تدفق المهاجرين على الدول المتقدمة … يفرض استعادة الاستقرار في دول منطقة الشرق الأوسط

 

أرادت الولايات المتحدة أن تنقل تجربة أوربا حول الإصلاح الديني في العصور الوسطى إلى منطقة الشرق الأوسط، بحجة مواجهة الإرهاب العالمي، الذي خلقته الولايات المتحدة في المنطقة بعد أحداث 11 سبتمبر بغزوها أفغانستان والعراق بحجة محاربة الإرهاب في المنطقة الذي تسبب في أحداث 11 سبتمبر رغم تبرؤ أسامة بن لادن زعيم القاعدة من أحداث 11 سبتمبر.

حتى أصبح الإرهاب معضلة يعاني منها الغرب بعدما كانت تعتقد أنها محصورة في منطقة الشرق الأوسط بل وكانت تعتقد أنها منطقة جاذبة للمتشددين من أوربا نحو منطقة الشرق الأوسط للتخلص منهم، ويتساءل الكثيرون هل الإرهاب أصبح إشكالية عالمية في تهديد الأمن أم خلل في المفاهيم وفي الاستراتيجيات؟، لكن البابا أجاب على هذه الإشكالية التي اسمها الإرهاب عندما صرح ( العالم يشهد مناخ حرب عالمية ثالثة يؤججه دعاة الصدام بين الحضارات) لمجرد فقط نقض اتفاقية سايكس بيكو التي مضى عليها أكثر من مائة عام التي رعتها بريطانيا وفرنسا لتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يتواءم مع متطلبات مرحلة جديدة من الهيمنة ما بعد الحرب الباردة استباقا لمرحلة مستقبلية في صراع على الشرق الأوسط مع دول صاعدة مثل الصين.

تجربة أوربا في صياغة حركة الإصلاح الديني التي كانت بداية تفسخ في وسط وغرب أوربا إلى مذاهب مسيحية مختلفة كثيرا، منها رافضة للمذهب الكاثوليكي ولقيادة الكنيسة في روما، وأثرت حركة مارتن لوثر في فتح المجال أمام ظهور مزيد من حركات الإصلاح المسيحي التي استمرت حتى يومنا هذا، أثرت في النسيج السياسي والاجتماعي وحتى الاقتصادي.

شجع مارتن لوثر الكثير من المتحفظين والرافضين لرؤية الكنيسة الضيقة والمتشددة في الديانة المسيحية في رفض ممارسات الكنيسة في بيع صكوك الغفران، باعتبار أن الله هو غافر الذنوب وليس للكنيسة أي دور في هذا الإطار، التي ركزت السلطة في أيدي البابا والسلك الكنسي.

اتخذت الحركة الإصلاحية من سويسرا المنقسمة إلى ثلاثة عشر مقاطعة بلا سلطة مركزية قوية وهو ما منحها هامشا من الحركة والحرية مقارنة بدول أوربية أخرى لها سلطة مركزية قوية مرتبطة بشكل مباشر بسلطان الكنيسة في روما.

وجدت الولايات المتحدة مبتغاها في ثورات الربيع العربي التي ساهمت في انهيار دول منقسمة بلا سلطة مركزية كما في العراق بعد الغزو الأمريكي، وفي سوريا وليبيا نتيجة ثورات الربيع العربي.

لمجرد أن تنقلب على السعودية ومصر اللتان تشكلان محورا ارتكاز للعالم العربي والإسلامي، ارتكبت الولايات المتحدة خطأ الخلط بين مسيرتي التجربة السياسية المسيحية والإسلامية، ومحاولة فرض بعض مسلمات التجربة المسيحية في الغرب على النموذج الإسلامي، لأن المزج الديني بالسياسي انتهى بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، بينما استمر إضفاء الشرعية الدينية على الشرعية السياسية، ولم تكن موجودة أو متشابهة مع الحالة الكاثوليكية.

اتفاقية سايكس بيكو جزأت المنطقة الجغرافية إلى أقاليم سياسية، بينما مشروع الشرق الأوسط الجديد يقسم الإقليم السياسي إلى مقاطعات بلا سلطة مركزية قوية، كما في العراق حاليا بالتعاون مع إيران في تنفيذ هذا المشروع، رغم وجود صراع خفي بين إيران وأمريكا في أن يستثمر أحدهما بداعش في السيطرة على الأرض، وفي أن يستأثر أحدهما بالمنطقة دون الآخر، لكن بعد انسحاب ترمب من الاتفاق النووي مع إيران تغيرت استراتيجية أمريكا وأعلنت الانتصار على داعش وقررت نهاية الحرب على الإرهاب وعلى النفوذ الإيراني أن يتوقف، مما جعلها تتجه إلى فرض عقوبات اقتصادية بدلا من المواجهة المباشرة.

