رحلة عشق عبر الوديان السبعة 7-6


 

بعد أن يقطع السالك مراتب الاستغناء يصل إلى وادي الحيرة “فيصعق من جمال ذي الجلال” ويكون كمن غاص في المحيط ووجد نفسه فجأة أمام وُسْعه الهائل وعُمْقه السحيق. فالسالك في هذا الوادي يدرك سعة الوجود اللامتناهية ويكشف هنا جوهر الأسرار المودعة في الظهور الإلهي برؤية صافية وبصيرة نافذة تقوده من سر إلى ألف سر منها”؛ وفي كل لحظة يرى عالما بديعا وخلقا جديدا فيزداد حيرة بعد حيرة ويضيع في رهبة صُنع سلطان الأحدية”.

6- وادي الحيرة :
ثم إن السالك بعد سيره في مراتب الاستغناء البحت ، يرد وادي الحيرة ويخوض في بحار العظمة فتزداد حيرته في كل حين ، يرى هيكل الغناء عين الفقر حينا ، وجوهر الاستغناء محض العجز حينا آخر يخر صعقا لجمال ذي الجلال حينا ويضيق ذرعا بوجود نفسه حينا آخر ، فكم عصفت عواصف الحيرة بأشجار المعاني فاقتلعتها من جذورها ، وكم أزهقت من نفوس، ذلك بأن هذا الوادي يلقى بسالكه في اضطراب ايما اضطراب ، ومع ذلك فما أحب هذه الظواهر للواصل وارغبه فيها اذ انه يرى كل حين عالما بديعا وخلقا جديدا ويزداد في كل آن حيرة على حيرة ويذهل لصنيع سلطان الاحدية الجديد.

أجل يا اخي : اننا لو تفكرنا في أي خلق لشاهدنا مائة ألف حكمه بالغه ، ولتعلمنا مائة ألف علوما بديعة الم تر النوم من بين الخلائق ، كم من اسرار اودعت فيه وكم من حكمه خزنت وكم من عوالم مستورة فيه ، ألم تر وقد نمت في منزل أحكمت رتاج أبوابه ، فاذا بك تشاهد مدينة بعيدة تدخلها دون إن تسعى اليها بقدم أو يتجشم لها بدنك ،وترى دون أن تجلى بصرك وتسمع دون إن تجهد سمعك، وتتكلم دون إن تحرك بالكلام لسانك، ثم انك قد ترى عين ما رأيته الليله بعد عشرة اعوام بحسب الظاهر من عالم الزمان، والآن فكم من حكمه في هذا النوم لا يشهدها او يدركها على كمال التحقيق الا اهل هذا الوادي ، أولا فما هذا العالم الذي تسري فيه احكام الحواس بلا عين لا اذن ولا يد ولا لسان؟ ثم كيف يتسنى لك في عالم الشهادة أن تدرك ثانية اثر ما رأيت في النوم منذ عشرة سنوات؟

تفكر الآن في الفرق بين العالمين وفيما أودع في ذلك من اسرار حتى تفوز بالتأييدات الإلهية والمكاشفات الربانية ، وتخطو إلى عوالم القدس ، أودع الباري هذه الايات في خلقه حتى لا ينكر المحتجبون اسرار المعاد. ولا يستخفوا بما كانوا يوعدون ، مثلهم كمثل الذين يستمسكون بالعقل فلا يؤمنون بغير ما يدركه ، وما كانت العقول الضعيفة لتدرك قط هذه المراتب المذكورة اللهم إلا العقل الكلي الربانيز

أنّى للعقل الجزئي أن يفطن ويحيط بالقرآن ؟
كما لا يتسنى للعنكبوت أن يصيد العنقاء

كل هذه العوالم تشاهد وتحدث في وادي الحيرة والسالك يطلب المزيد في كل آن بلا ملل كذلك كان سيد الاولين والآخرين يقول اظهارا للتأمل واستمتاعا بالحيرة ” رب زدني فيك تحيرا” ثم ألم تر إلى كمال خلق الانسان كيف انطوت فيه كل هذه العوالم واستترت هذه المراتب.

أتحسب انك جرم صغير
وفيك انطوى العالم الأكبر؟

اذا لا بد من الجهد في افناء الرتبة الحيوانية حتى يتجلى فينا المعنى الانساني ،هذا وضرب لقمان- الذي ارتشف من عين الحكمة وانتهل من بحر الرحمة – لابنه ناتان- اذ يثبت له مقامات الموت والحشر – النوم مثالا واقام به دليلا، وهذا العبد الفاني يذكر في هذا المقام من أمر طالب التوحيد وشيخ التعليم والتجريد كي يبقى ذكرا باقيا ، اذ قال ” يا بني إن استطعت ألا تنام استطعت ألا تموت ، ولو قدرت على أن لا تصحو من نومك لقدرت على ألا تقوم للحشر بعد موتك”.

يا خليلي : لا تجعل من قلبك وهو موضع الاسرار الباقية – موضعا للافكار الفانية ولا تفرط في عمرك الغالي النفيس باشتغالك بالدنيا الفانية انت من عالم القدس فلا تعلق قلبك بالتراب وانت على بساط الانس فلا تستبدل به موطن التراب ، وبعد – فليس لذكر هذه المراتب من نهاية و هذا العبد قد عزف من صدمات اهل الزمان

يظل هذا القول ناقصا مضطربا
فليس لي قلب فأغفر لي عزوفي
يئن القلم ويبكي المداد ويهدر نهر القلب بالدماء ” لن يصيبنا الا ما کتب اللّه لنا ” و السّلام علی من اتبع الهدى. ” بهاءالله

ونتابع معاً والوادي السابع والأخير …… وادي الفقر الحقيقي والفناء الاصلي.

الألهية

لا تعليقات

اترك رد