الْأزمَة في العُقولِ لا في الفسَاتينِ – قراءة عابرة لفيلم ” فستان “


 

أهمية موضوع الفيلم
في عصر التقدم العلمي والتبصر الفكري ما تزال عادات مكبلة للشعوب ، وتمنعها من اكتشاف ذواتها كي ترسو على أرضية معقولة صلبة لها تساندها عقليا وأخلاقيا وإنسانيا… لقد انتهى عصر الخرافات لكنها ما تزال تعشش في أدهان الكثيرين منا.

ما تزال نظرتنا إلى المرأة نظرة من يحتقر نفسه دون أن يدري ، ولا يمكننا ادعاء التقدم والديمقراطية والإنسانية ونحن نعتبر المرأة دون الرجل والذكر دون الأنثى ، ونتعامل مع الجنسين بمكيالين مختلفين اختلافا صارخا وفاضحا .

مازال هذا المبدأ الخسيس سائدا في مجتمعات كثيرة “الذكر محمود رفيع المكانة ، والأنثى دنيئة مهما كان تفوقها ومزاياها ثقافة وعلما…الأنثى إن ارتكبت فاحشة فقد هدمت مقام الأسرة ، وإن ارتكبها الذكر فلا بأس بذاك لأنه ذكر”.

الفيلم ” فستان ” يحاول معالجة الموضوع من زوايا متعددة ،تربطها بالمجتمع وبالنفس وبالأسرة.

أحداث الفيلم
يبدأ الفيلم بامرأة تقص أظافر فتاة بالإكراه ، وهي تبكي بحرقة وضيق ،ثم تنتقل بعد ذلك لتقص شعرها الطويل الجميل ،ثم يعرض الفيلم الفتاة متألمة حزينة وهي بين صديقاتهن اللائي يواسينها بحرقة، تظهر “باسانت” تمردها ، وتحرض صديقاتها بعد أن أطلقن شعرهن تحديا على مواجهة المديرة لما صدر منها ضد الفتاة ، وتأتي المديرة مصحوبة بالمدرسة لتجد الطالبات يحملن لافتات مكتوب عليها ” نطالب بإقالة مديرة المدرسة ” لا للعنف ضد الطالبات ” ” لا لشتم الطالبات “…

تعود المديرة مضطربة مسرعة إلى أقراصها المهدئة في حالة نفسية مضطربة جدا. وتحدث نفسها ” لم يعد هناك احترام للكبير ، لعن الله الثورة التي علمتهم قلة الأدب ” تسأل المدرسة عن المحرضة ، وهي الطالبة “بسانت” لتوجه أمرها إلى المدرِّسة” يجب استدعاء ولي أمرها قبل أن يتسع هذا الانفلات ” ، تقود المدرسة سماح الطالبة المحرضة إلى مكتب المديرة ،لتجد أمها هناك وحين تسألها عن سبب استدعاء المديرة لها تقول بأننا ندافع عن حقوقنا فلماذا تقطع شعر هالة لكونها مسرِّحة له ، وأظافرها لأنها طويلة ، ويبدو أن أمها لم تستوعب ما تدافع عنه الطالبة ،وتأبى الاعتذار ، وأنها ستفصل ثلاثة أيام ،وتعاتبها أمها بذلك.وتصفعها الام امام المديرة وهو رد فعل استحْلته المديرة ولم تعتذر “بسانت” بل وضعت الشعر المقطع من رأس الطالبة على المكتب وخرجت.

يقدمها الفيلم معجبة بفستان جميل في أحد المتاجر في الشارع العام وفي غرفة نومها تخاطب بَبّغاء في قفصه قبل أن تتجه إلى حاسوبها وتكتب “ليس مهما أن تلم الفتاة شعرها ولكن المهم أن تلم أمرا تقتع به” وتواجه أخاها الذي أخبرها باقتراب قدوم أبيها لحضور زواج أختها ، وتتنصت لأمها تقول لاختها المقبلة على الزواج وهي تسألها عن ليلة الدخلة ،”إن الرجل هو الذي يعمل كل شيء ما عليك سوى الاستسلام ، يجب أ ن تتوجعي وينزل منك دم ، وإلا شك زوجك بعذريتك ، فعليك بالتوجع صدقا أو تصنعا” .

“باسانت” تطالب أمها بثمن الركوب إلى المدينة فتمنعها من السياقة بنفسها ، وتمنعها من ركوب الطاكسي ،وتتفقان على أن تركب في الميكروباص ، بشرط أن تركب في الأمام دون أن تترك أحدا يجلس بجانبها. وقبل أن تنصرف تعاتبها وتوبخها لأنها أرادت الحديث عن البكارة وما يتعلق بها ،قائلة “من له البنات يحمل الهن حتى الممات ” وتتبعها الأم بمكالمات ، وهي خارجة مظهرة تخوفاتها عليها من الاعتداء والتحرش والاغتصاب، وهي في فضاء عام مع زميلاتها يؤنبها أخوها عبر الهاتف لكونها كتبت شيئا مخلا بالحياء في اعتقاده ، فهو يخاف على شرفها، وترد عليه بكون الذكور يقومون بالمثل ، فيرد عليها بأن الأولاد لا حرج عليهم ، ترد عليه بأن قلة الأدب ينطبق على البنات وعلى الذكور أيضا.

