لن يتّحد الكورد في غربي كوردستان


 

إن السنوات الثمانية من الأزمة أو الثورة السورية التي مرّت حتى الآن أثبتت أن المجلس الوطني الكوردي يفضّل الائتلاف السوري المعارض على حركة المجتمع الديمقراطي، فيما الأخيرة ففضّلت هيئة التنسيق الوطنية وتفضّل العشائر والتنظيمات العربية على المجلس الوطني الكوردي، إذ لا يوجد في الوسط الكوردي السوري أحزاب وليدة لأفكار سياسية واجتهادات تنظيمية تأخذ منهجاً قومياً أو وطنياً؛ فهي اعتادت على قالب كلاسيكي معيّن، بعّدت نفسها عن امتلاك برنامج أو مشروع قومي محدّد وواضح، كَمَسار لتحقيق الأهداف والطموحات المرجوة، من خلال النضال في الساحة الكوردية بسوريا.

لقد أثبتت هذه السنوات أن الأحزاب الكوردية التي فقدت بوصلتها الجماهيرية والقومية لن ينهضوا ولن يتوقفوا عن هذا التوالد السرطاني الكارثي بأكثر من مائة حزب صغير وكبير، غالبيتهم ولدوا من رحم بعضهم البعض، لصراعات شخصية أو أجندات إقليمية ودولية أو مداخلات أمنية محلية، يرفضون الإصلاح السياسي والذاتي وسماع نقد الشعب والمثقّفين، وتقديم مشروع كوردي حقيقي واقعي، فإلى الآن ولم يتجرّأ قيادي أو سكرتير الاستقالة من منصبه احتراماً لفاجعة حلّت بمدينة أو لموقف سياسي من حزبه، إلى الآن والكورد محرومون من رؤية سكرتير حزبي سابق، ما عدا حزب يكيتي الكوردي، الذي لديه سكرتارية سابقين ويناضلون في حزبهم بمناصب قيادية مختلفة.

كل التجارب وأحداث التاريخ، القديم والحديث – اتفاقات ومعاهدات، حروب تكتيكية وإستراتيجية – أثبتت أن الكورد هم أكثر القوميات العالمية انقساماً وسقوطاً، وذلك بفعل عاملين أساسيين، خارجي، يديره الدول العظمى من أمريكا وروسيا ودول أوروبية ومجلس الأمن الدولي ومنظمة الأمم المتحدة، الذين يرفضون ويحاربون الدولة الكوردية ويضعون العراقيل في سبيل عدم ولادتها، وعامل داخلي، مرتبط بالأحزاب والمجالس والمنظمات والقوات العسكرية الكوردية، الذين يُموّلون بعدّة طرق مختلفة، منها نظيفة ومنها مشبوهة.

لقد خسر الكورد فرصة تاريخية قد لن تتكرّر مثلها لبناء إقليم كوردي قومي خاصّ بهم، وعلى الناس والمجتمع والشعب أن يدركوا هذه الحقيقة المُرّة ويتقبّلوها ويعملوا على

الخروج منها بأقل الخسائر الممكنة، فهم خسروا في “سيفر ولوزان وسايكس – بيكو”، واليوم خسروا في “هولير ودهوك” ويخسرون في “جنيف وسوتشي”، والمصيبة الكبرى هو أنه في كل محفل دولي سياسي خاص بالأزمة السورية، الكورد يكونوا فيه منقسمين، قسم يؤيد ذاك المحفل وقسم يعارضه.

انشقّ من كل حزب حزبَين أو ثلاثة وأحياناً أربعة، كلها بهدف الانتقام الشخصي أو المنصب أو المال السياسي والاقتصادي، ولم يكن يوماً الانشقاق لخلاف فكري سياسي أو عقائدي متعلق بنوعية المشروع الذي يطرح لأجل تحقيق مطالب الشعب الكوردي ونُصرة قضيته، وبالتالي فإن الحزب الكوردي السوري الذي تأسّس عام 1957 والذي ناضل من خلاله آلاف الكورد، بات اليوم يتألف من مائة حزب أو أكثر، وكلها منتهية إما بكلمة “ديمقراطي أو تغيير أو كوردي أو كوردستاني”، دون أن يغيّروا من المعادلة السياسية الكوردستانية والإقليمية والدولية شيئاً.

