نون النسوة في التعليم وحركة التنوير فيه

 

نافذة (03): التعليم وآفاق متغيراته

غابت فتيات القرن التاسع عشر وما قبله خلف الأستار ومفاهيم الحريم، عراقيا وبمجمل البلدان التي خضعت لسطوة الدولة العصمللية بخرافاتها ودجلها وثقافتها الذكورية الاقطاعية المنهج. ثم توالت تلك النظرة الدونية من طرف ورثة فلسفة ماضوية ميزت دوماً على أساس الجندر\الجنس بطريقة قمعت أية محاولة تنوير وسط النسوة. ولكن ذلك لم يمنع من بروز حالات كفاح بطولية ضد ذلك العسف والقهر فوجدنا ناشطات تصدين للمهام التحررية التنويرية.

ولم تخلُ أنشطة وطنية واجتماعية ومهنية كثيرة من نضالات معمدة بالتضحية، منذ منتصف القرن الماضي حتى يومنا. وكان لاتحاد الطلبة العام ومنظمات وجمعيات طلابية أخرى دورها في تبني نضالات (الطالبة) في إطار مهام التنوير بحركة التنمية في التعليم..

إلا أنَّ الأمور كانت متذبذبة صعوداً وهبوطاً بين منجزات ثورة تموز 58 ودور المرأة وبين ما جرى ويجري بعد 2003 من تردي في المسار.. وبينما كان بيت الشعر الزهاوي عن السفور ورفض حجاب العقل قد أخذ أبعاده الإيجابية في عقود من القرن العشرين، نجد أنّ فرض الحجاب قد عاد بصورة كلية بتقييدات وعقوبات ذكورية الخلفية ماضوية متخلفة النهج. إذ القضية ليست ديناً بحد ذاتها ولكنها تقييد (العقل الإنساني) بنير التخلف ومنطق الخرافة أكثر مما يُدعى كونه العفة؛ بل العفة يفتقدها المجتمع الذكوري إياه، وسط سوداوية أقمشة العتمة والسواد وظلاميات ما تتستر عليه والاكتفاء بالمظهر الفارغ على حساب الجوهر الممتلئ تجربة وخبرة وعلماً..

أما نون النسوة في التعليم فهي بتحصيل حاصل موجودة بظلال فلسفة موجَّهة ظلامياً حيث ما على البنت إلا تلقي بضع معلومات لا تغني ولا تسمن.. وإن تدرجت بمراحلها فإنها تأتيها مشوهة بثقافة مرضية تُعلي من دور الرجل\الذكر وتمنحه السلطة العليا المطلقة وهكذا فذاك المنهج ليس متخلفا في مضمونه العلمي حسب بل في قيمه ومنطق اشتغاله وتعبيره عن ثقافة مرضية ماضوية بليدة…

إنّ الشخصية الإنسانية (تحديداً المرأة هنا) وهي في عصر العلم والتقدم وغزو الفضاء استكشافا واستطلاعا ومحاولة تطويعه لخدمة البشرية تُحشى وتُملأ بمعلومات واهنة من ترهات القرون المنصرمة المنقضية. وأكثر كارثية تُرسم بقيود الاستعباد والإذلال.. فيجري استباحةُ إنسانية نون النسوة؛ إذ توضع بمكانة متدنية موجهة بنير العبودية وما تعنيه من تمييز ودونية ومهانة..

أما التلميذة المطالبة بخطاب سن التكليف وخرقته التي تتطوع نسوة ممسوخات ثقافيا لإهدائه مجاناً للتلميذات وإشغالهن به، فهي لا حول لها ولا قوة؛ إنها هي هي، سواء السبية التي فتحوا لها سوق نخاستهم بسلطة جناح ظلامي من إسلامويات إرهاب الناس أم تلك التي يزوجونها قسراً وقهراً بأعمار الطفولة في انتهاك صارخ لكل القيم والشرائع والقوانين..

إنهم يمررون كل تلك المنظومة القيمية ومعانيها بظلال ادعاءات لا صلة لها بدين ولا يمكن أن يكون من يرتكب جرائمها لا الممثل الحصري للإله ولا صلة له بالتعبير عن وصايا أو مواعظ الدين و\أو منظزمة القيم إلا من جهة التشويه والابتزاز..

اليوم، تنعدم حقوق الطلبة فما بالنا بالطالبات!؟ ولكن حتى عندما نرصد أجهزة التعليم، سنرصد الفارق النوعي في إعداد المعلمين وإعداد المعلمات وسنرصد نسبة الأساتذة في الجامعات ونسبة الإناث بينهم! وسنرصد بنية الهياكل الإدارية ومن يتصدى للمسؤولية.. إن كل ذلك مؤشر للفلسفة الذكورية للمجتمع حتى أن التدريسي يغطي المهمة وسط الطالبات ولا يجوز العكس المحظور قطعاً…!

