نحن والموت


 

( مهداة إلى روح أبي المرحوم عبد الكريم يوسف وعمي المرحوم علي أحمد عبود)

إذا كنت قد حصلت في حياتك على الرضا الداخلي فالموت رحلة غير مخيفة . تقول أليس ووكر: ” الحياة أفضل من الموت لأنها أقل مللا وفيها الكثير من التجديد . ” أنا شخصيا لا أوافق ووكر رأيها لأننا جربنا الحياة ولم نجرب الموت . عرفنا الحياة لكننا لم نعرف الموت بعد ونحن جميعا نعيش الحياة بواقعها حلوها ومرها لكننا بالتأكيد نعيش ما يقوله رجال الدين عن الموت وهم أنفسهم للأسف لا يعرفون عنه إلا ما كتبه أسلافهم عن الموت من توقعات .

الموت علامة استفهام كبيرة ولغز محير لا يفك رموزه الأحياء . يدرك الإنسان حياته مع بداية الوعي والإدراك ويدرك في ذات الوقت أنه قد يموت في أي لحظة . ورغم أن العلم يحاول أن يضع ضوابط وأصول وقواعد للحياة والموت إلا أنه عجز عن ضبط الموت وبقي سبب انتهاء الحياة مجهولا . وأحيانا نسأل أنفسنا أسئلة كثيرة يأتي في مقدمتها ما معنى الحياة وما غاية الوجود ؟

الموت هو المحطة الأخيرة التي يتوقف فيها القلب والدماغ عن العمل ونرحل . هناك من ينظر إلى الموت على أنه نقطة تحول في حياة الإنسان . تربط الأديان التوحيدية وغير التوحيدية النجاح بالحياة الدنيا بالفوز في الحياة الآخرة ولهذا السبب يبقى لدى الكثير من الناس فضول لا ينتهي لمعرفة لغز الموت وما يحدث بعده في العالم الآخر .

يقول سومرست موم شيئا جميلا في هذا السياق : ” الموت شيء كئيب وموحش ولا يمكن للإنسان أن يفعل شيئا حياله .”
أنا أسف جدا يا أحبتي ! لا أستطيع العودة من هذه الرحلة .

يعرف الموت من الناحية الطبية بأنه توقف جميع آليات ووظائف الحياة في الجسم كأن يتوقف الدماغ والقلب ونشاطات الجسد الأخرى العليا والدنيا عن العمل.

وبكلمات أخرى ، يحدث الموت عندما يتوقف القلب عن الخفقان وعندما يتوقف التنفس ووظائف الدماغ العليا .

هناك مسائل قانونية تخص الموت مثل الموت السريري حيث يتوقف الدماغ عن العمل بينما يبقى القلب يخفق . تتوقف الوظائف العليا عن العمل وتستمر الوظائف الدنيا بالعمل.

يقول الفيلسوف أبقراط في هذا السياق : ” من الممكن أن نقدم ضمانات وحصانات ضد جميع الأمراض . أما الموت فلا نستطيع أن نمنعه لأننا ، نحن البشر ، نعيش تجاهه في مدينة مكشوفة بلا أسوار . ”

هناك طرق عديدة لتقول وداعا …
تختلف طرق وداع المتوفى من ثقافة إلى أخرى ، وتلعب العادات والتقاليد دورا هاما في الوداع . هناك طرق وطقوس تقوم بها المجتمعات لتعبر فيها عن احترام المتوفى وتعتمد أعرافا وتقاليد جنائزية محددة . كل الحضارات التي شهدتها الكرة الأرضية تحترم الميت ولا ترميه على قارعة الطريق تأكله الكلاب الضالة والحيوانات المفترسة . يقول يوغي بيرا : ” على الإنسان أن يشارك في الطقوس الجنائزية وإلا لن يجد من يشاركه جنازته. ”

الجنازات تخص الأحياء لا الأموات . وهي طريقة مثالية للتعبير عن الوداع. ويتبع معظم الناس تقاليد المجتمعات وطقوسهم المقدسة في الدفن حيث يذكرون محاسن المتوفى وخصاله الحميدة . وقد كان إنسان النيدرتال (50000-60000 سنة قبل الميلاد) يحتفي بالأموات بطريقة جميلة حيث كانت الأجساد تزين بقرون الحيوانات والأزهار الملونة .