لن يتّحد الكورد، طالما غالبيتهم يناضلون نظرياً ويحلّلون عاطفياً وينظّرون خيالياً ويكيلون الكيل بمكيالين وثلاثة تخويناً واتهاماً، إما على تويتر أو الفيس بوك أو اليوتيوب، أما البقية الباقية من تلك الغالبية فهم يوزّعون المناصب القيادية والنفوذ الحزبي في لجان فرعية أو منطقية أو مركزية أو سياسية، والوحيدون الذين يقاتلون بنُبل وشجاعة هم الشباب المقاتلون الذين يدافعون في الخنادق عن مدن قادتهم يعتبرون الكورد إرهابيين.

خسر الكورد أمام كل اللاعبين الفاعلين والمتحاربين في الجغرافية السورية، خسروا أمام تنظيم داعش يوم دمّر الأخير في حرب طاحنة عام 2014م نصف مدينة كوباني، وشرّد أكثر من (800) ألف شخص في الدول الإقليمية والأوروبية، خسروا أمام تركيا يوم احتلت مدينة عفرين، وبضوء أخضر سوري روسي أمريكي، خسروا أمام أمريكا التي تخلّت عنهم بتغريدة رئيسها دونالد ترامب على صفحته في موقع تويتر، فبات الكورد لقمة سائغة في يد تركيا وإيران وروسيا وفرنسا والنظام، خسروا أمام المعارضة السورية التي إلى الآن ترفض الاعتراف باللغة الكوردية كثاني لغة في سوريا، خسروا أمام النظام السوري الذي كالمعارضة رفض ويرفض الاعتراف بالكورد كثاني قومية في سوريا، وهنا سيتساءل القارئ: “ماذا ربحنا من هذه الحرب؟!”، إلا أن الجواب مرّ جدّاً، إذ لم يربحوا سوى أن انتصروا على أنفسهم أولاً، وثانياً كانوا في مقدمة الحروب والمعارك، ويا ليتها كانت في سبيل نيل الحقوق الكوردية والاعتراف بها!!

نحن مَن اتهمنا الجيش الحرّ بالخيانة في معركة سري كانيية في بدايات الثورة السورية، ونحن مَن اتهمنا الائتلاف السوري المعارض بالداعشية في حرب كوباني عام 2014 عندما أعطى شرعية لداعش في هجومه على المدينة، وروسيا في حرب عفرين يوم أعطت الضوء الأخضر للجيش التركي بالاجتياح والاحتلال، واليوم اعتبرنا انسحاب أمريكا من المناطق الكوردية في شرقي الفرات خيانة وطعنة في الظهر، في حين نحن أكثر الشعوب شراهة وشراسة في ممارسة الخيانة مع أنفسنا وشعبنا وقضيتنا ولغتنا وتاريخنا «أيستحق الكورد لأن يكونوا أصدقاء الجبل والحجل؟!».

إن النخبة المثقّفة والسياسية، التي كانت تناشد أصغر كوردي إلى أكبر كوردي، للتوحيد وترصيص الصفوف، وبناء قاعدة جماهيرية موحّدة، قادرة على مواجهة التحدّيات والمخطّطات، إلا أنها كلما ناشدت الكورد في أن يتّحدوا في الفكر والسياسة كلما عاكسهم المسؤولون وقادة الأحزاب في العناد والتفرقة، وكأنهم يريدون تطبيق مقولة “لا حياة لمَن تنادي” على الكورد، وبحذافيرها.

يبقى القول أن الشعب الكوردي لم يكن هو الشعب الوحيد الذي وزّعته القوى الاستعمارية الإقليمية والدولية توزيعاً سياسياً حسب أهواها ومصالحها الظرفية والمستقبلية في النصف الأول من القرن العشرين، إلا أن قرابة مائة مليون كوردي محروم اليوم من اللغة والثقافة وديانته الخاصة “الكورد مسلمون أم زردشتيون؟!”، وكل الظروف باتت ضدّ ولادة الدولة الكوردية.

المقال السابقهل انتصر محور المقاومة ؟
المقال التالىتمثلات التخصيب الايقاعي في مرسومات هندة لوليزي
شاعر وكاتب وصحفي سوري. من مواليد مدينة كوباني، ومقيم الآن في تركيا. عمل أستاذاً في اللغة العربية، في المدارس والمعاهد التعليمية الخاصة في المدينة. له نصوص شعرية، وقصص وخواطر أدبية، ومقالات سياسية وثقافية ورياضية نقدية، منشورة في الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية، منها كُردية وأخرى عربية. انت....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد