الجمهورية ليست بحاجة للعلماء


 

الفقراء مختلفون والأغنياء متشابهون وإذا كان بعض الناس قد ولد في الحياة وفي فمه ملعقة من ذهب فإن العالم الفرنسي لافوازييه ليس من هؤلاء . كان لافوازيية رجلا مختلفا في كل شيء تقريبا في ذكائه وعلمه ودقة ملاحظته وكثر مبتكراته وكشوفه العلمية وكان في كل يوم يخرج للبشرية اكتشافا علميا جديدا ومدهشا . كان لافوازيية عالما مدهشا في حياته وموته .

عاش أنطوان لافوازييه ما بين 26 آب 1743م و8 أيار عام 1794 م وهو أحد النبلاء الفرنسيين من ذوي الصيت في تاريخ الكيمياء والتمويل والأحياء والاقتصاد. وهو أول من صاغ قانون حفظ المادة وتعرّف على الأوكسجين وقام بتسميته في عام 1778 م وفنّد نظرية الفلوجستون ، وساعد في تشكيل نظام التسمية الكيميائي. وعادةً ما يشار إلى لافوازييه بأنه أحد آباء الكيمياء الحديثة. كان العالم لافوازييه ممن ساهموا في صناعة التاريخ وهدم نظريات علمية ظلت البشرية تقول بها مدة ألفي عام ولقي هذا العالم من الإيذاء والاتهام أشد الأذى لأنه كان كثير الحساد. ومع أنه من أنصار حرية الفكر فقد قتل في النهاية باسم حرية الفكر تماما كما حدث مع سقراط لأنه وجد بالمصادفة بين عهدين مجنونين يتطاحنان وطبقتين غبيتين تمسك إحداهما بخناق الأخرى أيام الثورة الفرنسية المعمدة بدم الأبرياء .

توفيت والدته وهو ابن ثلاث سنوات فتطوعت خالته لرعايته مع أخته التي ما لبثت أن ماتت. نشأ لافوازييه وحيدا وظهر تميزه منذ سنوات دراسته الأولى ولما دخل كلية مازران المشهورة بالدراسة العلمية انكب فيها على الدراسة حتى هزل جسده لدرجة أن أحد أصدقائه كتب له قائلا : ” اعلم أن عاما واحدا من الحياة أفضل من مئة عام من الذكرى ” . درس الرياضيات والفلك وعلم الحيوان والجيولوجيا والكيمياء وكانت أولى تجاربه على دراسة الضغط الجوي وصنع المقاييس المعيارية ثم قام برفقة أستاذه بجولة جيولوجية في فرنسا استمرت حوالي ثلاث سنوات درس خلالها الجبس وخصائصه . واشتغل لافوازييه بالموازنة بين أنواع الشموع وزيوت المصابيح وانعكاساته وأنواع الفتائل أثناء دراسة جدية لإنارة شوارع باريس. ثم انصرف لدراسة كثافة المياه في نهري السين والرين وقارنها بكثافة المياه المعدنية ، كما اشتغل لتطوير البارود وخصائصه بإشراف الحكومة الفرنسية لمدة 25 عاما دون أن يؤثر ذلك على أبحاثه الأخرى في مجال التنفس وتركيب الماء والاحتراق والتكلس .

انصرف لافوازييه بعد ذلك لدراسة مسألة الاحتراق. كان الناس يعتقدون بنظرية العناصر الأربعة التي يتكون منها الكون وهي : الماء والهواء والنار والتراب وكانوا يعتقدون أن الإحتراق يكون بخروج مادة عجيبة من المادة المحترقة هي الفلوجستون . لكن تجارب لافوازييه أوصلته إلى أن الاحتراق هو اتحاد مادة بأخرى وأعلن أن الأوكسجين هو الجسم الذي يحرق باتحاده مع العناصر الأخرى . وكشف لافوازييه أن الماء يتكون باتحاد ذرة من الأكسجين بذرتين من الهيدروجين ثم ركبه ثم حلله فما اختلفت النتائج . ومن الطريف أن لافوازييه جمع أصدقاءه في حفل خاص في باريس ولعبت زوجته دور القسيس الذي أخذ كتاب العالم الألماني شتال صاحب نظرية الفلوجستون وألقت به في النار وسط سكون رهيب وموسيقا جنائزية تعلو في القاعة . لقد مات الفلوجستون . ولما سمع الألمان بأخبار لافوازييه استشاطوا غضبا وصنعوا له تمثالا من الخشب وأحرقوه لأنه أفسد العلم .

