تنوعات الفروع التشكيلية لدى الفنان علي الطائي


 

عندما تتنوع الفروع التشكيلية لدى الفنان..تتكامل الرؤى بأبعادها المتنوعة برغم الإختلاف في صيغ تنفيذها من مواد وأبعاد أشكال بنيتها التكوينية والإنشائية. وبما أن الفنان التشكيلي علي الطائي تسود مواهبه المبكرة منذ الصغر تطبيقات واندفاع ورغبة وإستمرار دائم في تجسيد تلك الأعمال المنجزة في مجال الرسم والنحت والخزف والخط العربي. وكما هو معروف تلك الفروع تجمعها مشتركات أساسية في البنية التكوينية من عناصر وأسس الفن التشكيلي، حيث تجمعها الخطوط والمساحات والملمس والشكل والأرضية والألوان، تتحرك تلك العناصر بفعالية وقوانين أسسها العلمية من تنوع الإيقاع والتوازنات والوحدة والحركة والشكل السائد والثانوي من جراء أبعادها المنظورية.

أقول برغم هذه المشتركات الأساسية إلا إن صيغ التطبيق يتناسب مع نوع الخامات وبنية تأسيسها الإبداعي، حيث تتوافر للنحت خاماتها الخاصة المتعددة من الطين والحجر والبرونز والنحاس..إلخ تلك الخامات تحتاج إلى مهارة وخبرة خاصة قد يقترب منها فرع الخزف. ولكن للرسم مجاله المختلف. وبما أن الفنان علي الطائي يستخدم مفردات خطية فإنها تحتاج إلى مسارات مبنية على قواعد هندسية يقوم بتطبيقها بمهارة عالية بحيث تتكيف مع منطق أدائها التجريدي الحداثي ومضمون ثيماتها الفكرية. وبرغم إتباع الفنان علي الطائي مجال حديث غير كلاسيكي، إلا أنه لا يميل إلى التجريد المبسط الذي يجمع متجاورات من الألوان بشكل عشوائي مبسط بمبررات الحداثة.

وإنما ما يسلكه الفنان علي الطائي تطبيق مفردات ذات مضامين هادفة تعكس الأحداث التي راودت أجيال متعاقبة وخاصة أحداث الثمانينيات من حروب واعدامات وحوادث كثيرة وما تلاها من بؤس ومصائب ذليلة للبشر من حصار امده 13 عام، ثم تليها أحداث داعش وصراعات متنوعة. انعكس ذلك على العراق عموماً وعلى مدينته ديالى – بعقوبة، التي تشكل المحيط المباشر له بما يشبه جدران وسقف وأرض بيت السكن. أي بمعنى آخر ان أعماله التجريدية التعبيرية ليست ضمن مساحات لونية متجاورة فارغة وإنما تتقسم إلى أجزاء مكثفة من التكوينات الهادفة، ومن ضمن هذه الأنعكاسات الوجدانية والفكرية التي جسدها عملياً في معرضه الرابع عشر في وزارة الثقافة دائرة الفنون بعنوان ألوان المدينة.

تشكل هذه الأعمال وجه منوع للمدينة في جوانب محيطها البيئي وملامحها الطبيعية من أزقة وانهر وشناشيل بصيغة واقعية تعبيرية معاصرة. إنها إنعكاس لمشاعر وحنين تواق إلى المحيط بصيغة جمالية تريح النفس برغم تعرض أوضاعها إلى أحداث صاخبة، ذلك الحنين يمتلكه عامة الفنانين والأدباء والمفكرين، فعلى صعيد الفن التشكيلي تتوافق مع ما أتبعه الفنان الرائد نوري الراوي نحو مدينته راوة، برغم معيشته الطويلة في بغداد، تجسد ذلك لديه أيضاً بأسلوب خاص يجمع بين الإنطباعية والسريالية وبطريقة حديثة. وبما يمتاز به نوري الراوي من تكنيك خاص، فإن الفنان علي الطائي يمتلك قدرة متميزة فى الأداء اللوني بجمالية.. تستوقف المتأمل وقتاً في التمتع والتذوق النفسي.

