تقاطع دروب الحياة والموت عند اللغات

 

اللغة ليست مجرد حروف منطوقة يتحدث بها أبناء شعب واحد أو منطقة جغرافية ما؛ اللغة كائن حي يتنفس وينمو كلما أحسن أبناء الوطن أو المنطقة الواحدة استخدامها. فكل حرف من حروف اللغة يحمل تاريخاً يجب الحفاظ عليه، وهوية من اللازم اللازب صيانتها، ومراعاة هوية استقلالها؛ حتى لا تسقط في هوة التبعية ومنها إلى الانحسار والانزواء إلى أن ينتهي بها المآل إلى الموت. وأبلغ دليل على ذلك، اللغات الآرامية، والسنسكريتية، واللاتينية التى ماتت ومات معها أمجاد وتراث شعوب أثرت التاريخ وساعدت على تقدمه؛ لكن للأسف، بقى من هذا التاريخ مجرد أشلاء متفرقة غير قادرة على تقديم حكايات كاملة متصلة، والسبب: موت اللغة.

ومن ثم، يتحتم على أبناء الوطن الواحد أن يولوا اللغة الأم كل الرعاية والاهتمام؛ لأانها بالفعل أم حنون على كل أبناءها، وهي المسار والسند في صيرورة التاريخ. فبدون اللغة الأم، تندحر الشعوب في عقر دارها؛ فيخسرون ليس فقط هويتهم، بل أيضاً أوطانهم التي تأويهم. فبدون اللغة الأم، يفقد الوطن سلطته وهيبته ويتغير تصنيفه، وكذلك هيمنته. ويعج التاريخ بأمثال كثيرة تدلل على ذلك. فعلى سبيل المثال، حارة ما بين الرافدين العظيمة التي ظهرت قبل الميلاد، ومنها تعلم العالم أجمع أول نظام لغة مكتوبة – وهي الكتابة المسمارية – اندثرت لاندثار لغتها، وأصبحت لقمة سائغة لتوالي وتغيير الممالك والعصور.

لكن ما يحدث للغة العربية في عصرنا الحالي بات مبحثاً يدعو للتأمل وإعادة تقييم الوضع اللغوي للمنطقة العربية المتحدثة باللغة العربية. فمن الطريف؛ خلال أسفاري المتعددة عبر دول الخليج المختلفة بهرني أن الجميع – وخاصة فئة الشباب يتحدثون – اللغة الانجليزية التي صارت في بعض الدول – وخاصة في المحافل العلمية – شبه رسمية. في بادئ الأمر، بهرني بالوضع؛ لأن شباب الأمة باتوا يتقنون لغة أجنبية ويحاكون اللهجات الأم لها. ومن ثم، قد يصير ذلك السبيل للشباب أن يعبر عن جميع أراءه بكل حرية، وأن يصول صوته لشتى أنحاء الساحة الدولية، ومن ثم، قد يصير هذا الطريق للعالمية، والانفتاح بكل حرية على علوم الغرب، وكذلك المقدرة على طرح الابداع العلمي والفكري على الساحة الدولية.

ولكن بمرورعدة أيام اعتراني تخوف رهيب وخاصة وأني لاحظت الخطر الكامن في ذلك الوضع. فلقد وجدت أنه حتى عند استخدام اللغة العربية في قليل من الأحاديث أو الدردشات المكتوبة ، وخاصة في مواقع التواصل الاجتماعي، فإنه يتم كتابه الحديث بحروف لاتينية، وعلى إثر ذلك، تولد في نفسي هاجس الخوف على اللغة العربية من الاندثار، والاندحار في عقر دارها.

حقاً، اتقان لغة أو لغات أجنبية شئ مفيد للغاية؛ لأنه يسهل عملية الاطلاع على ثقافات متعددة ويسهل العملية التعليمية والتثقيفية بوجه عام، وأبلغ مثال على ذلك، الشعب البلجيكي الذي يتوجب على كل فرد فيه التحدث بثلاث لغات حتى يسهل عليه التحدث لسكان الدولة عند التنقل من مكان لآخر؛ لكن ذلك لا يعني أبداً أن كل فرد لا يعطي اهتماماً للغته الأم ويوليها بالاعتزاز بالرغم من إنها بالفعل واحدة من ضمن هذه اللغات الثلاث.

وفيما نحن نواكب الاحتفال بيوم اللغة العربية، يجب أن يتفكر جميع المتحدثين باللغة ولو قليلاً في وضع اللغة العربية؛ وهاصة وأن الاحتفال والاحتفاء بها لم ينبع من أبناءها، بل من مبارد منظمة اليونسكو للاحتفال بيوم اللغة العربية في الثامن عشر من شهر ديسمبر من كل عام من شهر، والسبب أن منظمة اليونسكو هي من قررت أن ذلك هو يوم الاحتفال باللغة العربية؛ حيث منذ خمس وأربعين عاما مضت، وبالتحديد في الثامن عشر من شهر ديسمبر عام 1973 أدرجت منظمة اليونسكو اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية من لغات العمل بالمنظمة، لما لهذه اللغة من انتشار واسع في العالم أجمع.

لكني أجد أنه من المخجل أن من يذكر المتحدثين باللغة العربية بالاحتفال بلغتهم هي منظمة أجنبية لا ينطق من أسسوها باللغة العربية. فلقد اتخذ أبناء اللغة العربية ذلك اليوم عيداً للغتهم الأم وكأنهم ينتظرون منظمة أجنبية أن تذكرهم بلغتهم، بالرغم من أن واقع الأمر، أن منظمة اليونسكو تحتفل بيوم اصدار القرار رقم 3190 الذي يدخل اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية ولغات العمل بالمنظمة.

ومن ثم، فإنه يجب أن يظهر ذلك الاحتفاء باللغة العربية من كانت لغتهم الأم هي اللغة العربية. والاحتفال بتلك اللغة الرائعة التي تعرف باسم لغة الضاد نظراً لتميزها بنطق ذلك الحرف دون سائر اللغات الأخرى. والاحتفال الأصيل باللغة يكون عن طريق الاعتزاز باللغة العربية وتنميتها إلى جانب إجادة واحدة أو أكثر من اللغات الأجنبية، وطرق تنمية اللغة العربية أو أي من اللغات الأجنبية سهلة للغاية؛ حيث يتطلب الأمر حضور جلسات نقاشية مثمرة شيقة يتم تبادل الوعي الثقافي فيها، أو تدريس، أو حتى عقد رحلات ترفيهية للأجانب المقيمين الراغبين في تعلم اللغة العربية. وإن كان من أفضل وأسهل الحلول هو الاحتفاظ بمكتبة داخل المنزل تضم كتباً عن مختلف العلوم والفنون، ويا حبذا، لو تضمنت المكتبة المنزلية كتباً عن الأدب القصصي والشعري سواء التراثي والحديث أو كليهما. وبذلك سوف يضمن القارئ قبل أي شئ الاستمتاع، وكذلك الحفاظ على اللغة وتنميتتها؛ شاملاً بذلك تنمية الذائقة الأدبية.

وتلك بالفعل هي الاستراتيجية التي تتبعها الدول الأوروبية للحفاظ على لغاتها الأم، فبالنظر إلى الاتحاد الأوروبي الذي يضم في جنباته شعوب تتحدث ليس فقط بلغات متعددة، بل أيضاً بلهجات متعددة لنفس اللغة تختلف فيها تماماً التراكيب وطرق الكتابة، مع العلم أن تلك اللهجات رسمية معتمدة. فلم تحتقر أي أمة لغتها أو تجاهلتها ولوحتى بالقدر الضئيل، فكل أمة تحاول الحفاظ سواء على لغتها أو حتى لهجتها باعتبارها جزء من شرف الأمة وهويتها الثقافية والعلمية. ولتغذية الصغار بتلك الأفكار، فإنه قد بات الفن التعبيري، والانتاج الأدبي من أهم الوسائل للحفاظ على اللغة؛ حيث تعقد مسابقات لكتابة القصص القصيرة والشعر يدعى فيها الأطفال رسمياً للاشتراك بداية من سن ثمان سنوات، أضف إلى ذلك، الإثراء الأدبي والثقافي يعد من أهم الوسائل لكل من الاحتفاء باللغة والحفاظ عليها، وذلك عن طريق المداومة على عقد الحلقات النقاشية والندوات المتخصصة والغير متخصصة التي يتم فيها طرح موضوعات عن مختلف الآداب والفنون والعلوم.

ومن الجدير بالذكر، هناك العديد من الدول الناطقة باللغة العربية تنبهت لهذا الخطر الداهم وبات همها حفظ اللغة العربية من الاندثار. وإن اتخذنا مصر وبعض الدول العربية كمثال، نجد أنه تقريباً لا توجد منطقة سكنية أو حي يخلو من وجود مكتبة عامة. أضف إلى ذلك، تهتم المدارس والمؤسسات الجامعية بوجود مكتبات يعمل القائمين عليها على تنميتها بشكل مستمر.

ولكن وقبل أي شئ، يجب أن يقر جميع الناطقين باللغة العربية بما منه الله لنا من نعم للحفاظ على اللغة العربية بشكل سلس. فلقد وهب الله الأمة العربية الدين الإسلامي متمثلاً في كتاب القرآن الكريم وعبادة الصلاة لخمس مرات في اليوم، بجانب إحياء شعائر الدين والعبادات والاحتفال بالأعياد والمناسبات الدينية؛ وبالتأكيد، جميعها وسائل طبيعية مباشرة تساعد على حفظ اللغة العربية وكيانها من خطر الاندثار والموت في نهاية المآل. فمهمة أبناء اللغة العربية للحفاظ على لغتهم باتت جد يسيرة، لكنها تحتاج إلى رغبة أكيدة في عدم التنصل من هويتهم العربية وكيانهم العربي.

لا تعليقات

اترك رد