الجنازة تؤكد حقيقة ونهاية الإنسان المتوفى وتمنح الأحياء الفرصة للتعبير عن الحزن والألم والوحدة والأسى والتعاضد مع باقي أفراد العائلة وربما يجتمعون في الجنازة للمرة الأولى أو الأخيرة في حياتهم .

تقدم الجنازة فرصة نادرة للعائلة والأصدقاء للتعبير عن مشاعرهم ودعمهم العاطفي ويقومون بالوعظ الديني للتعبير عما يجول في خاطرهم وقلوبهم من شجون وآلام .

لقد عاش الإنسان الأول في عالم من الخوف، وسعى بكل ما يمتلك من قوة وطاقة للتصالح مع الموت فاخترع الطقوس الدينية ليهدئ من شراسة القوى الخفية . وعندما نتفحص طقوس الدفن القديمة نجدها غريبة ومريبة وغير مفهومة وأحيانا نعتقد أنها نشأت بلا سبب وهذه الفرضية ثبت أنها غير دقيقة . فقد كانت الطقوس

الجنائزية محاولة أولى للإنسان ليحمي الأحياء من قوى وأرواح غيبية سببت الموت لإنسان عزيز . وهناك قبائل بدائية كانت تطلق السهام والرماح والنبال في الهواء وتصرخ أحيانا بصوت عال وتأكل الأعشاب المرّة لكي تبعد الموت عن الأحياء.

التقاليد وما أدراك ما التقاليد !
كان المتوفى لدى اليونان القديمة واليهودية والرومان يغسلون الموتى بالماء الفاتر وأحيانا بزيت الزيتون . وكانت النساء هي من يقوم بغسل الموتى وكان الرومان والإغريق يميلون إلى تزيين جسد الميت أما اليهودية فلا تميل إلى التزيين وإنما يلف الجسد بكفن أبيض ثم يوضع في تابوت مصنوع من خشب الصنوبر ويدفن . وكانت هذه الثقافات الثلاث تعتبر تقليد دفن الميت من الطقوس المقدسة ، فقد كان الرومان يحضرون جسد المتوفى بإغلاق عينيه ووضع قطعة من النقود في فمه لضمان الأجرة عند الانتقال عبر نهر الآخرة . وكان هذا يعتمد على الطبقة الاجتماعية ومستوى الثروة التي يمتلكها المتوفى وعدد أفراد العائلة والعبيد حيث يقومون بغسل الجسد بالماء الفاتر لعدة أيام ثم يمسح الجسد بزيت الزيتون والعطور. وفي القرن الرابع قبل الميلاد صارت طقوس الدفن أكثر شيوعا وصارت الجنازات تقام في الليل لتجنب الازدحام غير المرغوب فيه .

وفي أوروبا العصور الوسيطة ، كان من النادر إجراء التحنيط للأجساد رغم أن طلاب الطب كانوا يحتاجون الأجساد في أعمال التشريح لكي تبقى مدة أطول من الزمن .

أساتذة التشريح المرضي عبر التاريخ القديم :
لقد حاول الإنسان عبر التاريخ أن يحافظ على أجساد الموتى لأسباب مختلفة منه الحب والشغف والعلاقة العاطفية والعلاقة العائلية ومن أبرز أساتذة التشريح الذين حاولوا الحفاظ على الجسد سليما معافى أطول فترة من الزمن يمكن أن نذكر ما يلي:

ليوناردو دافنتشي (1452-1519م) : لقد قدم ليوناردو دافنتشي مئات الرسوم التشريحية للأجساد وأظهر توضع الأوردة والشرايين وطرق حقن المواد التي تحفظ الجسد من التلف وكانت هذه المحاولة هي الأولى في عالم التحنيط الحديث.
فريدريك ريش ( 1638-1731م): يعد هذا الرجل الأب الأول للتحنيط فهو أول من اخترع التحنيط عن طريق حقن مواد حافظة في الأوردة والشرايين .
الدكتور وليم هنتر ( 1718-1783م): كان الدكتور هنتر أول من تبني علميا أسلوب حقن الأوردة بالمواد الحافظة للأجساد ومنعها من التلف.
جان جانال (1791-1882م ): وهو صيدلي سابق . كان أول من قدم علم التحنيط للمجتمع الفرنسي.
الدكتور هولمز (1828 -1900م ) : يعد الدكتور هولمز أب التحنيط الحديث وأول من أسس أسلوب التحنيط باستخدام المحاليل الكيماوية .

الموت على الطريقة الأمريكية :
الدكتور هولمز الذي ينحدر من عائلة من مدينة نيويورك والذي كان يعمل ضابطا في القوات الطبية الأمريكية استطاع أن يحنط /4000/جثمان للجنود أيام الحرب الأهلية الأمريكية وقد أثنى عليه الرئيس لنكولن لأنه مكن أهل الموتى من رؤية أبنائهم الجنود وأقربائهم وإجراء تقاليد الدفن المعتمدة بعد مدة طويلة من الموت .

في ذلك الوقت كان التحنيط نادرا في القانون الفيدرالي الأمريكي . ثم طور الدكتور هولمز عمله فأسس شركة لتحنيط الموتى حيث كان التحنيط يكلف مبلغ مئة دولار أمريكي فقط وعندما انتهت الحرب قلّ عدد الموتى وقلّ عدد المحنطين ولجأ الناس لاستخدام الثلج في الحفاظ على أجساد موتاهم .

من فضلكم ! أحرقوا زوجتي معي..
في بعض الثقافات يعد الانتحار تقليدا جنائزيا . ففي اليابان القديمة كان العبيد يقدمون على الانتحار حدادا على سيدهم المتوفى أما في جزيرة فيجي فقد كانت الزوجة والعبيد والأصدقاء يُخنقونَ حتى الموت ليلتحقوا بصديقهم المتوفى. ينظر الغرب بتوجس للهنود وعاداتهم في حرق زوجاتهم . وفي بعض الثقافات ترتدي الزوجة أجمل ما تملك و تتمدد بجانب زوجها المتوفى في حين يقوم الابن الأكبر بحرقهما معا وارسالهما إلى الجنة .

للنار رباط وثيق بالموت . فقد كانت القبائل الأولى البدائية تحرق أجساد الموتى لتدمر الأرواح الشريرة التي تسكنها . وكانت قبائل الزولو تقيم مسيرات الحرب للأموات على مدى أيام متواصلة لإبعاد الأرواح الشريرة وهناك قبائل أخرى تحيط جسد المتوفى بدائرة من النار لمنع أرواح الموتى من الانتقال إلى الأحياء . أما عند زرادشت وأتباعه فيتم تقديس النار لهذا السبب كان الزرادشتيون يميلون إلى وضع المتوفى في مكان مرتفع لتأكله الصقور والنسور . وكانوا يعتبرون أن النار عنصر

سامِ وبالتالي لا يجوز استخدامها في أمر وضيع مثل حرق الموتى وكانوا يعتقدون أن حرق أجساد الموتى إهانة كبيرة لأمهم الأرض .

الموسوليوم نقطة تحول..
يذكر التاريخ أن الموسوليوم مشتق من موسولوس ملك كاريا ( حاليا تسمى انطاليا في تركيا ) . يعتبر الموسوليوم إحدى عجائب الدنيا السبع القديمة . وقد بُني كمدفن للملك عند وفاته . وعندما توفي الملك موسولوس في عام 353 ق م تم حرق جثمانه. كان التقليد يجري بأن تحرق الملكة إلى جانبه حية . لكن الملكة أرتميسا خالفت الأعراف والتقاليد في حرق الزوجة إلى جانب زوجها وبدلا من ذلك مزجت رماد بقاياه المحترقة بالخمر وشربتها عن بكرة أبيها .وقد اعتبر هذا العمل من الطفرات الكونية .

