الاقتصاد وألوانه السبعة

 

سألتني صديقتي الخبيرة بعلم الاقتصاد وهل تعلم أن للاقتصاد ألوانا سبعة ؟ أطرقت مبتسما وكأنني أمام قوس قزح أو قرص نيوتن الدوار . قلت لها كما قال قبلي توماس إليوت سأجيب دون خوف من أحد.
للاقتصاد ألوان شتى ترتبط بالسوق والاستهلاك والإنتاج وذلك يرتبط بالحكومات والمنظمات والمجتمع ويمكن أن يصنف الاقتصاد وفق ألوانه وفقا لما يلي:

الاقتصاد الأسود :
يميل الاقتصاد الأسود وما يتضمنه من أنشطة سواء كانت مشروعة أو غير مشروعة على الانتشار في الأوساط الفقيرة والغنية لأنه يمثل طوق نجاة للكثير من الأسر الفقيرة ومصدر ثروة للأوساط الغنية كونه يمر في قنوات غير مشروعة . ومن سمات الاقتصاد الأسود :
تتميز أنشطة الاقتصاد الأسود بأنها أنشطة غير مرئية وتجري بعيدا عن أعين الدولة
قد يكون الاقتصاد الأسود مشروعا يميل إلى تلبية حاجات المواطنين بطريقة غير مشروعة أو غير قانونية وقد يكون غير مشروع بالمطلق مثل تجارة العملة والتهريب والمخدرات والسلاح .
يرتبط الاقتصاد الأسود بأنشطة القطاع غير الرسمي والمناطق المحرومة والعشوائيات التي تعاني من الفقر وقلة الخدمات .
يساعد الاقتصاد الأسود في تدمر القيم الاجتماعية ويسبب انتشار السلبية والفردية على حساب المصلحة العامة
قد ينتشر الاقتصاد الأسود أو الخفي في مؤسسات القطاع العام فتنتشر الرشوة والفساد بأشكال مختلفة .

ولعل من أول الألوان التي استخدمت لوصف الاقتصاد هو الأسود. ومع أن الأسود ليس لوناً، بل فنياً هو غياب الضوء، ولكننا مجازاً سوف نعتبره لوناً. ويشير الاقتصاد الأسود إلى الاقتصاد الذي يُتداول خلف أعين الحكومات ورقابتها وتشريعاتها. ومن الأمثلة على ذلك ما تقوم به المؤسسات الإجرامية أو الإرهابية، والأفراد الذين يقومون بالأعمال نفسها مثل السرقة، وتهريب الأعضاء، وإنتاج المخدرات وتوزيعها، والمتاجرة بالرقيق الأبيض، والسلاح، وتهريب الأطفال.

الاقتصاد الأبيض :
الاقتصاد الأبيض مصطلح حديث كان أول من استخدمه الاقتصادي البريطاني، دوغلاس ماك ويليامز، في كتاب “الاقتصاد الأبيض المستوي، وكيف نقل لندن ومدناً أخرى إلى المستقبل”. وقد استخدم ماك وليامز هذا المصطلح ليظهر أن الاقتصاد الأبيض المسطح وهو استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصال بتطبيقاتها التي تتقاطع مع كل القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، قد مكن مدينة لندن من النهوض من كبوتها الاقتصادية بعد انفجار الفقاعة الاقتصادية عام 2008، وجعلها مدينةً زاخرةً بالأعمال والتجارة الإلكترونية والتعليم الإلكتروني والخدمات الصحية والمصرفية، وفي مجال المضاربة بالأسهم والسلع والأوراق المالية المختلفة. يقول دوغلاس ماك ويليامز في كتابه أن الاقتصاد الأبيض سيجعلنا نواجه مشكلات أربع في المستقبل القريب يمكن أن نلخصها بما يلي :
في عام 2025 سوف يساهم الاقتصاد الأبيض بحوالي 15.8 من إجمالي الناتج القومي في بريطانية وبالتالي سيكون أضخم قطاع اقتصادي في بريطانية .
ستتركز العقول المفكرة والمخططة للاقتصاد الأبيض في مدينة لندن وبالتالي تركز رجال الأعمال في العاصمة والابتعاد عن المناطق الأخرى .
ستكون الضرائب إقليمية فقط
لن يهتم أحد بالماركات من اليوم فصاعدا .
ونلاحظ أن الاقتصاد الأبيض ينتشر بسرعة في العالم مع التوسع في شبكات الانترنت الرقمية وشبكات الاتصالات فائقة السرعة .

