كربلاء البازار الكبير


 

آلمني كثيرا ما تعرضت له مدينة كربلاء من قمع ممنهج للفرح تحت ذريعة قدسية المدينة، قرار منع الموسيقى وعرض الملابس النسائية يعيدان المدينة التي عرفت دوما بحراكها الفكري وانجابها للمبدعين في المجالات كافة إلى بادئة سوداء تذوب فيها جميع الألوان المبهجة، ما زال الملحن محسن فرحان حيا، وذائقته التي شكلتها مدينة كربلاء قدمت للموسيقى والغناء العراقيين روعات كـ عيني عيني، يا نجوى، البارحة (لسعدون جابر)، يكولون غني بفرح، لو غيمت دنياي، شكول عليك (لقحطان العطار) وغيرها كثير، وقبله شنّف صوت الكربلائية زهور حسين أسماع العراقيين الذين عشقوا أغانيها، وهناك عملاقة المقام العراقي الكربلائية فريدة محمد علي، ودعوني أحدثكم عما عشته أناشخصيا في سبعينيات القرن المنصرم ويعرض عليكم واقع هذه المدينة التي لم تثلم الموسيقى أو الجمال قدسيتها في أي يوم من تاريخها الطويل… كنت في السادسة عشر من عمري حين تأسست فرقة موسيقية عام 1976 بقيادة عازف القانون الراحل رزاق سعد حيدر، تعلمنا العزف على آلاف موسيقية مختلفة لنقدم بعد ذلك معزوفات وأغاني قُدِّمت على مسارح المحافظة أو في ساحاتها… وقد عرفنا من خلال مدربنا بعض الرجال الذين كانوا يجيدون العزف على القانون أو الكمان أو الناي أو الإيقاع، والمفاجئ في الأمر أنهم جميعا كانوا من المعممين.. كانوا في الواقع يحرصون على أن لا يعرف الآخرون شغفهم بالموسيقى.. لكن هذا لم يمنع من كونهم يتعاطون التدين بالشكل الذي اعتادت عليه مدينة كربلاء ووفق طقوسها المعروفة…

ما الذي يريده الزعماء السياسيون والدينيون لهذه المدينة التي طالما عانت من صراعاتهم واضطراباتهم الفكرية والعقائدية بل حتى المزاجية؟… ما هو واضح من النتائج التي وصلوا إليها بذكاء ودراية تامة، هو تحويلهم المدينة إلى بازار كبير، حملت فروعه المختلفة يافطتان هما الحسين والعباس… هناك واجهات فخمة لهذا البازار تدار من قبل معممين بارزين كالسيد أحمد الصافي، وهناك تجارة نشطة في الخفاء لأنواع مختلفة من المخدرات التي صارت كربلاء مركزا لتوزيعها إلى المحافظات بعد أن تستلمها قادمة من إيران… وأتمنى أن تمتلك الدوائر القانونية الحرية لعرض احصائيات عن الحوادث المسجلة لديهم والمرتبطة بتجارة وتعاطي المخدرات.. ولن أتحدث عن شبكات البغاء فلها حكايات أخرى لا يتسع لها هذا الحيز البسيط…

ما الذي نتج عن الفصل بين إدارتي الحضرتين الحسينية والعباسية؟… لا يرتبط الجواب قطعا بالممارسات الشعائرية بل بالتنافس التجاري وحجم النفوذ الذي تمارسه هذه الحضرة أو تلك من خلال وكلائها وإداراتها، فقد سيطرت الاستثمارات المرتبطة بالحضرتين على الموارد الرئيسية ناهيك عن المواقع الستراتيجية التي تؤمن انتاجا وتسويقا ناجحا ضمن مجالات التجارة، الصناعة، الزراعة، بل وحتى الصحة والتعليم.. فالحضرتان العباسية والحسينية تمتلكان اليوم أكثر من 7000 دونم في منطقة الكمالية، وأكثر من ألفي دونم في شارع النجف (قرب الدواجن)، وأكثر من ألف دونم أخرى في منطقة عين التمر، وما زالت عملية شراء العقود الزراعية القريبة من الخط الستراتيجي مستمرة، اضافة إلى عقود المزارع المتوقعة على طريق المطار المزمع انجازه في كربلاء، وقد تم شراء البساتين المحاذية للطريق الرئيسة المؤدية إلى كربلاء والمناطق القريبة من مركز المدينة وفي ناحية الحسينية، واستخدم بعضها كمخازن بينما وزع البعض الآخر كقطع سكنية للمنتسبين بأسعار مخفضة..

