حسام علوم يلملم بحار الوجع ، ويعوم فيه


 

حسام علوم ( 1986 ) ، من سويداء الجبل ، بقي اسمه عالقاً بذاكرتي منذ عام 2016 حين تم تناول و تداول عمله الذي سمي فيما بعد

ب / سورياليزا / مقاربة بموناليزا دافنشي ، و إذا كان دافنشي يرفع الكأس و يعزف بهدوء للتي يرسمها ، فحسام إلتقط موناليزاه أو سورياليزاه من إمرأة و هي تخرج من تحت أنقاض بيتها في حلب ، قد تكون هذه المقاربة دون جدوى ، لكن فقط للتذكير بالفجيعة التي نلد منها كسوريين و بالتالي فناننا السوري ، فحسام يجنح إلى منح ظواهر الحرب و الدمار أبعاداً دلالية تتجاوز وحداتها العديمية ، فبتعبير يجمع صيغة الرفض للموت و القتل إلى الإمساك باللون كأداة تقطع أوصال الخراب بوصفها فصل طويل للموت المحتم لكل ما هو جميل ،

ينظم إعتباراته ، برسمها كإمتداد لإستنطاق عناصر تكمن قيمتها التعبيرية في إيحاءاتها التي تثيرها و هي تتسرب إلى متلقيه ، محملة بدلالاتها غير المحدودة في الزمان و في المكان ، فبخلاصاته تلك و وفق النمط التأويلي يرمي حسام نتاجه / وجهه ، بملامحها و رمادها و قسماتها ، بوصفها خزان إنفعالاته ، كإرتباط للغوص في الأعماق ، و لهذا لا بد من القيام بوصف الوجه مع أشيائه ضمن شروط تحقق تفرده و تثمن فضاءه العام ، فلا وجود لوجه حيادي ، فكل حركة ، كل نظرة ، تستند على ما يناسبها من حكايات و حالات ، ترسم بدورها خصوصية الفنان و معها الكثير من مفردات مشهده البصري دون أن يغيب عنه إحدى أهم مهماته بث الحياة داخل الحياة ذاتها مع تزويد متلقيه بمعرفة جديدة فيها من المتعة و الجرح معاً ما يحدد تخومه بإمتدادات سيمياطيقية ما يشع وعيه المعرفي كحالة لها كل الصِّلة بوقائعه البصرية بوصفها مساهمة في تجديد الوعي المعرفي من جهة ، و إستعادة لحظات الوجع في عرفها الإنساني .

و إنطلاقاً من سيرورة تنتج وفقها المفاهيم بوحداتها الدلالية يحافظ حسام على إستحضار مكونات جديدة إلى دوائر مناطقه التعبيرية ، و هذا ما يدعم مجموعة نسيجه لفصول و مناحي حكايته التي هي حكاية سورياليزاه التي لا تكتفي أبداً بسرد ذاتها المدركة جداً للوجع ، بل تستنطق أسرار العمل و إنفعالاته الغزيرة بدءاً من طقوس الإمساك بمنطقة الجذر لكشف طاقاته التعبيرية إلى طرح ما ينتمي إلى تجربته في بعدها الإدراكي الأكثر فعلاً ، و الأكثر فاعلية ، إلى ألوانه التي لا تتجسد إلا في أشيائه و هي تحقق النظر في ذاتها ، فيتم التعامل معها بإعتبارها كالضوء تستوعب كل العناصر الملائمة لتجربته ، بتصوراتها داخل ملفوظاته البصرية ، و بسماتها التي تبحث في وجوهه و إيماءاتها ، و في الوقت ذاته يقترب نبض أعماله بدرجة ملتهبة من سعير الحرب و النهايات الموجعة ، و التي تحمل حلماً ثقيلاً مكتظاً بعذاب الأمكنة التي تثير بدورها رائحة حقول الدخان على مدار إنتماءاتها للعبة الزمن ،

و لهذا و بحركات فيضانية يحرك عالمه بتوازنات جديرة بالتفاعل و الإستمرارية ، فأمام هذا الكم الهائل من الضياع و الولادات القسرية يعمل حسام على نقل المؤثرات من سطح العمل إلى دواخله حيث الظلم المستباح و لحظات الخوف التي تحمل كل دلالات الإنتقال من الخارج إلى الداخل و العكس قد يكون صحيحاً أيضاً ، و لهذا و دون إنتظارات و بالمرور بتجربة حياتية صعبة و شاقة يلملم بحاره التي سيعوم فيها و إن بمعجزة اللون ذاته ، القادر على الغور في البحر الهائج عن ترميمات الفراغ ، و الكشف عن ديمومة الجدران الواقفة أمام النبض القادم من الداخل إلى السطح كمنطلق لكثير من نقاطه الموزعة في صياغاته البصرية بقوى لا تلغي طريقته في مواجهة الحياة بل يمنحها كل الديمومة و الإستمرارية مع تسخير الأشياء لهزات في المخزون الجمالي لديه و في هذا إنتماء لعظمة الحالات الإنسانية و هي تنعزل كسجين في ركن ما .

و من الجدير ذكره بأن حسام علوم كان الفنان رقم واحد الذي أنجز عام 2014 في اسطنبول لوحة ( ملائكة سورية ) بقياس 21,5×21 متراً حملت أسماء 12 ألفاً و 490 طفلاً سورياً كانوا ضحية الحرب إلى تاريخه مع مجموعة من الفنانيين السوريين كحسام السعدي و عبدالجليل الشقفي و الخطاط أحمد الطلي .

لوحة وثقت الكثير و قالت الكثير ، و تستحق بجدارة أن تدخل غينيس للأرقام القياسية .

لا تعليقات

اترك رد