التمييز العنصري بعد الموت..
بعض الثقافات تميل نحو الأفضل في التعامل مع الموتى وبعضها الآخر كان يميل نحو الأسوأ. كانت الكثير من الثقافات تميز بين الرجال والنساء في مراسم الدفن . على سبيل المثال ، كانت النساء لدى الكوشيين تدفن في الأرض أما الرجال فيعلقون على الأشجار ، ولدى الغونديين كانت المرأة تدفن في الأرض أما الرجال فيحرقون. البونغاس كانوا يدفنون الرجال ووجوههم متجهة نحو الشمال أما النساء فكانت تدفن ووجوههن نحو الجنوب . فهل سمعتم من قبل بقبائل الكوشيين والغونديين والبونغاس ؟

لقد ورثنا العديد من التقاليد والمراسم الجنائزية من أجدادنا القدماء . ومن التقاليد الموروثة تقاليد إعداد الكفن . وكان الناس في المجتمعات القديمة يعتقدون أن المشاركة بالجنازات ووداع المتوفى تبعد عنهم أرواح الموت وكانوا يرتدون الأقنعة على وجوههم أثناء مراسم التشييع والدفن وكانوا يعتقدون أن ارتداء الأقنعة يمكن أن يخدع أرواح الموت ويبعدها عن الأحياء . كانت هذه مجمل الأعراف والتقاليد الوثنية في ذلك الوقت .

وفي بعض الثقافات ، كان الناس يعتقدون أن الوجه هو مصدر الحياة وعنوانها . يوجد في الوجه الفم الذي يأكل بواسطته الإنسان والأنف الذي يتنفس منه والعينان الذي يرى بهما الكون . وكانوا يعتقدون أن أرواح الحياة تدخل وتخرج من هذه الأماكن . وعندما يمرض أحدهم مرضا شديدا كانوا يغلقون فمه وأنفه بملاقط قوية حتى لا تخرج أرواح الحياة من الأنف والفم وكانت هذه الطريقة سببا مباشرا لموت العديد من الناس .

عندما نعيش الحياة من جديد…
أقام الإنسان الولائم في المراسم الجنائزية تأكيدا على استمرارية الحياة . ثم بدأ يزور القبور في الصباح الباكر لمدة ثلاثة أيام اعتقادا منه أن المتوفى قد يعود للحياة من جديد . أما عادة إشعال الشموع فهي اعتقاد قديم يرمز إلى حماية أرواح الأحياء من أرواح الموت . ونشأت فيما بعد عادة قرع الأجراس في العصور الوسيطة اعتقادا من الناس أن صوت الأجراس يخيف أرواح الموت من الاقتراب من أرواح الأحياء .

وفي المراسم الجنائزية العسكرية ، هناك تقليد إطلاق النار في الهواء وخاصة في جنازات الأبطال . بدأ هذا التقليد لدى الشعوب القديمة تحية للبطل المتوفى حيث كانوا يطلقون الرماح والسهام في الجو لمطاردة أشباح الموت وإبعادها عن المكان . وعندما حلت الأسلحة النارية محل الأسلحة التقليدية القديمة بقيت العادة مستمرة إلى يومنا هذا .

وهناك من يضع التاج على رأس المتوفى حتى لا تنتقل روح الميت بعيدا وحتى لا تدخل في أجساد الأحياء . كان التاج الذي يوضع على رأس المتوفى قيدا لروحه يمنعها من الخروج .

أما عادة رش الورود والرز على الأموات فسؤال لم يعرف المفكرون والباحثون متى بدأ وكيف نشأ .

المومياء العزيزة ..
كتب المؤرخ كاسيوس أن المصريين القدماء طوروا التحنيط لحل مشكلة فيضان النيل المنتظم في المواسم والذي يخرب أضرحة الموتى . وقد كان المحنطون من رجال الدين وكان سبب نجاحهم في التحنيط هو المناخ الحار والجاف لمصر حيث كانت الجثث تتحلل بسبب نشاط البكتريا والحرارة الزائدة حيث تنتعش البكتريا وتنمو في هذا الوسط .

لقد مارس المصريون التحنيط مستخدمين ثلاث طرق أساسية تعتمد على أساس الغنى والثروة والمركز , وكانت أعمال التحنيط تجري في مدينة الموتى . كانت مدينة الموتى مكانا مغلقا ومسوّرا بجوار حوسب. ويتم التحنيط داخل الجدران على أيدي محنطين مهرة وصناع أكفان وفنانين وصناع قبور .

لماذا اعتاد الناس على التحنيط ؟
كان الهدف الرئيسي من التحنيط هو منع انتشار العدوى والفيروسات الناجمة عن تحلل الجثث وتفككها وكان العديد من الفيروسات يموت مع الجثة لكن بعضها يبقى لمدة طويلة في الخلايا ، وفي حال لمس أي شخص تراب قبر الميت المتحلل كان يصاب بالعدوى وكان الذباب والدود والهوام الأخرى أحد أسباب نشر الأمراض بين البشر .

كان التحنيط نوعا من الحماية من الأمراض وكانت الأجساد غير المحنطة مصدر إزعاج للكثير من الناس .

للتحنيط مزية أخرى هامة وهي حفظ الأجساد من التحلل وهذه القضية لها أبعادها النفسية المختلفة لدى الأحبة والأصدقاء والأقرباء حيث كانوا يرغبون دائما في النظر للميت خلال فترات من الزمن وهو في حال من السكون والسلام الداخلي .

يمنع التحنيط الجسد من التحلل عن طريق تثبيت بروتينات الخلايا . تقتل السوائل التي تستخدم في التحنيط البكتريا والجراثيم وتحولها إلى خلايا حافظة وأنواع أخرى من المواد الهلامية ( الجل) وبالتالي تمنع البكتريا من مهاجمة الجسد للأبد .

هناك أشياء أخرى يجب أن تعرفها ..
كلما ازدادت مهارات المحنطين وكفاءتهم قلّ الاندفاع نحو الدفن وازداد الوقت المتاح أمام المعزين وأصحاب الجنازة لإكمال ترتيبات مراسم الدفن . وفي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ازداد عدد الشركات التي تصنع محاليل التحنيط وكثرت الدراسات وورشات العمل وحلقات البحث حول المنتجات المختلفة التي تقدمها هذه الشركات وصار التحنيط نوعا من العمل. الطريف في الأمر أنه صار كل من يحضر دورة تدريبية بسيطة ويشتري قليلا من محلول زيت الأفاعي محنطا مؤهلا للقيام بالعمل .

أسباب الوفيات في القرن الحادي والعشرين ..
يمكن أن نلخص الأسباب الرئيسية للوفيات في القرن الحادي والعشرين بما يلي :
* الأمراض القلبية
* السرطان
* الجلطة بأنواعها
* الأمراض التنفسية
* الحوادث الطارئة
* الأوبئة
* مرض الزهايمر
* الزكام والأنفلونزا بأنواعها
* أمراض الكلية
* تسمم الدم .

الموت من الضحك …
لا تضحك كثيرا فقد تموت من الضحك ، وقد تموت من متلازمة النهاية العظمية الضاحكة . وفق كتاب القوائم للفيلسوف الإغريقي كريسبوس الذي عاش في القرن الثالث قبل الميلاد أنه توفي أحدهم وهو يراقب حمارا يأكل التين . أما الفيلسوف الإغريقي فيلمون ( 236-263 ق م ) فقد توفي من الضحك على أحد النكت التي قالها .

وتشير كتب السياسة إلى أن السير توماس الكواهمارت (1611-1660 م ) وهو كاتب اسكتلندي وقد توفي من الضحك عندما علم أن تشارلز الثاني قد استعاد العرش . أما الطبيب الدنمركي أولي بنتزين فقد ضحك حتى مات أثناء مشاهدته فيلما بعنوان ” السمكة واندي ” .