أنفق لافوازييه الكثير من ماله في تجاربه العلمية وكانت زوجته السيدة ماري أن بوليز لافوازييه تساعده في كل شيء . كانت السيدة ماري أنا بيريت بوليز تنحدر من النبلاء وتختص في الكيمياء وعملت مع لافوازييه في المختبر سنوات طويلة ولعبت دورا محوريا هاما في ترجمة أعماله العلمية العديدة كما ساهمت إلى حد بعيد في وضع المقايير وتثبيت الطريقة العلمية في دراسة الكيمياء . وأثبت لاحقا أن الألماس والفحم صورتان مختلفتان لمادة واحدة . وكان العالم وزوجته يقدم ثمانية أبحاث أصيلة لأكاديمية العلوم الفرنسية كل علم على مدة عشرين سنة وهو من اقترح إقامة سور لمدينة باريس لمنع التهريب .

بدأ لافوازييه حياته محاميا ثم نال جائزة لابتكاره نظاما جديدا لإنارة الشوارع في باريس ، وكان يقضي وقت الفراغ في الأبحاث العلمية الكيميائية ، حيث يعرف بأبي الكيمياء الحديثة ، تم إعدامه بعد قيام الثورة الفرنسية بتهمة ترطيب تبغ الجيش خلال عمله في لجنة المعايير المترية . ورغم أنه لم يثبت عليه شيء فقد أُعدم . وما زالت العبارة التـي قيلت له في قاعة المحكمة: “الجمهورية ليست بحاجة إلى علماء بل بحاجة إلى عدالة” وصمة عار في تاريخ القضاء الفرنسي واستخفافاً مشيناً لعبقرية يندر مثيلها في التاريخ. وهو مثل كثير من الناس قد درسوا علوماً أخرى غير التي برزوا فيها فقد درس القانون ، وحصل على شهادة علمية فيه، ولكنه لم يعمل بالقانون. التحق بالكثير من الوظائف المدنية ، وكان بالغ النشاط في أكاديمية العلوم الملكية ، كما أنه عمل في مؤسسة تحصيل الضرائب ، ولذلك

عندما قامت الثورة الفرنسية فقد ارتابوا في أمره . وحاكموه ومعه 27 عضواً من هذه المؤسسة ومحاكمات الثورة لا تكون دقيقة بقدر ما هي عاجلة ، وفي يوم 8 أيار 1794 م حوكموا جميعاً وأدينوا، وتقرر إعدامهم شنقاً ولكن زوجة لافوازييه هي التي أنقذته. وكانت سيدة بالغة الذكاء وساعدته كثيراً في أبحاثه. وعند محاكمة لافوازييه تقدمت زوجته بطلب العفو عنه ورفض القاضي طلبها قائلاً “إن الثورة لا تحتاج إلى عباقرة” ولكن زميلا له هو جوزيف لاجرانج كان أقرب للحقيقة عندما قال ” إن قطع رقبة لافوازييه لا يستغرق دقيقة واحدة ، ولكن مائة سنة لا تكفي لتعوضنا عن واحد مثله”.

عندما ولد لافوازييه في باريس كان علم الفيزياء متخلفاً كثيراً عن علوم الكيمياء والرياضيات والفلك، وعلى الرغم من أن كثيراً من الحقائق الكيميائية قد اهتدى إليها العلماء فإن أحداً منهم لم يفلح في أن يصوغ هذه الحقائق في نظرية شاملة. وكان يعتقد في ذلك الوقت خطأ أن الهواء عنصر. كما لم يفهم أحد مكونات النار، بل أن الفكرة الشائعة في ذلك الوقت كانت خاطئة جداً ، كان يعتقد أيضاً أن كل المواد القابلة للاحتراق تتكون من مادة سميت “الفلوجيستون”، وأن هذه المادة تنطلق أثناء الاحتراق . وفي الفترة بين 1754 و1774م أفلح عدد من الكيميائيين النابهين مثل جوزيف بلاك وجوزيف بريستلي وهنري كافنديش وغيرهم في فصل غازات هامة كالأكسجين والهيدروجين وثاني أكسيد الكربون ولما كان هؤلاء العلماء قد سلموا بوجود مادة الفلوجيستون فإنهم لم يدركوا معنى المواد الكيماوية التي اكتشفوها ، فكانوا يشيرون إلى الأوكسجين على أنه الغاز الذي تجرد من الفلوجيستون ولم يفهم أحد في ذلك الوقت لماذا يزداد احتراق عود من الخشب في غاز الأكسجين أكثر من احتراقه في الغاز العادي.