هذا القرار الذي اتخذته أمريكا بعدما وجدت أن هناك انهيار العديد من الدول حتى أصبحت منطقة الشرق الأوسط طاردة للهجرة إلى العالم الغربي، وأيضا تحولت إلى منطقة عبور للهجرة من مناطق أفريقية بسبب أنها مناطق لا يوجد فيها استقرار كليبيا وسوريا.

تسببت تلك الهجرة في أن تفقد الديمقراطية الليبرالية ببعدها الاجتماعي الإنساني العولمي بريقها بسبب تحولها إلى شعوبية ترضي الجمهور في اوربا، وبدأت تفرط في المصالح العليا في الوقت نفسه، أي هجر مبادئ الديمقراطية الليبرالية في قبول الآخر، واحترام حقوق الإنسان، وحق الانتقال والعمل، أي أن إرضاء الجمهور أصبحت الليبرالية تعمل ضد أفكارها المثالية التي ارتضاها مصممو تلك الآلية.

مثلا في المجر يصرح رئيس الوزراء ويعتبر الهجرة التي تعبر من خلال بلده إلى بقية دول أوربا بأنها على غرار الغزو الإسلامي الذي تعرضت له المجر من الدولة العثمانية في الثلث الأول من القرن السادس عشر في معركة موهاتش فقط من أجل

جذب أصوات الناخبين، وللمرة الثالثة تم إعادة انتخاب حزبه في أبريل 2018، سياسيين بدأوا يضغطون على ازرار الخوف من الآخر وتبدي مساوئ العولمة الشريرة والانكفاء وراء ما يسمى الديمقراطية غير الليبرالية، أي بدأ يتعزز في أوربا شعور برفض الآخر، بل ظهرت في المجر شعارات ضد السامية، ولم تصل الديمقراطية الداعية إلى عدالة اجتماعية، وحقوق الإنسان، ومساواة البشر، وانتقال حر للبشر ورأس المال إلى مرافئها الأخيرة التي دعا لها كثير من المفكرين في الثلث الأخير من القرن العشرين أي أنها قد فقدت محركات دفعها.

هناك اتفاق أممي حول الهجرة عقد في مراكش في 5/12/2018 تحت عنوان منتدى الهجرة والتنمية بمشاركة وفود 135 بلدا، وهناك رفض توظيف الهجرة ككبش فداء في التعاطي مع المشكلات الداخلية في بعض الدول، وهناك أيضا دعوة إلى عدم السقوط في الخطابات السلبية حول الهجرة، وتعبئة النيات الطيبة بهدف التعاطي الإيجابي مع الظاهرة، وهذا المنتدى هو امتداد للقمة العاشرة في برلين سنة 2017 تحت عنوان ( نحو عقد اجتماعي عالمي حول الهجرة والتنمية ) من أجل هجرة آمنة ومنظمة ومنتظمة، وبذلك هناك توجه نحو إرساء عقد اجتماعي عالمي.

ميثاق الأمم المتحدة هو لعرض ميثاق الهجرة من أجل الموافقة عليه، وهو اتفاق أممي غير ملزم الذي يدعو لاتخاذ نهج عالمي مشترك حيال تدفق المهاجرين، لكن نددت زعيمة اليمين المتشدد الفرنسي مارين لوبن وكذلك مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السابق ستيف بانون بالميثاق الأممي، وقالت لوبن إن الدولة التي توقع على الميثاق إنما تبرم اتفاقا مع الشيطان، بعدما أعدت الوثيقة الأممية 23 اقتراحا لفتح المجال أمام الهجرة الشرعية وإدارة موقع الهجرة العالمية التي تشمل نحو 250 مليون شخص يشكلون نحو 3 في المائة من سكان العالم.

انسحبت الولايات المتحدة من المحادثات المتعلقة بالاتفاق عام 2017 ورفضته المجر والنمسا ولاتفيا وبولندا وبلغاريا وسلوفاكيا واستراليا، فمثلا اليابان من الدول التي كانت تعارض الهجرة لكن الشيخوخة تدفع اليابان لقبول المزيد من العمال المهاجرين وقدمت حكومة رئيس الوزراء المحافظ شينزو آبي مشروع القانون رغم الانتقادات الشديدة من المعارضة، التي قالت إن مشروع القانون لا يفعل ما يكفي لمعالجة المخاوف بشأن ظروف المعيشة والعمل للمهاجرين.