الموت عملي ..
هناك حوالي 22000 جنازة في الولايات المتحدة يوميا يعتني بها حوالي 110 آلاف عامل . ويولد هذا العمل حوالي /11/ مليار دولار سنويا وهذا يعني أن الموت جزء هام من الحياة الاقتصادية الأمريكية وفق إحصائيات الرابطة الوطنية لمدراء مراسم الدفن وإعداد الجنازات . تكلف الجنازة الواحدة في الولايات المتحدة على سبيل المثال لا الحصر حوالي 6500 دولار أمريكي بما في ذلك ثمن النعش ، وقد يرتفع المبلغ ليصل إلى 10 آلاف دولار إذا شملت الجنازة مراسم الوداع والتعزية والدفن والإعلانات والنفقات المكتبية الأخرى . ولا تدخل تكاليف مكان الدفن في هذه التكاليف . وهذا يفسر سبب ارتفاع حالات حرق الأجساد بعد عام 2000م حيث ارتفعت أسعار العقارات والأراضي وأماكن الدفن كثيرا في عموم الولايات المتحدة حيث ارتفع معدل حرق الجثث إلى ما يفوق 38% من عدد الموتى بدءا من عام 2014 .

تعد الجنازات اليابانية هي الأغلى في العالم لأنها تكلف حوالي 30 ألف دولار والسبب يعود إلى قلة عدد المدافن في البلاد وخاصة في المدن الكبيرة سيما وأن اليابان تعد من الجزر الأكثر كثافة بالسكان ومن المستحلات السبع أن تحصل على قبر في مدينة طوكيو مثلا لأن الثمن يتضاعف عدة مرات .

أنا لست غولَ موتٍ …أنا مهتم بالأمر فقط ..
هناك الكثير من الدراسات التي تهتم بالموت وتاريخه والجنازات وطرق التحضير لها وتقاليد الدفن ونوع القبر وشكله ونوع الشاهدة وشكل الضريح من الخارج والداخل وأساليب الزخرفة وأماكن القبور ومواقعها . وهناك جمعيات أهلية ومنظمات تهتم بالأمر وتحتفظ بملفات وصور و كاتلوغات لعرضها على أهل المتوفى لاختيار ما يناسبهم .

لم يعد هناك متسع للموتى ..
هناك قلق عالمي من ضيق المساحة المخصصة للأموات وتناقصها سنويا ويعود السبب في ذلك إلى ضيق المساحات العقارية وزيادة عدد السكان وطول العمر وارتفاع الأسعار وسوء التخطيط. ولهذا السبب هناك ميل عالمي لحرق جثث الموتى ووضع البقايا في علبه صغيرة وتسليمها لأهل المتوفى . تقدر رابطة حرق جثث الموتى في الولايات المتحدة الأمريكية أن يزيد عدد الموتى التي تحرق أجسادهم في عام 2025 م إلى النصف تماما . وهذه النسبة قليلة في الولايات المتحدة إذا ما قارناها بمثيلاتها في اليابان حيث تصل النسبة إلى حوالي 98% من عدد الموتى . ورغم كل الصعوبات ، يبدو أن مستقبل صناعة الموت واعدة عالميا حيث تهتم الشركات المتخصصة بهذه الصناعة في إيجاد الحلول التي تناسب دخل أهل المتوفى .