يقدم الفيلم مشهدا راقصا للطالبات على المسرح خلسة ، يُدَخِّنَ، في الوقت الذي تخاطب أمها امرأة ـ عبر مشهد آخلرـ بكونها متحكمة في ابنتها بيد من حديد لأن أهم شيء في تربية البنات الشدة ، “اكسري للبنت ضلعا يطلع لها أربعة وعشرون “. “بسانت” تخاطب إحدى زميلاتها بكون ما قمن به من تدخين السجائر سلوك غير محمود لأن قيام الذكور بذلك لا يبيح القيام به بحجة المساواة ، فهي لا تريد أن يتعاطى للتدخين لا الذكور ولا الإناث،

بسانت تعود إلى محل الملابس لتظهر إعجابها بفستان .وتخبر أمها بأنها تريد اشتراءه ، لتلبسه عاديا بلا ارتباط بأية مناسبة فتعاتبها على ذلك خوفا من تعدي الشبان عليها ، فالفستان يجب أن يغطي أطرافها.وتطالبها بتغيير الثوب الذي تلبسه لأنه يبين مفاتنها أكثر. وتنصرف غاضبة ، تنزل إلى الشارع فتجد فتاة لابسة ملابس تبين مفاتنها ويهاجمها ثلاثة شبان قبل أن يسقطها أحدهم أرضا ، تهرع إليها فتمسك بيدها وهي تفكر في رد الفعل إزاء ما وقع.

وتدخل بكيس فيه الفستان الذي أعارته لصديقتها وتعاتبها على ذلك ، وبعد أن تستيقظ تكتب على حاسوبه ” اكتشفت بأن الأزمة ليس في اللبس بل في العقول والإناث هن اللائي يمنحن للذكور الحبل كي يخنقونهن به.

في الشارع العام تلبس ثوبها الذي منعت من لبسه ، وتسير في الشارع معتدة بنفسها وإذا بها تواجه شابا فتضطرب ثم تتراجع قليلا شاعرة بالضعف ، وسرعان ما تعود إليه شجاعتها فتصفعه لتواصل طريقها واثقة بنفسها. تقول “دافعي عن حقك في الحياة ، ومن هذا اليوم سألبس فستاني “.

تعليق عام على الفيلم
الفيلم مؤسس ومحبوك وفق وتيرة درامية يحتدم فيها الصراع الفكري والاجتماعي والأسري عبر المفارقات الصارخة بين النظرة إلى الذكر والانثى ، علاقات ملتهبة عن طريق طالبة ترفض المتواضع عليه إكراها واستنادا إلى نظرة تحقيرية إزاء المرأة باعتبارها كائنا ناقصا مقارنة بالذكر ، لينتهي الفيلم بالمفترض أن يتحقق في المجتمع وهو انتصار الانثى في نزع الأكبال المحيطة بها.

قضية الضيق على المرأة بادعاء الخوف عليها لعدم كفاءتها البدنية والعقلية في الدفاع عن نفسها جعلها تركن ال]ها وتتعشش في نفسيتها لتحدث ضعفا إزاء نظرتها نحو نفسها.

والفيلم وهو يناصر قضايا المرأة وحريتها بالخصوص يصحح المنظور نحوها عبر لقطة تناولت فيها البطلة السجائر فندمت لأنها تسيء إلى مفهوم المساواة ، فالتدخين مضر ، فهل يجب أن تتساوى الأنثى بالذكر في الموبقات ومسببات الأمراض ؟؟.

هامش :
فيلم “فستان ” ـ إخراج ألبير مكرم ـ تمثيل: سلوى عثمان ، زينب غريب ، عارفه عبد الرسول ، داليا الجندي ، فيولا فايز ، مارينا أمجد ، شادي رمسيس ،هدى إبراهيم.ـ كلاكيت : إسماعيل محمد ـ ريجسر:محمد إسماعيل ـ مسجل صوت: سامر فوزي، رمزي ذكري ـ جيراف: مينا معدن ـ اسطى إضاءة:حسام علي ـ فنيو إضاءة ،أحمد عطا شريف ياسر ـ مشرف كاميرا:منير رمسيس ـ أكسسوار فتحي عبد العظيم ، بولس سمير ـ مكياج :محمد عمرـ لوى كوافير :حسن عبد اللطيف ـ مساعدة الفنانة سلوى عثمان :كريمة جمال ـ بوفيه : عمر مشمش ـ فضل عطا الله ـ فني استيدي :ماجد موريس ـ منفذ إنتاج :بيتر صموئيل ـ استيدي كام : رامي عادل ـ مدير إنتاج :مايكل مراد ـ مساعد مخرج أول :بيتر صموئيل ـ مخرج منفذ :أمير سمير ـ موسيقى : روماني ميشيل ـ مونتاج : رفيق جورج ـ مدير تصوير : نبيل سمير ـ منتج فني : فريد سمير ـ تأليف وإخراج ألبير مكرم.

لا تعليقات

اترك رد