كانت تجارب لافوازييه من النوع الكمي بالدرجة الأولى . فقد قام بتعيين تركيب حامضي “النيتريك والكبريتيك” وكان أول من أنتج “الغاز المائي المسيل” واخترع مقياس تدفق الغاز وهو جهاز لقياس كميات الغازات يستعمل عادة في المختبرات . أدخل لافوازييه مصطلحات وأسماء كيميائية جديدة قبلها غيره من الكيميائيين وحلت محل النظام القديم . واستطاع لافوازييه وحده أن يضم فتافيت الحقائق الكيميائية التي اكتشفت . ويصنع منها إطاراً متكاملاً . وأول ما فعله هو إنكار ما سماه العلماء بالفلوجيستون ، كما أنه الوحيد الذي أكد أن الاحتراق معناه الإتحاد الكيميائي بين الأوكسجين والمادة المشتعلة ، كما أن الماء ليس عنصرا ولكنه إتحاد كيميائي بين الأكسجين والهيدروجين وأن الهواء ليس عنصرا وإنما هو أيضاً خليط هما الأوكسجين والنتروجين ، وهذه الحقائق تبدو واضحة تماماً هذه الأيام . ولم تكن واضحة تماماً في عهد لافوازييه ولا الذين سبقوه ، بل إن عدد من علماء عصره لم يصدقوا ما أتى به لافوازييه بعد أن كشف لهم هذه الحقائق الجديدة ، ولكن بعد أن أصدر لافوازييه كتابه الشهير مبادئ الكيمياء عام 1789م ، أخذ الجيل الجديد من العلماء يقتنع بوجهة نظره. وبعد أن كشف لافوازييه أن الماء والهواء ليسا من العناصر، وإنه قد كتب قائمة بهذه العناصر الجديدة ، وهذه القائمة تضمنت بعض الأخطاء الحديثة لكل العناصر المعروفة كانت إضافة للعناصر التي اهتدى إليها لافوازييه. ثم إنه أول من اتخذ للعناصر وللمعادلات الكيميائية رموزاً. وبمقتضى هذه الرموز أصبحت الكيمياء عالمية النظرة والبحث والدراسة ويمكن فهمها في كل اللغات .

لافوازييه هو العالم المسؤول عن جعل الكيمياء علماً دقيقاً ومتقنا وذلك بإجراء تجارب شديدة الدقة والوضوح على التفاعلات الكيميائية . ساهم أيضاً بصورة متواضعة في دراسة علم الجيولوجيا وكذلك في علم وظائف الأعضاء. وهو الذي أثبت أن عملية التنفس هي عملية احتراق أيضاً ، وبناء على ذلك فإن الكائنات الحية الحيوان والإنسان تستمد طاقتها من عملية احتراق بطيئة للمواد العضوية مستخدمة في ذلك الأكسجين الموجود في الهواء الذي نستنشقه . ولهذه الدقة والوضوح والقدرة الهائلة على التنظير استحق لافوازييه أن يوصف بأنه أبو علم الكيمياء . وأهم القوانين التي طورها لافوازييه في الكيمياء كان قانون بقاء الكتلة الذي ينص على أن وزن مادتين كيميائيتين منفصلتين توازي وزن المادة الجديدة الناتجة من اتحادهما وقانون حفظ المادة الذي ينص على أن المادة لا تفنى ولا تستحدث بل تتغير من شكل إلى شكل آخر .

كان لافوازييه عضوا في أكاديمية العلوم الفرنسية وعضوا في اللجنة العليا للبارود ونائبا مرموقا وعالما لا يشق له غبار ولكن الثورة الفرنسية تطورت وتطورت ودخل أنصارها الباستيل وازداد توهج الثوار وطيشهم وسيطرت نشوة النصر على مكونات العقل ومثل كل الثورات في العالم بدأت الثورة الفرنسية تأكل أبناءها تماما مثل القطط وقتل حوالي أربعة ألاف من أنصارها وقدم لافوازييه للمحاكمة وسيق إلى المحكمة الثورية . حاول محامي الدفاع بطلب من زوجته السيدة ماري أن يشرح للمحكمة أن لافوازييه رجل علم وليس رجل سياسة وأنها ملك فرنسا بغض النظر عمن يحكمها لكن رئيس المحكمة صرخ غاضبا : ” إن الجمهورية ليست بحاجة للعلماء ويجب أن تأخذ العدالة مجراها . هل عندك شيء آخر ؟”

ثم أدرج اسم لافوازييه على قائمة 27 اسما آخر للسوق إلى المقصلة ..
وبعد أربع وعشرين ساعة كان رأسه يشخب دما وقد انفصل عن جسده …ليكون اسم لافوازييه وصمة عار على جبين الثورة الفرنسية وانتهى العالم النحرير كما ينتهي المجرمون …إنها أعراف الثورة .

لا تعليقات

اترك رد