الاقتصاد الأخضر
الاقتصاد الأخضر اصطلاح لمّا يمضي عليه أكثر من ربع قرن . ولقد برز هذا المصطلح أثناء انعقاد قمة الأرض في مدينة ريو دي جانيرو في البرازيل عام 1992. ويقصد به حسابات الدخل القومي الصافية ، بعد اقتطاع نسبة الأرقام في مقابل الاستهلاك الذي يجري في الموارد الطبيعية للدولة ، بسبب العمليات الإنتاجية والاستهلاكية فيها. وسميت حسابات الدخل القومي الصافية “حسابات الدخل القومي الأخضر”. وقد صار للاقتصاد الأخضر أهمية متزايدة مع ارتفاع حرارة الأرض والتغير المناخي وصار له تطبيقات عديدة منها التنمية المستدامة وتقليل الانبعاثات الغازية والاعتماد على الطاقات المتجددة من شمس ورياح .
ومن أهم الكتب التي تناولت الاقتصاد الأخضر كتاب المفكرة هولي سكوت كاتو بعنوان “الاقتصاد الأخضر: مقدمة للنظرية والسياسات والممارسات”.

خصائص الاقتصاد الأخضر
الاقتصاد الأخضر وسيلة لتحقيق التنمية المستدامة ولا يعد بديلاً لها.
الاقتصاد الأخضر ييسر تحقيق التكامل بين الأبعاد الأربعة للتنمية المستدامة وهى الأبعاد البيئية والاجتماعية والاقتصادية والتقنية أو الإدارية.
ضرورة تطويع الاقتصاد الأخضر مع الأولويات والظروف الوطنية.
ضرورة تطبيق مبدأ المسؤوليات المشتركة بين الأجهزة المعنية للدولة للانتقال الطوعى صوب الاقتصاد الأخضر.
ينبغي ألا يستخدم الاقتصاد الأخضر كوسيلة لفرض قيود تجارية أو شروط على المعونة أو على تخفيف الدين. وينبغي أن يعالج الاقتصاد الأخضر التشوهات التجارية ومنها مثلاً الإعانات الضارة بيئياً.
يجب أن يعترف الاقتصاد الأخضر بالسيادة الوطنية على الموارد الطبيعية.
يجب أن يرتكز الاقتصاد الأخضر على كفاءة الموارد وعلى أنماط استهلاك وإنتاج مستدام.

السياسات العامة للاقتصاد الأخضر
الاقتصاد الأخضر يعزّز السعي إلى التخفيف من حدّة الفقر.
الاقتصاد الأخضر ينطوي على إمكانات لاستحداث فرص عمل إضافية.
الاقتصاد الأخضر يعزّز كفاءة استخدام الموارد وأمن الطاقة.
الاقتصاد الأخضر يحقّق منافع بيئية.
تحديد السياسات العامة والأهداف والمعايير خطوة أولى عملية.
من اللازم توفير التمويل من القطاعين العام والخاص.
استخدام الإعانات الرشيد يتيح فرصة طيّبة.
وسائل الضرائب والتسعير يمكن أن توجِد مجال نشاط تنافسيّ متكافئ.

آليات التحول إلى الاقتصاد الأخضر
مراجعة السياسات الحكومية وإعادة تصميمها لتحفيز التحولات في أنماط الإنتاج والاستهلاك والاستثمار.
الاهتمام بالتنمية الريفية بهدف تخفيف الفقر في الريف مع زيادة الموارد.
الاهتمام بقطاع المياه وضبط استخدامها وترشيدها ومنع تلوثها.
العمل على الاستثمارات المستدامة في مجال الطاقة ٕوإجراءات رفع كفاءة الطاقة.
وضع إستراتجيات منخفضة الكربون للتنمية الصناعية واعتماد تكنولوجيـات الإنتـاج الأكثر نظافة .

الاقتصاد الأزرق
يشير مصطلح الاقتصاد الأزرق إلى أنه الاقتصاد الذي يعني الإدارة الجيدة للموارد المائية وحماية البحار والمحيطات بشكل مستدام للحفاظ عليها من أجل الأجيال الحالية والقادمة.
أتى مفهوم الاقتصاد الأزرق الذي أنشأه رجل الاقتصاد البلجيكي غونتر باولي في أعقاب مؤتمر “ريو +20″ عام 2012، وهو يؤكد على صون الإدارة المستدامة للموارد المائية ، استنادا إلى فرضية أن النظم الإيكولوجية السليمة للمحيطات هي أكثر إنتاجية وهي واجبة من أجل استدامة الاقتصاد القائم على المحيطات.أصدر غونتر باولي كتابه الشامل حول الاقتصاد الأزرق بعنوان ” الاقتصاد الأزرق في عشر سنوات ” عام 2010 وكان مقدمة للاهتمام بهذا المفهوم وتطبيقاته المختلفة في دول العالم المختلفة .