أسئلة من نمط كم من الإناث بعمر التعليم يذهبن للمدرسة؟ وكم نسبة من يتسرب منهنّ؟ ستجيبنا بعض الأرقام المتسربة أنه في الريف لا تتجاوز النسبة العُشر أو حوالي 13% تقريبا ولا تزيد نسبة من يعرفن القراءة والكتابة عن ربع السكان ورقميا نسبتهن هي 23% فقط وإذا أردت التعرف إلى عدد المدارس فستجد هذا بسهولة الجواب من معرفة نسبة من يقرأ ويكتب من الذكور الذي يتجاوز الضعف بكثير.. وبينما اليوم ثلثا المنتسبين من الذكور نتعرف إلى حجم الكارثة أدق عندما نتعرف إلى حجم الأمر ذكورا وإناثا إذ أن المساواة بالنسب مؤخرا لم يأت من تقدم أوضاع الإناث بل من التدهور الشامل والخراب والدمار الذي لحق بالتعليم برمته..

إن ملايين الأميين تشكل بينهم نسبة نون النسوة الأكثرية ما يُضعف شخصيتهن بدرجة لا تنفع معها كوتة التشغيل بمناصب ومسؤوليات لا تستطيع المنسَّبات إلى تلك المهام إدارة بيوتهن ليدرنها كما البرلمان والحكومة ودوائر اشتغالهن الأخرى. وذلك يتم عن عمد وسبق إصرار ليتبعن لزعامات ذكورية النهج بخلاف لو أنهم منحوا الفرصة ديموقراطيا للعناصر الفاعلة الواعية الغنية والمتمسكة بنهج التنوير القادر على إحداث التغيير..

فما العمل لتغيير المشهد المرضي الموبوء؟

إن أول الأمور تكمن في تغيير المناهج وإزالة كل ما يثير التمييز بين الجنسين بأسس التخلف وفلسفته.. ويلزم عند إعداد المناهج مجددا أن تكون النسوة من قوى التنوير تحديدا هن المسؤولات عن مراجعة هذا الجانب بكامل الصلاحية لتأشير ما يلزم إزالته وتعويضه ببديل ثقافي يستجيب للمساواة ولأنسنة العلاقة بين الطرفين وإنهاء النظرة الدونية لا من الرجل للمرأة بل من المرأة إلى نفسها ايضا…

وثاني الأمور العناية بالوصول إلى حجم انتساب كلي 100% من الفتيات بعمر المدرسة للتعليم العام المنعتق من نزوات الذكورية وهمجية نهجها.. وهذا يعتمد على توفير المباني والأجهزة المناسبة وعلى توفير الكادر والمناهج المقررة الصحية الجديدة.. إن ذلك يتم عبر ضمانات الأمن والاستقرار ونشر التفتح المجتمعي في النظر إلى نون النسوة نظرة إيجابية قائمة العدل والمساواة وإزالة العقبات من قبيل التقاليد وما يثيره من يسمون أنفسهم رجال دين لا يملكون منه حتى الملابس المزيفة التي يوحون بأنها ملابس رجل دين…!

دعم الأنشطة اللاصفية سواء الرياضية أم الأدبية والفنية وتطوير الأداء والسماح بالانتظام في إطار اتحاد الطلبة العام واية جمعيات طلابية مهنية تحمل هموم الطالبات وتقدم المعالجات البنيوية المناسبة.. وهنا سنجد أن العلاقات الرديفة هي علاقات مدنية النهج والمنحى تقوم على أنشطة التنوير وليس تلك التي تدعي مجيئها باسم إله من تصنيع أوهام الدجالين المخرغين والمضللين ممن لا يعنيهم من الله سوى تجسيد الخطى التي تخدم مآربهم ومطامعهم…

إيجاد وسائل الدعم السايكوسوسيولوجي للطالبات من جهة وللمعلمات وإزالة أدوار ممثلات رجال الإسلام السياسي اصحاب القدسية المزيفة والعصمة المختلقة المتوهّمة فتلك المجموعة هي مجرد عناصر تسويق للمجون الأقذر في زمننا بحجج وذرائع من قبيل تنزيه من يمسها ذاك القذر الذي يسمي نفسه رجل دين باية فتوى جاء بها أو أسبغها على أفاعيله.. إن الصحيح يكمن في تحرير كل حركة التعليم من أي تدخل سافر لنفايات التخلف سواء بمظهر سياسي أم ديني فكلاهما من خطابات تشويه المجتمع ونزع الأنسنة مقابل فرض الاستعباد والحيونة وشهوانية داعرة لسلطة الدعوجية والأخوان وكل فروعهما المتسترة بالدين والمذهب…

نون النسوة في التعليم بالعراق ليس مجرد نسب مظلومة بأرقامها ومخرجاتها ولكنها تعبير عن ابتلاء المجتمع بخطاب العبودية سواء المعلن باسمه في اسواق نخاسة الدواعش أم المتستر بفتاوى وتبريرات مما تمارسه ميليشيات ماعش والمواعش..

وكل من يظن أن فرقا بين داعش وماعش يمكن أن يكون موجودا من حيث جوهريهما ليس واهما فحسب بل ومساهم في تكريس كل قاذورات الإسلام السياسي الذي ينتمي إلى أوهام ادعاءاته وهو جزء من التخريب الشامل ومن ثم تدمير التعليم ومهامه…

إن التعليم لن يصح له صحيح ما لم يتحرر من سطوة البلطجة الإسلاموية إذ صورة الإنسان مشوهة وأتعس منها صورة المرأة وعندما يمر هذا إلى المقررات والمناهج فليس من المرأة سوى جسدها سلعة جميلة كلعبة يلعب بها الرجل الطفل عابثا بكل شيء تراه رغائبه الذكورية كما غرائز حيوان فهل سنقبل بتلك المناهج وهي إهانة للرجل الإنسان مثلما للمرأة؟

إنّ مجرد اللفافة السوداء وتلك الخرقة البيضاء لسن التكليف ومجموع الخرق التي يفرضونها على أنها هي البداية وهي المنتهى! إن ذلكم ليس سوى نهج نحتاج للشجاعة كفاية كيما نقول له ومن وراء فرضه: كلا، لقد انتهى زمن ربط نيرك على أعناق الجميع وأولهم النساء تلميذاتُ مدرسة وتعليم أم شاباتُ عمل وبناء أو نسوةٌ بشرٌ يحركون الحياة ويلدونها صحية صحيحة…

يجب الانتفاض على التمترس خلف القدسية والعصمة وارتداء جلابيب النزاهة والتبجيل وليس من كل ذلك أي شيء يذكر عند من يدعيها وهو القادم من مواخير الأوبئة المتنافية والأخلاق حقا وحقيقة؛ الآتي من خلف الحدود بقصد التدمير والتخريب والاستغلال والاستعباد… ودرس التاريخ لا يكذب في هذي الإشارة …

فيوم دخلوا بغداد قبل ألف عام أحرقوا المكتبات والكتب وهدموا المستنصرية ومدارس العلم وبيوتها كافة وحجروا على النساء بجلابيب وأغطية وأردية مما لم تعرفه بغداد يوما ولا حتى قبل آلاف الأعوام والسنين وهم أنفسهم من دخل بغداد 2003 فأحرق المكتبة الوطنية وخرب كل معالم المنجز العقلي ودمر آلاف المدارس والجامعات ومراكز البحوث مستغلا الظروف المعقدة لذاك الدخول…

ما فرضوه من تعليم على الذكور عطل الأدمغة والعقول وأفضى لفلسفة ذكورية مرضية بنظام لا ينتمي للتعليم بحقيقته وجوهره بل إلى تخريب نمو العقل وتشويه منظومة القيم لوقف اي محاولة لأنسنة وجودنا، فاستعباد المرأة استعباد للمجتمع برمته..

إن فكرة تنويرية التعليم صحيح أنها يمكن أن نقصد منها تحرير المرأة ولكن أبعد من ذلك نحرر المجتمع ومنه الرجال من سطوة استغلال منطق الخرافة لهم ولبنية وجودهم الإنساني..

وهكذا فكلما انتصرنا لجوهر نون النسوة في التعليم سواء في المقررات أم منهجية الاشتغال والصياغة أم العلاقات وسلامتها أم في نسب تأنيث المدرسة وحجم وجود نون النسوة بما يتلاءم وحجم وجودهم مجتمعيا، استطعنا أن ننتصر للتنوير وللعقل الذي كُرَّم الإنسان به ولأنسنة وجودنا جميعا وانعتاقنا كليا من رجس النير رمز استعبادنا بتلك الفلسفة التي استضعفت المرأة ووضعتها بنظرة دونية موضعا سلبيا وكانها وعاء نفايات المتخلفين وحماقاتهم المتسترة بالفتاوى التي ما أنزلت ديانة بها من سلطان..

نلكم هي نون النسوة بأوليات معالجة يمكن أن نجد الأمثلة والنماذج لعشرات آلاف الحالات التي تقتضي التوقف تصحيحا وتقويما وتصويبا.. فهلا اتخذنا القرار في دواخلنا وغيَّرْنا ما فينا بأنفسنا؟ أم ستبقى أسس التشويه والتخريب هي الحاكمة فينا وفي تعليمنا ومخرجاته بما يكرس إقامة العبودية وسوق النخاسة بيننا؟؟؟

أتطلع لكل الدراسات التي تتبنى نداء إعادة تعديل ميزان الأنسنة ومنع التمييز واستشراف حركة تنوير في منظومة التعليم بكل مستوياتها…

 

لا تعليقات

اترك رد