ظن العراقيون أن المستشفيات التابعة للحضرتين العباسية والحسينية والتي فتحت في مدينة كربلاء، ستقدم خدماتها بأسعار تراعي القدرة المالية لعامة العراقيين، إلا إنهم فوجئوا بأنها لا تختلف عن أية مستشفى خاصة، وهي استثمارات لا علاقة للأمامين الحسين والعباس بها سوى استغلال إداراتها لإسميهما… ومن يريد التأكد مما ذكرته عليه أن يزور مستشفيات (ميثم التمار القديمة والجديدة)، وأحيطكم علما بأن مستشفى ميثم التمار الجديدة الكائنة قرب المقبرة القديمة والتي أقيمت على أرض مساحتها تناهز الخمسة دونمات مسجلة كما يشاع باسم شقيقة السيد أحمد الصافي، والبناء من استثمارات العتبة العباسية، ويدير المستشفى زوج شقيقة السيد الصافي.. وكانت أرضها تابعة أصلا لبلدية كربلاء وقد صمم الشارع الجديد كي يمر من خلالها إلا ان البلدية بعد أن تم وضع يد العتبة العباسية عليها وتقرر انشاء المسىشفى قامت بحرف مسار الشارع خارج حدودها… وحازت استثمارات المجال الصناعي على موقع مميز، فنرى الروضتين استثمرتا مقالع السبيس والحصى ومواقع غسل الرمل، وهناك خطط للشروع بالصناعات التكميلية كالتعليب، ومعامل الطباعة الضوئية، ومعامل الكونكريت، والكرفانات.. وقد غدت منتجات شركة الكفيل منافسة كبيرة للحوم بأنواعها ولهذه الشركة مخازن عملاقة في أماكن مختلفة، وهي واحدة من شركات كربلاء العالمية التي تعتبر اليوم من أكبر الشركات الغنية برأسمال ضخم رغم حداثة عهدها، وهي مقترنة بالسيد أحمد الصافي إدارة وتمويلا.. وتمتلك العتبتان اليوم اسطولا كبيرا للنقل داخل العراق وخارجه من سيارات الحمل والآليات الثقيلة والخباطات الخرطومية والدوارة وحتى الرافعات الضخمة لأعمدة الضغط العالي بما يفوق امكانيات الدولة العراقية.. والمحاولات جارية للاستيلاء باسم الاستثمار على المساحات الواقعة على جوانب الطرق الرئيسية والتابعة للبلدية لجعلها (مولات) أي أسواق كبيرة حديثة… بقي أن نعرف أن إدارات هذه المشاريع حين تقرر أن تنجز مشروعا او استثمارا جديدا، أو توسعة مشروع قديم… تقوم بأخذ مبالغ ضخمة من الرصيد المالي الكبير الخاص بالإمامين الحسين أو العباس، وبعد العمل بالمشروع وتضاعف رأس المال يقومون بإعادة ما تم أخذه من الأموال الخاصة بالأمامين.. لتبقى المشاريع خالصة لمن فكر بها ونفذها دون أن ينفق لأجلها دينارا، إنه في الواقع استلف من الإمام الحسين مبلغا ليعيده له حين ميسرة… هؤلاء أنفسهم قادة فكرة قدسية كربلاء ومحاربو الموسيقى ومحلات الملابس النسائية… إنني أقوم بتسليط الضوء فحسب، دون أن أشير إلى شخص بعينه.. لأني أثق بأن العراقيين ليسوا غافلين عن البازار الكبير الذي يصرون على أن يحمل اسم كربلاء..

المقال السابققُمرةٌ ولكن !
المقال التالىالاختام
أسعد الهلالي تاريخ الميلاد : 11/3/1960 محل الولادة : بغداد محل الإقامة: بلجيكا التحصيل الدراسي : بكالوريوس ـ سينما.. المهنة : كاتب ومخرج تلفزيوني وسينمائي.. عملت معدا ومخرجا تلفزيونيا في: 1. تلفزيون العراق 2. الفضائية اليمنية 3. قناة السومرية الفضائية 4. قناة الاتجاه الفضائية 5. قناة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد