الحلُم الثاني


 
لوحة للفنان اياد صباح

قفزتُ  من السرير، وكأنني  مظلّيٌّ  يقفزُ  من طائرةٍ  ورقيةٍ  تحترقُ،  ما شعرتُ  بالخوفِ  مثل هذا اليوم، علماً  أنّ  سريري هذا، هو المكان الوحيد الذي أشعرُ  فيه بنقاء الدفءِ  والحميمية، كما أنهُ  – دائماً- أولُ من يستقبلني من وعثاء أحلامي المتكررة. لهذا رتّبتُ الشراشفَ  والبطانيات، وأمعنتُ  النظرَ فيهما لعلي أجدُ  شيئاً  كان قد سقط أو علق من الحلُم  السابق فيها. ثمّ  تحسّستُ  يديَّ فوجدتهما مرتبطتين بجسدي، استللتُ  فرشاتي فأخبرتني المرآةُ  أن أسناني ما زالت في مكانِها، ما عدا تلك التي قلعها أطباءُ الأسنان، ثم ابتسمتْ  لي من خلالِ  انعكاس صورتي، عندما لفظتٌ  اسمي أمامها للتأكّدِ  من وجود صوتي الذي اختفى هناك، لم أنتبهْ إلى ما أرتديهِ من ملابس. عمْدا أرجأتُ  النظرَ  إلى حقيبةِ  غربتي، ريثما أستفيقُ من رحلةِ الحلُم الأول. التمستُ السكينةَ عند روايةِ نار العشق للروائية نهال تجدّد، التي لم أنتهِ  من قراءتها بعد، أذكرُ  أنني وضعتُ  كأسيَ  الفارغةَ  على الورقة الأخيرة التي أتممتُ قراءتَها ليلةَ أمس، كان تسلسلها 139، لم أجدِ الكأسَ  ولا الروايةَ ، نظرتُ  إلى الأرض، بحثتُ  تحت الطاولة، ثم تحت السرير، لم أجدْ شيئا، حاولتُ  أن أسترخي قليلا، لعلّي أتذكرُ  أين تركتهما، عدتُ إلى أحضانه، ولكن ليس بنفس الرغبة العارمة التي تدفعني إليه فجرَ كلِّ يوم. هالني ما رأيتُ، كانت الروايةُ محلّقةً في فضاء الغرفة، وتسلسلُ الصفحة هو نفسه 139، وتشكّلُ مع الكأس صليبا، الرواية هي الخشبة الأفقية، أمّا الكأسُ الفارغة فشكّلت الخشبةَ العمودية، صليبٌ في حالة السمت، طائرٌ وثابتٌ في آن، يحلّقانِ في فضاء غرفتي. حروفُ الروايةِ تنهمرُ بغزارةٍ، فتبلّلُ  عينيَّ،  فأشعرُ بالارتواء، وكأنني أقرأها بل أحفظُها على ظهر قلب، فأزدادُ إصراراً على البقاء في سريري، للتمتعِ بهذا المشهدِ الغريب. تُرى  ماذا تعني هذه الإشارة؟ تساءلتُ  في سرّي، هل أنا أحلُمُ  مرةً أخرى أم أنا في صحوةٍ  غير مكتملةٍ  لحد الآن؟ أيمكن أن يكون هذا الصليب هو دعوة لتقديس الكتابَ  والكأس، كما يقدّسُ بعضُ الناس صلبانَ عديدةً بهيئاتٍ  مختلفة؟ ولماذا ألأنهما يبدآنِ بنفس الحرف مثلا؟ فكّرتُ  أنني بحاجة إلى إقنيم ثالث. شاورتُ  نفسي لعلها تقترحُ عليَّ به. وبلمح البصر ظهر أمام عينيّ  ذلك اللحمُ  الأبيضُ  وهو يبتسم، بل غارقٌ  في الابتسام وقال: أنا الثالثُ  أيها الحالمُ المجنون. يا إلهي، أنتِ مرةً أخرى؟ وهل تعتقدُ أنني أترككَ ولو لحظةٍ واحدة؟ سأطاردُك أينما تكون لاسيما في الأحلام، ألا تشعر بخطواتي خلفك، بل أمامك؟ فأنا قدرُك. لكن لماذا أنا؟ صرختُ بوجهها، وببرود عجيب قالت: اسمعْ، عليك أن تجعلني الاقنيم الأول في مقدساتِك جميعا، وأن تمتثل لكل ما أطلبُ منك، وأن تكملَ معي هذا المشهد حتى نهايته، لكي أجزلَ لكَ العطاء بليلةٍ أو اثنتين، ولكَ أنْ تختار المكان، إما في المشرحة حيث فوران الدماء والأشلاء، أو على دكّةِ غسل الموتى التي ستنطقُ حتماً ما أنْ تتخذَها مسرحا. وعليك أيضا أن تدعو كلَّ الذين صادفوك في الحلُم الأول. قلتُ في نفسي هذا يعني أنني الآن في الحلُم الثاني للهجرة، لذلك حاولتُ التذاكي قليلا، فأخبرتها أنني لم أصادفْ أحدا، فتكرر مشهدُ  الضحكةِ القويةِ وما رافقها في الحلُم الأول. فأيقنتُ أنني في دهليزٍ من الكوابيس الملتهبة وغير المنتهية، أو ربما في قولون حقبةٍ زمنيةٍ سالفة. امتثلتُ  لأمرها وحرّرتُ رسالتين الأولى إلى مجموعتيْ القردة، والثانية إلى مجموعتيْ الأكفان والملابس الداخلية الرديئة الصنع، بحثتُ  عن هدهدٍ ليوصلهما ولم أجده، فبعثتُهما في البريد المستعجل. جاءني الردُّ قبل أن يرتدَّ لي طرفي، وانفتحتْ حقيبةُ غربتي لينطّ منها أعضاءُ المجلس والسفيرُ  المسيطرُ  والأكفانُ  وشكلوا دوائر تحيطُ بدكّة غسل الموتى، كانت عصا السفير تضبطُ إيقاعَ سعيِهم وطوافِهم حول الدكّةِ  الاسمنتيةِ  التي جلستُ عليها عاريا تماما، شابكاً أصابعي على رأسي الذي أخفيتُهُ بين فخذيّ، لكنني كنتُ  أرى وأسمعُ  كلَّ  شيء، أسمعُ  تنابزهم بالألقابِ  وشتائمَهم السُوقية، وأرى كيف يتصارعون على الملابس الداخلية، يضعونها على رؤوسِهم، ويتباهون بأحجامها الكبيرة جدا. ورأيتُهم وهم يبيعون الأكفانَ في السوق السوداء على الموتى وبأغلى الأسعار، نكاية بانخفاضِ أسعارِ النفط في الأسواق العالمية. أما أكثر ما أغاضني فهو عندما نطقتْ دكّةُ غسل الموتى الاسمنتية و طالبتني بوقاحةٍ وصلفٍ عجيبينِ أنْ أدفعَ أجورَ التغسيل الذي لم تقم به أصلا.

1 تعليقك

اترك رد