أشهر المقابر ..
تأتي عبارة المدفن من الكلمة الإغريقية التي تعني مكان النوم . ويمكن أن نذكر أشهر المدافن في التاريخ الإنساني وفقا لما يلي :
* مدفن جبل الزيتون في القدس الشريف وهو أقدم مدفن في تاريخ البشرية ناحية الحجم وعدد المدفونين فيه .
* مدفن وادي السلام في النجف الأشرف جنوب بغداد حيث يقال بأنه أكبر مدفن في العالم حيث يحتوي حوالي /5/ مليون ضريح ويحاول معظم الشيعة في العالم دفن موتاهم في هذه الحديقة المقدسة المجاورة لضريح ومسجد الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وهو من أقدس الأماكن لدى الشيعة والمسلمين عموما.
* مقبرة أولسدروف في هامبورغ في ألمانيا وهي الأضخم على الإطلاق وتبلغ مساحتها حوالي مئة ألف فدان وتحتوي حوالي مليون ضريح وحوالي نصف مليون محرقة وفق إحصائيات عام 1996
* مقبرة زينترال فريدهوف في مدينة فيينا التي تحتوي حوالي 2.5 مليون ضريح .
* مقبرة بروك مود في لندن تحتل مساحة 2000 فدان وتحتوي حوالي ربع مليون ضريح .
* مقبرة أرلنغتون الوطنية تحتل مساحة 200 فدان وتضم قبور حوالي 300 ألف جندي أمريكي من الأبطال المكرمين وطنيا .
* مقبرة كاليفورنيا تحتل مساحة 1400 فدان وهي من المنتزهات الوطنية الفريدة وتقع وسط غابة ومروج خضراء .

الموت انتحارا ..
تحرم الأديان الانتحار وتعتبره جريمة وخطيئة كبيرة بحق النفس البشرية . ورغم ذلك يكثر الانتحار في الكثير من دول العالم المختلفة وتعود أسباب الانتحار إلى خلل دماغي أو حالات نفسية أو اضطرابات سلوكية قد يتعرض لها الفرد نتيجة ظروف الحياة القاسية. المؤسف أن عدد حالات الانتحار تفوق عدد حالات الجرائم وتشير الإحصاءات إلى أن نسبة الانتحار المسجلة عالميا تتراوح بين 850 ألف إلى مليون حالة انتحار سنويا . ومعدل حالات الانتحار بين النساء أكبر منها عند الرجال. ينتحر الرجال في العادة بالأسلحة النارية أما النساء فتنتحر باستخدام الجرعات الزائدة . ومن حسن الحظ أن معظم حالات الانتحار بالجرعات الزائدة تبوء بالفشل .

هل يمكنك أن تختار أن تموت وكيف تموت ؟
الموت في الولايات المتحدة مسألة شائكة وموضع نقاش عميق . والسبب الرئيسي لاختيار الموت في العالم هو الشعور بالإحباط لدى الناس . وهناك أمراض غير قابلة للشفاء ويعاني أصحابها الكثير من الألم والظروف السيئة والأعباء ولهذا السبب يتمنون الموت ويطلبونه . وهذا ما وضع الخبراء أمام أسئلة قانونية وأخلاقية إذ أن القانون يحتم على الطبيب أن يحافظ على حياة المريض أطول مدة ممكنة بغض النظر عن الأمنيات والرغبة في الموت والحصول على الراحة أو ما نسميه حاليا ” الموت الرحيم ” .

في المجتمعات الغربية التي تقودها المؤسسات الدينية لا يسمح بالموت الرحيم ويتركون مسألة الحياة أو الموت بيد الله سبحانه ويرفضون تدخل البشر في إنهاء الحياة رفضا قاطعا .

وفي بعض المجتمعات الأخرى مثل هولندا يسمح بالموت الرحيم والانتحار بمساعدة الطبيب . أما في الولايات المتحدة على سبيل المثال فهناك جدل كبير بشأن الموت الرحيم لم يحسم بعد .

وفي العالم الإسلامي ، لا يسمح أبدا بالموت الرحيم مهما كانت الظروف التي يمر بها المريض وفي حال ثبوته يعتبر جريمة يعاقب عليها القانون .

الحياة والموت محطتان هامتان في حياة الإنسان ومتى بدأت الأولى علينا أن ننتظر الثانية . أليس كذلك ؟

بقلم محمد عبد الكريم يوسف
مراجعة سوسن علي عبود

المراجع
دائرة المعارف البريطانية ، 2016
دائرة المعارف الأمريكية 2017
كتاب العالم 2015
دائرة المعارف السوفيتية ، 1985

لا تعليقات

اترك رد