حياة القدّيسين اختبار المحبّة واحتمال مشقّات الحياة


 

القدّيسون، هم أولئك السّابحون في دائرة العشق الإلهي، المائتون عن العالم بفعل إراديّ حرّ، المختبرون أهمّيّة الطّاعة الّتي تعزّز الانسحاق أمام الله، وتثبّت الإنسان على الثّقة به أنّى حملته رياح هذا العالم المرعب.
قد ينبذ كثيرون مبدأ الطّاعة، إذ إنّهم يعتبرونها فعل خضوع واستسلام وخنوع، يعطّل الحرّيّة الإنسانيّة، ويميت في داخله روح التّمرّد. بيد أنّ القدّيس هو ذاك المتمرّد بامتياز، على ذاته أوّلاً، ثمّ على روح الشّرّ في العالم. ويعبّر عن هذا التّمرّد بالطّاعة ، دون إعادة النّظر في ما يُطلب منه، لأنّه مغمور بالحبّ الإلهيّ. فلا يعود قادراً إلّا على بذل الحياة من أجل حبّه.
قد يعتبر الإنسان نفسه حرّاً في تحديد مصيره، أو اختيار نهج حياته، أو انتقاء أسلوب خاصّ يحيا من خلاله حرّاً، إلّا أنّ لا أحد يحيا الحرّيّة بالفعل إلّا إذا كان خلقاً جديداً في الرّبّ. وما إن يغمره فيض الحبّ الإلهيّ حتّى يستعيد حرّيّته الأولى ويسير في هذا العالم منتمياً إلى السّماء. لأنّ الخلق الجديد مجبول بالحبّ.
يقول القدّيس باسيليوس الكبير: “درّب جسدك على طاعة نفسك ودرّب نفسك على طاعة الله”. وفي هذا القول اختبار عميق لفلسفة الطّاعة، وقدرتها على تحرير الإنسان من قيود التّركيبة الإنسانيّة الغريبة العجيبة. الطّاعة مبدأ المحبّين، إذ إنّها فعل حبّ بامتياز ينتج عن تلك العلاقة الحميمة مع الله. فلا تأتي الطّاعة في سياق التّطبيق لتعليمات الله أو شريعته، بل إنّها هيام يفضي إلى تحقيق مشيئته حبّاً به وحسب.
“من يحبّ قليلاً، يعطي قليلاً ومن يحبّ أكثر يعطي أكثر ومن يحبّ كثيراً جداً يعطي ذاته. المسيح هو حبّنا، هو عشقنا” (القدّيس بورفيريوس الرّائي). وإذ يقرّر الإنسان أن يعطي ذاته لله فلأنّه ذاب حبّاً به ولم يعد يرى سواه. وبالتّالي فالطّاعة المرادفة للحبّ أمر بديهيّ في هذه العلاقة الإلهيّة الإنسانيّة. كما أنّ مفهوم هذه الطّاعة المغمورة بالحبّ، مغاير للمفهوم الإنسانيّ للطّاعة المرتبط غالباً بالعبوديّة والاستعباد. الله الحبّ يحرّر الإنسان بالحبّ، وأمّا الحبّ الأرضيّ ففي جزء كبير منه يأسر الكيان الإنسانيّ، وقد يحمل تناقضات لا تحقّق الفرح للإنسان. والطّاعة ضمن إطار الحبّ الإلهيّ وعيٌ للخير الّذي يريده الله لجميع النّاس، فيسعى القدّيس جاهداً ودون تردّد إلى طاعة المشيئة الإلهيّة بغية تحقيق الخير الإلهي.
كانت الطّاعة الحرّة المُحبّة العلامة المميّزة في جهاد القدّيسين، ولا ريب أنّها مدّتهم بالقوّة الفكريّة والنّفسيّة والجسديّة، وإلّا فكيف يمكننا أن نفهم قدرتهم على احتمال كلّ المشقّات والمعوقات الّتي واجهتهم حتّى نهاية حياتهم.
يمكن تحديد مفهوم الطّاعة للحبّ الإلهيّ كداعم للإرادة الإنسانيّة من جهة، فتحتمل تلقائيّاً كلّ شيء وتصبر على كلّ شيء، لأنّها تتقوّى وتتغذّى بالحبّ الإلهيّ. ومن جهة أخرى، تشكّل الطّاعة تعبيراً صامتاً عن الحبّ ولكنّه في ذات الوقت تعبير فاعل يملأ الإنسان فرحاً وسروراً. فيحيا في السّماء وهو بعدُ على الأرض.

الطّاعة، السّلوك الأساسيّ في حياة المحبّين، حبّ لا يهدأ، وتفاعل مع النّعمة الإلهيّة حتّى النّهاية ورغبة عميقة في الانصهار بالله، وعشق كبير جعلهم يحتملون الألم والمرض والتّعب. حمل القدّيسون العاشقون صليب الحبّ بطاعة لا متناهية، وبفرح عظيم. وهو صليب لأنّه طريق شاقّ ومضنٍ لكنّه فرح بالحياة الإلهيّة. تلك الحياة المغروسة في الإنسان الّتي تجذبه إلى فوق، إلى الجمال الأعلى.

لا تعليقات

اترك رد