رغم أن أوربا أيضا تعاني من الشيخوخة، هناك تراجع التأييد الأوربي لاتفاق الهجرة الدولية، لكن الأمم المتحدة تعزو الأسباب لضغوط التيار اليميني المتطرف، فالدول الأوربية ترفض استعادة أرامل وأيتام داعشييها من سوريا، بينما دول كروسيا والسودان وإندونيسيا قبلت إعادتهم، ما يعني أن هذه الدول تغلب الشعبوية على منطق الوحدة وحقوق الإنسان والديمقراطية التي تدعيها، رغم أن غالبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة صادقت على ميثاق مراكش، وانتقد الأمين العام للأمم المتحدة غوتيريش الأكاذيب الكثيرة التي أحاطت بنص الميثاق، فمثلا نجد كارنباور حليفة ميركل زعيمة لحزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي حاولت تمييز نفسها عن المستشارة ميركل بمقترحات تتعلق باللجوء، فطرحت إمكانية إعادة اللاجئين السوريين المرفوضة طلباتهم والمتورطين بجرائم إلى بلدانهم، لكن صدر تقرير بعد ذلك من وزارة الخارجية الألمانية أوضح أن إعادة السوريين إلى بلدهم سيعرض حياتهم للخطر، حتى بلجيكا التي كانت قوة استعمارية غاشمة ومجحفة بل وذات تاريخ من الإبادة الجماعية أيضا لم ترحب بالمهاجرين أبدا.

أصبحت ليبيا والمغرب ودول الشمال الأفريقي المعبر للمهاجرين من أفريقيا ومن مصر إلى القارة العجوز عبر عصابات التهريب وتجار البشر، رغم تعرضهم للموت في عرض البحر، وآخرون يتم إدخالهم مراكز الإيواء في دول العبور، ومن يهرب منهم يبدأ مشوار التفكير في الهجرة مجددا عبر البحر، وهناك سبعة مسارات للهجرة من تشاد والسودان إلى ليبيا عبر أوربا ومصر، وتعد المليشيات المسلحة جهات فاعلة في شبكات التهريب عبر حماية قوافل المهاجرين التي تسمى رحلات الموت بسبب تكدس المهاجرين في القوارب التي تعبر البحر المتوسط التي سميت بقوارب الموت.

كما أن المغرب بلد عبور بسبب اعتماد المغرب سياسة جديدة في مجال الهجرة تنطلق من البعد الإنساني، ما أدى إلى تصاعد الهجرة السرية واتخاذهم من الغابات الموجودة في سبتة ومليلة المحتلتين ملجأ في انتظار فرصة العبور إلى أوربا، وأغلبهم من السنغال وغينيا وغامبيا والكاميرون ومن دول أخرى في أفريقيا.

فالنزعات الشعبوية والسياسة الخارجية لواشنطن أكبر دولة في العالم هيمنتا على مؤتمر حوارات أطلسية في مراكش حول الهجرة، ونجد مثلا مستشار النمسا يثني على جهود مصر في وقف الهجرة غير الشرعية عندما قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لن نسمح بخروج لاجئين يكون مصيرهم الغرق في البحر.

ومن أهم وأكبر خطوة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي ( بريكست ) من أجل السيطرة على الحدود البريطانية أكثر الخطوط الحمراء الأعمق رسوخا لدى السيدة ماي ضمن مفاوضات بريكست، وظلت ماي من أشد المناصرين لوعود حزب المحافظين الحاكم بخفض معدل الهجرة الصافي سنويا إلى عشرات الآلاف فقط، وقال إيفان روجرز سفير بريطانيا لدى الاتحاد الأوربي السابق يعلم الاتحاد الأوربي بأسره أن النقطة التي وصلنا إليها الآن مستمدة من إعلاء القيود على حرية حركة الناس فوق الأهداف الأخرى كافة المتفاوض بشأنها، وكان ملف الهجرة من القوى المحركة للتصويت على مغادرة بريطانيا الاتحاد الأوربي، رغم أن الرأي العام البريطاني في حالة تراجع التي ترى أنه يجب منح الأولوية للبقاء ضمن السوق الأوربية الموحدة على إنهاء حرية الحركة بين بلدان الاتحاد.

أصبح مصطلح هجرة البديل المنقوص لكلمة غرق، وهناك عاطفة مناهضة للمهاجرين، وبشكل خاص الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة مناهض للهجرة، فتقسمت الولايات المتحدة بين دولة القانون الذي يمثله الحزب الجمهوري وبين دولة المهاجرين ويمثلها الحزب الديمقراطي، والحل الوحيد أمام ترمب هو استعادة الاستقرار والتنمية في دول الربيع العربي في منطقة الشرق الأوسط وعلى رأسها سوريا والعراق وليبيا واليمن ودعم الدول الكبرى في المنطقة مثل السعودية ومصر ووقف التدخلات من قبل إيران وتركيا في المنطقة.

لا تعليقات

اترك رد