إيمان حاصباني كثافة شعورية مع تواتر الوجع


 

من على السبورة المدرسية و هي طفلة إلى جدران بيتها في إحدى قرى السويداء إلى معهد ادهم إسماعيل ، و كلية الفنون الجميلة في دمشق إلى حصد الجائزة الأولى للتصوير الزيتي في مسابقة الأعمال الصغيرة في بينالي كندا 2008 ، إلى ألمانيا و الفضاء الإغترابي التي تعوم فيه ، و هي تشق طريقها بثقة العاشقة بعشقها ، فبدا لي و أنا أوغل عميقاً في تشظياتها المشتعلة بمرارة الغياب أن العزلة تلف مفاصل أشياءها ، و أن تلك العزلة رهينة بمعرفتها لوسائط حالتها و هي تلملم ما توفر لديها من تنوعات وقائعها البصرية ، دون أن أنسى سعيها الدؤوب لتجاوز الفعل المنقطع ، بل المتقطع في ولادة علامات رؤيتها نحو دوام بحثها في إنتاج وحداتها اللونية غير المنفصل من التجربة الإنسانية مع الإرتحال الدائم نحو ذاتها كمحنة عليها تنحت إنفعالاتها و كل حزنها التي تمس الخراب الموغل في أملنا و ألمنا شديدي الغموض ، و شديدي الوجع .

حاصباني بعدما اعتراها التدفقات الحزينة بمشهديتها التي تنفلت عليها ألوان مغمورة بملامح قلقة ، متوترة ، غامضة ، منفجرة بصدمات تجيد الإندفاع للعمق ، كشفاً للمخزون الهائل من الزخم الهارب من التراكمات الداخلية منها و الخارجية و التي تمنح عملها / منتجها سفحاً من غابات شاحبة مازالت تنبض بالإنتماء إلى الزمكان الممتلىء بالتيه و الغبار ، و هذا أمر في بالغ الأهمية ، ما يجعل تداخلاتها المضمخة بعلامات مشتقة من سياقات خاصة تستند على إبراز أشكال تعبيرية مختلفة و متباينة إبلاغياً بها تدشن حاصباني دعامة ما لكائنات إنسانية بمعطيات حسية مختلفة ، منها تتسرب تصوراتها في صياغة بنائها الداخلي بوصفها إحالات معرفية / دلالية غير مكتفية بذاتها تندرج ضمن لحظات التحقق بفعل المنتج و بأدوات إجرائية مركبة قادرة على جعلها كياناً تدليلياً و إبلاغياً في الآن ذاته ، فهي تحمل من الشجاعة ما يكفي لتبرز الحاجة إلى إخبار الغائب عن أشيائها و ما فيها من حواس و إدراك .

إيمان حاصباني ترمي بعيداً الفن حين يكون تقريراً لتنويعات الواقع ، فهي تملك مستوى ما من الإيحاء ، من الإرساليات التي تحمل من الخشونة و الصراخ الكثير ، فمن خلال وضعيات محددة لأفعال الإنسان و حركته و بأنماط مختلفة من تشكلها تنفذ عمليات معقدة من التفاوض بين الأحاسيس و اللون ، بين الداخل و الحواف لخلق معادل توافقي بين الجمال الذي لا تحده العين و بين القبح و هو يحضن الأرض و الانسان ، فتتحول حالات حاصباني الجوانية إلى مذراة تجر الرغبة من القبح ذاته إلى الذات ، و في هذا عصا الكينونة و هي تلوح به في نوعية الأشياء ( أشياءها هي ) ، مع إفتراض وجود وجوه لكائنات قد تحجب الضوء عن الجسد كنص أو جر ما تبقى من ضوء في الجسد وفق حضور الفضاء في أشكالها المسترسلة بالنداءات الخشنة على نحو أكثر إيذاناً لتأنيس وحشتها دون أي إختفاء لقيمها و دون أي تجاهل لتكسير الجدوى المعرفي لمنتجها ، فالكثافة الشعورية تجعل كائناتها تبحث عن ذاكرتها فينا و المطعونة بالخريف و إحتقاناته ، و بذلك تحقق وجودها المحتمل في الساحات المذبوحة ، و المحمولة في عيون طفل عبثت به الحرب بما فيها من ” خراب دورته الدموية ” فلا مكان تلائم موته و لا زمان يحتويه إلا مسيجاً بالألوان غير الخرساء ، الناطقة بروح دون ذاكرة ، و بوجه دون تفاصيل ، مع إحتراقات مهربة بصمت موحش .

فخطوات حاصباني خال من التلكؤ و إن كان الشارع الطويل مكتظاً بالمساءات المعتمة جداً ، فصراحة نفسها بأدق ظواهرها تقربها من ذاتها كفهم فيه نوع من الهيولى المقدسة ، كونها مدركة بأن الفنان لا يصنع بقرارات إرتجالية بل بالإنغماس الكلي في ألوان التراب و رائحته ، و في بحار الإنسان و روحه، و كشف أسرار الذات ومفاتيحه ، و لمس مؤثرات كل ذلك كخلاصة تعبيرية تؤكد على سمو القيم الجمالية و الروحية و الإنسانية لديه ، و يمكن من جهة ثانية معرفة ما تتطلبه حاصباني من منتجها بموجب ما هو نص بصري كثير الخصوبة لا يتوقف عند نقطة معينة ، يمكن معرفة ما تتطلبه حاصباني هنا من خلال ما يختلج هذا النص من تساؤلات تطرح على إمتداد المسافات التي لا وصول فيها ، و لا تنتهي الإجابات عليها مهما كانت المعطيات التي تشتغل عليها حاصباني تحمل من إيحاءات جديدة و موجعة .

لا تعليقات

اترك رد