هل يرتبط ارتفاع أسعار الفائدة برسم منحنى فيليبس ؟

 

يعتبر رسم منحنى فيليبس واحدا من أهم مفاهيم الاقتصاد الكلي الذي أنشأه اقتصادي في نيوزيلندا قبل أكثر من ستة عقود من الزمن في 1958 والذي يبين كيف أن معدلات التضخم تتغير باختلاف معدل البطالة والعكس، رغم أن ميلتون فريدمان ألقى خطابا في 1968 قوض منحنى فيليبسK وكانت فكرته هي أن العلاقة لا يمكن أن تكون ثابتة، وفي السبعينات عندما عانت الاقتصادات من الركود التضخمي بدت الأمور وكأن فريدمان على حق، ولكنه يؤمن بأهمية السياسة النقدية بأنه أمر ثابت ومستمر.

رغم ذلك لا يزال النقاش في الأسواق جاري حول منحنى فيليبس، وعند اجتماع مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في أكتوبر 2015 كان هناك تساؤلا وحيدا برز في هذا الاجتماع وهو كم الثقة الذي ينبغي وضعه في الرسم البياني لمنحنى فيليبس خصوصا وأن هذا الاجتماع يقرر أول زيادة في أسعار الفائدة بعد الأزمة المالية التي ضربت الولايات المتحدة والعالم 2008.

لكن وجد أن منحنى فيليبس لم يعمل بشكل جيد في العقود الماضية في الولايات المتحدة، مما خلق أزمة في التنبؤ باتجاه التضخم، رغم ذلك رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة باعتقاد أن منحنى فيليبس يوحي بأن الولايات المتحدة قد تشهد تضخما مفرطا في حال لم يقوموا بخطوة رفع الفائدة، حيث سجل معدل البطالة في سبتمبر 2015 تراجعا لمستوى 5.1 في المائة وهو ما يرتفع قليلا عن معدل البطالة المناسب على المدى الطويل من وجهة نظر قادة الاحتياطي الفيدرالي والبالغ 4.9 في المائة.

وأوضح تقرير نيويورك تايمز أن الإصدارات المختلفة لمنحنى فيليبس خلال العقود الماضية على الأقل أثبتت عدم فائدتها، وفي حال النظر إلى معدل البطالة في الولايات المتحدة مقابل مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي، والذي يستثني أسعار المواد الغذائية والطاقة سنويا منذ عام 1958 فلن تظهر أي علاقة على الإطلاق بين الجانبين.

وأوضح التقرير أنه في حال كانت العلاقة بين البطالة والتضخم تتحول باستمرار لأسباب من المستحيل التنبؤ بها، فإن منحنى فيليبس لا يعتبر أداة مفيدة بشكل خاص لاتخاذ قرار بشأن السياسة النقدية المستخدمة.

يعود النقاش مرة أخرى الآن حول فائدة منحنى فيليبس بعدما رفع الاحتياطي الفيدرالي الفائدة أربع مرات في عام 2018 والتاسعة منذ أواخر 2015 إلى نطاق يتراوح بين 2.25 في المائة – 2.5 في المائة في المائة، وهناك توقعات محتملة بزيادتين أخريين خلال عام 2019 من أجل الوصول إلى مرحلة ما يسمى بالوضع المحايد لسعر الفائدة رغم ان البنك يعتبر أن مرحلة الوضع المحايد لسعر الفائدة اقتربت مع الزيادة الرابعة، ويعتبر البنك أن الفائدة لا تزال منخفضة بالنظر إلى المستويات التاريخية، لكن أشار باول رئيس البنك إلى عدد من المخاطر منها التوترات التجارية وعدم اليقين الجيوسياسي وزيادة ديون الشركات التي تشكل تهديدات خطيرة وهي أعلى من المتوسط التاريخي، وكشف عن أن انخفاض أسعار الأصول سيزيد من صعوبة حصول الشركات على التمويل، وهناك احتمالية إلى الإبطاء من عمليات رفع الفائدة خلال الفترة المقبلة، وهي محاولة لتطبيع السياسة النقدية، وتريد أن يستقر معدل البطالة الطبيعي عند 4 في المائة والتضخم عند 2 في المائة.

حيث أعلنت وزارة التجارة الأميركية أن الاقتصاد نما 3.4 في المائة خلال الفترة من يوليو إلى سبتمبر 2018 مقارنة بنفس الفترة من عام 2017، فيما وصل إجمالي النمو في 2018 نحو 3 في المائة وهو ما سيكون أفضل أداء اقتصادي لأمريكا منذ 2005 وفوق معدلات النمو السنوية التي سادت منذ عام 2009 التي بلغت 2 في المائة تقريبا، لكن هناك تراجع استهلاك العائلات التقليدي للانتعاش الاقتصادي، وعلى صعيد التداولات تراجعت عائدات السندات الأمريكية لأجل عامين إلى 2.786 في المائة، وانخفضت عائدات السندات لأجل عشر سنوات إلى 3.013 في المائة، وهبطت عائدات السندات لأجل ثلاثين عاما إلى 3.292 في المائة.

يتفق الخبراء على أن سياسات ترمب ساهمت في تحقيق النمو المرتفع المتوقع للعام 2018، سواء من خلال تمرير تشريع ينطوي على تخفيضات ضريبية ب1.5 تريليون دولار التي ساهمت في جذب مزيد من الاستثمارات في أمريكا ونمو اقتصادي قوي وأجور أعلى وإن المزيد من الأمريكيين عادوا إلى العمل، أو زيادة الإنفاق على الدفع والإنفاق المحلي الذي أقره الكونغرس في فبراير 2018.

لكن ترمب وجه انتقادات إلى بنك الاحتياطي الفيدرالي قبل اجتماعه الأخير في 19 ديسمبر التي قرر فيه الزيادة الرابعة لعام 2018، واعتبر أن سياسات البنك تدعم الدولار بقوة، وأن ذلك يفجر أزمات في العالم، مشيرا إلى الاحتجاجات الدائرة في فرنسا ضد غلاء المعيشة، وكذلك هوت السهم الأمريكية ليصل انخفاض المؤشرات الأميركية في ديسمبر 2108 لأكثر من 11 في المائة، وهناك توقعات بأن يصل النمو الأميركي في 2019 إلى 2.7 في المائة، ولكن سيتباطأ بشكل أكثر حدة في 2020 إلى 0.9 في المائة، خصوصا بعد توقف الحوافز الحكومية المقدمة في شكل تخفيضات ضريبية وإنفاق إضافي عندها سيواجه الاقتصاد معدلات فائدة أعلى.

وستعتمد الإجابة عن هذا السؤال إلى حد كبير على علاقة التضخم بانخفاض البطالة، خصوصا بعدما قفز تضخم الأجور الأمريكية في فبراير 2018 إلى 2.9 في المائة، حيث أن السيناريوهات أن معدلات التضخم سترتفع بسرعة بمجرد انخفاض نسبة البطالة، ما يتطلب زيادات أكبر في أسعار الفائدة للحفاظ على ضغوط الأسعار.

لكن اقتصاديا ظل التضخم كما هو حتى مع انخفاض معدل البطالة إلى 4 في المائة في يونيو 2018 مرتفعة من 3.8 في المائة في مايو مقارنة ب10 في المائة في عام 2009، وباستثناء أسعار المواد الغذائية والطاقة التي تعد من الفئات المتقلبة، ارتفع التضخم بنسبة 2 في المائة في مايو 2018 بالنسبة للسنة الماضية وبلغت نسبة التضخم 2.2 في المائة والتي ارتفعت إلى أعلى مستوى منذ ست سنوات ولكنه قريب من هدف البنك الذي يبلغ 2 في المائة.

وجد الاقتصاديون في الاحتياطي الفيدرالي أن التضخم ارتفع بسرعة أكبر عندما انخفض معدل البطالة إلى ما دون 3.75 في المائة، رغم أن الولايات المتحدة لم تشهد انخفاض معدل البطالة عن 4 في المائة بصورة متواصلة منذ أواخر الستينات من القرن المنصرم.

واعتمدت دراسة أجراها الاحتياطي الفيدرالي في عام 2016 على بيانات فترة الستينات لقياس المستوى الذي تبدأ به ضغوط التضخم في الإضرار بالاقتصاد، وخلصت الدراسة إلى أن ذلك يحدث عندما ترتفع أسعار المستهلك الأساسية بنسبة 3 في المائة على أساس مستمر.

وكان الاحتياطي الفيدرالي أعلن في 26/9/2018 رفع سعر الفائدة ربع نقطة مئوية ليصل إلى نطاق يتراوح بين 2 و 2.25 في المائة، وهو أعلى معدل على الإطلاق منذ 10 سنوات.

كان الهدف من رفع أسعار الفائدة من أجل رفع الائتمان الاستهلاكي، خصوصا وأن الاقتصاد الأمريكي نما 3.2 في المائة في النصف الأول من 2018 وقاد النمو في

الربع الثاني من العام حزمة تخفيضات ضريبية نفذتها إدارة ترمب بقيمة 1.5 تريليون دولار، وهو ما عزز إنفاق المستهلكين بعدما ظل شبه راكد في أوائل العام.

ترمب مستاء من رفع أسعار الفائدة لأنه يزيد من الائتمان الاستهلاكي ويرفع قيمة الدولار، ويرى ترمب يمكن أن تمتص زيادات أسعار الفائدة الحياة من الحزب المناصر لخفض الضرائب، الذي دفع سوق الأسهم الأمريكية للصعود إلى مستويات قياسية، وعلى الجانب الآخر من المحيط الهادئ قد يؤدي انحسار الفارق بين أسعار الفائدة الصينية والأمريكية إلى جانب انخفاض فائض الحساب الجاري إلى ضغط هبوطي على الرنمينبي وإطلاق جولة جديدة من هروب رؤوس الأموال.

وكان يفضل ترمب خفض الدين العام أو القيام بأشياء أخرى مثل استحداث مزيد من الوظائف لأنه يعتبر أنه بنى امبراطوريته العقارية بفوائد متدنية وإعفاءات ضريبية، رغم أنه يعترف بأن السياسة النقدية التي اعتمدها الاحتياطي إثر الأزمة المالية والقائمة على معدل الفائدة الصفرية أضرت بالمدخرين، وكما توقع المجلس الاحتياطي أن ترتفع الفائدة للمرة الرابعة خلال هذا العام في ديسمبر 2018 تحققت، وخفضها إلى مرتين بدلا من ثلاث مرات عام 2019 بسبب ضغوط ترمب، فضلا عن زيادة واحدة عام 2020.

لا تعليقات

اترك رد