ويؤكد مفهوم الاقتصاد الأزرق أهمية الإدارة المستدامة للموارد المائية ، استناداً إلى فرضية أن النظم الإيكولوجية السليمة للمحيطات هي الأكثر إنتاجية، وهي ضرورية من أجل استدامة الاقتصاد القائم على المحيطات.
وبسبب التركيز المستمر على البيئة ، ظهر مصطلح الاقتصاد الأزرق. ويشير هذا الاقتصاد إلى ضرورة الاستفادة من كل مخلفات الإنتاج والاستهلاك، واعتبارها مواد أولية تدخل في صناعات جديدة. وبمعنى آخر، يعتبر الاقتصاد الأزرق كل المخلفات، سواء بسبب الاستهلاك أو الإنتاج ، مواد رخيصة ، قابلة لإعادة التدوير.
وقد ظهرت مبادرات كثيرة في محال الاقتصاد الأزرق، مثل إعادة تدوير تلال القمامة لتوليد الكهرباء، وإعادة تدوير فائض المطاعم بتوزيعه على الفقراء، وإعادة تنقية المياه المالحة لتصبح صالحةً للري أو الشرب، وإعادة إنتاج “السكراب” أو مخلفات المعادن من الإنشاءات والسيارات وغيرها لإنتاج مواد بناء وعربات نقل جديدة.
الصناعات التي تقوم على الاقتصاد الأزرق
مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية
الموانئ والشحن والنقل البحري
السياحة والمنتجعات والتنمية الساحلية
النفط والغاز
التصنيع الساحلي
التنقيب في قاع البحر
الطاقة المتجددة
التكنولوجيا الحيوية البحرية
التكنولوجيا البحرية والخدمات البيئية

الاقتصاد البني :
يشير الاقتصاد البنّي إلى الصناعات القذرة التي تحدث فساداً كبيراً في البيئة وتقذف بالسموم في التربة والمياه والهواء مثل صناعة الفحم الحجري، والنقل المستخدم للمازوت الثقيل، وصناعة الحديد، وصناعة الإسمنت. وقد أنفق أصحاب هذه الصناعات مبالغ ضخمة لتقليل مساهمتها السلبية على المجتمع المحيط مثل شبكات التنقية وتقليل انبعاث الغازات وإعادة تدوير المياه المستخدمة فيها . وقد نجحت منظمات كثيرة في تحديد مخلفات هذه الصناعات والنشاطات. وسيشهد العالم مزيداً من ترحيل هذه الصناعات من الدول الغنية إلى الدول ذات الأعداد السكانية الكبيرة حيث تقل فيها الرقابة البيئية.

وقد أشار مصطلح الاقتصاد البني إلى أن الدول الأغنى في العالم ليست هي الدول الأكثر صحة لأن الاقتصاد البني يقوم على أساس التدمير المنهجي للبيئة من خلال الانبعاث الغازي الذي تطلقه صناعات مثل الفحم والنفط والغاز في الجو . ويعد الاقتصاد البن أحد أسباب التغير المناخي الرئيسية في العالم والسبب الرئيسي للدفيئة الكونية حيث يطلق غاز الميتان وغاز الكربون . كما يسبب تلوث الماء والهواء وبالتالي تهديد الحياة البحرية والبرية بكل أطوارها وهذا يشكل تهديدا للحياة الإنسانية على الكوكب.

ويجب أن نشير إلى التداخل المعقد بين الصحة والبيئة لأنه يتجاوز التلوث بالدخان والغازات السامة والكربون ليصل إلى اللحوم البيضاء والحمراء الملوثة والأسبستوس ويتعداها نحو إنفاق ملايين الدولارات على الجانب الصحي لمعالجة المصابين بسبب ازدياد البيئات السامة . الاقتصاد البني عدو لدود للسعادة الإنسانية والحياة الصحية للبشر.
ويشير تقرير لانسيت الصادر عام 2017 إلى أن التلوث البيئي ساهم في أكثر من 9 ملون حالة وفاة سنويا وكانت النسبة واحد على ستة من هؤلاء المتوفين في الدول النامية مثل الصومال وبنغلادش وتلايلاند وما حل حلها .

وتغطي الآثار الصحية للتلوث التلوث المناخي والتغير المناخي والموجات الحارة وانتشار الأمراض والأوبئة والكوارث الطبيعية وسوء التغذية والدفيئة الكونية وهذه المسائل مجتمعة هي موضع نقاش دائم في كل اللقاءات الاقتصادية الدولية لكنها تبقى على الورق من دون تطبيق أو تطوير .

الاقتصاد الرمادي :
يشمل الاقتصاد الرمادي النشاط الاقتصادي القانوني غير المسجل وغير المنظم وتشمل هذه النشاطات والعمليات التجارية التحكيم والمرابحة وأعمل السمسرة والرشوة والعمولات حيث لا يوجد سعر واضح ومحدد لهذه النشاطات لأنها تعتمد على المناطق الجغرافية التي تحدث بها . ومن الجدير بالذكر أن هذه العمليات التجارية لا تسجل في السجلات الحكومية ولا تخضع للإحصاءات الرسمية ولا تدخل في إطار النشاط التجاري الرسمي .

ويدخل في إطار الاقتصاد الرمادي البضائع والهدايا التي يشتريها السائحون من بلد معين ويعاد بيعها بأسعار كبيرة في بلد آخر فمثلا يمكنك أن تشتري هاتف نقال من الولايات المتحدة بسعر 500 دولار وتبيعه في الشرق الأوسط بمبلغ 1000 دولار ولهذا السبب تعمد الحكومات لضبط مثل هذه التجارة عن طريق الاتفاق مع شبكات الخلوي على تعطيل تشغيل هذه الأجهزة إلا بعد دفع الرسوم الجمركية عليها . يعمل الاقتصاد الرمادي خارج أطر الضريبة وقوانين العمل بعلم الحكومة أو بعدم علمها. فالزراعة المعفاة من الضرائب تمنح مزايا لاستخدام العمالة بشروط ميسرة. وتعتبر هذه القطاعات رماديةً ، فلا هي سوداء ولا هي بيضاء. وفي معظم الدول النامية ، يشكل الاقتصاد الرمادي حوالي 40-60% من الاقتصاد الكلي خاصة خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة لأنه معظم هذه الدول تعاني من اضطرابات سياسية تجعل من الصعب على الحكومات المركزية ضبط حركة الاقتصاد الرمادي ونشاطه .

الاقتصاد الأحمر :
وهو الاقتصاد المركزي الذي تسيطر عليه الحكومات المركزية ويعاكس من حيث المبدأ والممارسة اقتصاد السوق الحر حيث تسيطر الحكومة على معظم وسائل الإنتاج والتوزيع ومنافذ البيع ، وقد فقد هذا الاقتصاد كثيراً من وزنه بعد سقوط العديد من الأنظمة الاشتراكية وتحول بعض الدول إلى الاقتصاد المشترك واقتصاد السوق. ويجب أن نميز بين نوعين من الاقتصاد الأحمر شهدهما التطور الاقتصادي وهي النموذج الشيوعي في الاتحاد السوفياتي وهو نموذج تسيطر فيه الدولة على وسائل الإنتاج وتتبع المؤسسات الاقتصادية سياسة الدولة العليا وهنا يسير الاقتصاد في منحنى ثابت ناحية الجودة والإنتاج والتنوع والتسويق ويبتعد كثيرا عن التنويع والابتكار والنموذج الشيوعي الصيني الذي لا يزال مستمرا حتى الآن لأنه اعتمد على التشاركية بين القطاع العام والقطاع الخاص وحرر الاقتصاديين والشركات من القيود عملا بمقولة الزعيم الصيني ماوتسي تونغ حين أطلق صرخته المدوية ” أيها الصينيون اغتنوا ” وفعلا أطاعه الصينيون وبدؤوا مشوار النمو الاقتصادي وصارت الصين تحقق نموا اقتصاديا مقداره 18 % سنويا حتى صارت الصين اليوم أكبر اقتصاد عالمي.

الاقتصاد محرك الكون ويتنوع ويتلون مثل قوس قزح وقرص نيوتن الدوار ومتى دار يعود لونه للأبيض . هي الحياة . في تطور دائم وفي كل يوم لون جديد .

المراجع
ألوان الاقتصاد السبعة ، جواد عناني ، 2017
الموسوعة البريطانية 2015
كتاب العالم 2014
مقالات مختلفة عن شبكة الانترنت .

لا تعليقات

اترك رد