حقا تماثيل بالمعنى الحقيقي؟ أعني أكانت تماثيل كتلك التي جسم فيها المصريون القدماء والهنود والصينيون والإغريق آلهتهم؟ أغلب الظن أنها لم تكن كذلك لأن العرب لم يشغلوا أنفسهم بفن النحت، ولم تكشف لنا الآثار عن أي تماثيل من ذلك العصر أو عن تصاوير بارزة أو محفورة أو عن أي أثر من آثار الفنون التشكيلية”. (ص65).

يلاحظ أن الكاتب يغيب عنه مفهوم الفن خارج نطاق جمالية عصر النهضة، ففي نظره أن أي إبداع فني لا يخضع للمعايير والقواعد الكلاسيكية يعتبر شيئا آخر غير كونه فنا. ونؤكد عكس ما قاله، بأن العرب تركوا عددا من اللوحات الحجرية المنقوشة والمحفورة توجد على أسطحها كتابات حفرت بدقة ومرونة تشهد على أن أصحابها كانوا على دراية بتقنيات النقش على الحجر.

كما نتساءل عما يقصده الكاتب ب «المعنى الحقيقي” الذي يجب في نظره أن تتوفر عليه المنحوتات العربية قبل الإسلام!

2- لا نظن أن الأشكال الفنية التي أبدعها الفنان المسلم “أجنبية عن الطبيعة”، ونقصد هنا التوريقات، الأشكال الهندسية المتفرعة عن عالم النبات والتي تغني فن الأرابيسك. فالظاهر أن جورج مارسيه لم يحلل هذه الأشكال كما كان ينبغي بل إنه نسي أن تبسيطها والتخلي عن كل الجزئيات النباتية لم يكن عبثا وإنما جاء عن طريق دراستها وملاحظتها ملاحظة علمية دقيقة. من هنا ندرك أن الفنان العربي المسلم لم يحاك الطبيعة بل كان يمعن النظر فيها ليحلل رموزها فيكشف لنا عبر رسوماته عما هو أهم في أشكالها في تكويناتها.

لا تعليقات

اترك رد