بنية التكوينات :
بعد أن تطرقنا إلى ما يمتلكه الفنان علي الطائي من تنوعات الفروع التشكيلية فإن تلك الأنواع تبدو واضحة في شكلانية البنية التكوينية الإنشائية للمفردات، حيث نجد الأشكال في الرسوم أشبه بأبعاد المنحوتات الناتئة ومتكونة من أجزاء متجاورة ومتداخلة طولانية وأفقية وبالوان منسجمة، تسرح تلك الكتل في مساحات فضائية تتنفس من خلالها الأحجام التكوينية الشكلية لها. ومن ضمن تلك المفردات هي الحروف الخطية التي تتضمن مفاهيم عديدة. ومن أولى تلك المفاهيم هي ارتباطها بعقائد دينية روحية صادقة. حيث نجد كلمة الله تعلو فوق المفردات الصغيرة وتصبح النقطة المركزية للعمل الفني. يتم ذلك في طبيعة التقنية الأدائية وشكلها اللوني وحجم وموقع وجود الكلمة. ومن خلال إطلاعي ومتابعتي لطبيعة شخصيته في الإتجاه الوجداني والعقائـدي فإنه يميل نحو التزاماته التطبيقية للمستلزمات الدينية التي تريح النفس وتحل العقبات وترفع المكانة بين الذات وبين الآخرين من المقربين إلى محيطه الإجتماعي.

وبشكل عام تصل أبعاد المضامين للعمل الفني إلى الآخرين من خلال التوافق اللوني في الإنسجام الناجم عن الخبرة السابقة وكذلك حرفية الأداء التقني برغم إختصار التفاصيل الأكاديمية الكلاسيكية، ويستطيع المشاهد أن يكمل أبعادها الثلاثية من خلال ما تطرقنا إليه من الإنسجام والتوافق. يتم ذلك التجسيد بمهارة في مصادره الفلكلورية والتراثية والابنية ومايحيطها من أشكال حالية من أزقة وبيوت وقبب ومساجد وأسواق وما تمتلكه من طقوس واعراف اجتماعية متكررة تتداخل معها حيوية الذات والوجدان والتقاليد الذي اعتدنا عليه جميعاً. وفي الوقت ذاته فإن التجسيد التعبيري للأشكال لا ينفصل عن أحداث التخريب والدمار والتشويش إلى البيوت والجدران وما ينعكس ذلك على طبيعة البشر عبر مراحله السابقة والحالية.

ولكن بشكل عام يحاول الفنان علي الطائي ان يتجاوز تلك المصائب في الرؤى والأحلام نحو الأفضل بطريقة جمالية الأشكال اللونية والأداء المهاري المرتبط بادائه الأكاديمي السابق. أما فيما يخص أعماله المنفذة بالألوان المائية ومنها في معرضه السابع عشر في قاعة شناشيل تسمو عليها صفة الشفافية وجمالية الأتقان الواقعي السحري الذي يحول باثات المصادر من الطبيعة التي تحيطه إلى نمط من الحيوية والتمعن والانجذاب..حقيقة إنها تحمل صفات ممتعة تريح النفس والشعور والإسترخاء والتأمل. وكما هو معروف ان الطريقة في تطبيق الألوان المائية على الورق تحتاج إلى خبرة واسعة تتجاوز الأنتظار نحو التصحيح والالغاء والتغيير والتبدلات في مراحل العمل كما هو في الألوان الزيتية بل حتى ألوان الكريليك التي تطبق على الورق أحياناً فإنها تتقبل التصليح والتغيير كما يحصل في الألوان الزيتية.

أما ما يتم تنفيذه من قبل ألفنان علي الطائي ضمن نطاق المنطق المائي فإنها توحي إلى القدرات الناجمة من مخاض المعايشة التجريبية عبر مراحل سنواته الإنجازية. وبإختصار الفنان علي الطائي ولد في بعقوبة عام 1949م.

تخرج في معهد الفنون الجميلة عام 1969. وهو رائد من رواد الحركة التشكيلية في ديالى.. شارك في أغلب المعارض التي أقيمت في المحافظة وساهم بتشكيل عدد من الجماعات الفنية فهو عضو في جماعة باء التي تشكلت في بغداد وعضو في جماعة الشباب في ديالى وله مشاركات مع الفنان مؤيد الناصر منها عمله في نحت تمثال الفلاحة الذي اعتبره البعض وجه ديالى وهويتها وكذلك مساهمته في نحت تمثال العلامة الكبير مصطفى جواد الذي يعد من المهمين في المجالات الثقافية والأدبية والعلمية وللطائي حضور جيد في مهرجانات الخط العربي التي أقيمت في بغداد وديالى مثل مهرجان الواسطي ومهرجان دار السلام ومهرجان بغداد العالمي.

المقال السابقألمتقاعدون..أحلام ضائعة
المقال التالىمن أجل إسترداد عافية السودان
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد