” رسالة الفن “

 

لا يبتعد الفنان عن قضاياه، وهموم أمته، وفي هذا الفصل لا بد من المرور على أسلوبين آخرين من أساليب الرسم التي مرت بمراحلها الفنانة عالمة، فهناك اللوحة رقم 10 وقد اتبعت فيها الفنانة أسلوبا مختلفا تماما عما شاهدته في لوحاتها الكثيرة، فاللوحة تمثل القدس بالرمزيات الدينية كما قبة الصخرة وكنيسة القيامة على يمين اللوحة بالنسبة للمشاهد، ورمزيات دينية في الجانب الأيسر تعكس مشاهد من عمَّان، وفي واجهة اللوحة بوابتان تتعانق فيها أطراف الكوفية السوداء مع الكوفية الحمراء.

في هذه اللوحة التي مثلت حالة مختلفة للفنانة كرست الفنانة عالمة العبداللات البعد الوطن لشعب واحد كان وسيبقى عبر التاريخ، معتمدة على التعبيرية الرمزية التي صهرتها بالمكان إضافة للرمزية اللونية فكان الفضاء أكثر إعتاما فوق فلسطين القابعة تحت أسوء احتلال في التاريخ، ولكن الشمس تشرق من بين الغيوم على الطرفين في إشارة للغد القادم حاملا معه إشراقة الحرية، بينما نجد طيور العودة محلقة من فوق فضاء الأردن باتجاه القدس، وهذه المشاهد والفكرة تكرس ما هو في ذاكرة الفنانة في لحظة إشراقة لوحتها هذه، التي اعتمدت الجزئيات الرمزية فيها مكتفية بروحانياتها التي تمثل روحانية الشعب الأردني الفلسطيني الواحد، في مواجهة خفافيش العتمة التي تحاول التسلل تحت جنح الظلام لتخريب شكل العلاقة التي تكرست عبر التاريخ بين شعبين مثلا رئتي الصدر يفصلهما نهر مقدس.

هذه المشاعر التي انتابت الفنانة وتسكنها وتركت أثرا كبيرا على روحها ونفسيتها وتجربتها الفنية الطويلة منذ بدايتها المبكرة، فاهتمت باستنهاض روح الأمكنة وروح الطبيعة وإعادة تشكيلها وليس محاكاةً وتقليداً ونسخا، فكانت لوحاتها راوية للحكاية والجمال، تحمل الدهشة للمتلقي وهي تستحضر الجمال بالألق، مازجةً الضوء والشكل واللون لخلق مشاهد مختلفة في تعابيرها وفي دلالتها.

والفنان الحقيقي هو الذي يجدد نفسه وينفتح على تجارب الآخرين، ولقد جربت الفنانة الاسلوب التنقيطي كأسلوب حداثي، ومنها اللوحات رقم 11 و12 ، وهو أسلوب اعتمد على الكثافة اللونية وتراكمها حتى أن اللوحات تصبح ذات وزن ثقيل للكثافة اللونية.

وفي هذه اللوحات التي استخدمتها الفنانة أصبحت الطبيعة في اللوحات متباينة وذات دلالات تعبيرية مختلفة، فالطبيعة أصبحت وكأنها سجادة منقوشة وظهرت المشاهد محتفية باللون بحيث يشعر المشاهد والمتأمل للوحة أن التفاصيل لم يعد لها وجود، وأصبحت الألوان لغة تشكيلية صادمة، لغة قوية التأثير وتكاد تزيغ بثورتها الذائقة البصرية عن مسارها، فقد استلهمت الفنانة من الطبيعة ثورتها ووحشيتها من جانب، ورقتها وجمالياتها البكر من جانب آخر، فخلال تجوالي بين اللوحات كنت أشعر بحجم كبير من مشاعر متناقضة تنتابني: كالإحساس بأنّ الفنانة تستدعي روحها ونفسيّتها وتوثّق اللحظة لتعيد تشكيلها في لوحاتها وهي في عالمها الخاصّ، بحيث تنعكس الطّبيعة والظّروف النفسيّة التي تمرّ بها الفنّانة من خلال لوحاتها والألوان التي تستخدمها و لمسات فرشاتها.

ومزجت الفنانة في لوحاتها بين التجريد والانطباع، ويظهر ذلك من خلال استخدام ألوان هذه المدرسة القائمة على انعدام الخطوط في الطّبيعة، واستخدام ألوان المنشور المعروفة وهي الأصفر والبرتقالي والنّيلي والبنفسجي إضافة للأزرق والأحمر، وإن اختلفت مع هذه المدرسة بنقاء اللون، ولكنها وثّقت لحظة الإحساس باللحظة، فهي تعتمد في العديد من اللوحات أسلوب تجريد الطّبيعة، وتثير في النفس مشاعر متناقضة، استخدمت الفنّانة في معظم لوحاتها الأسلوب الحلزونيّ في الرّسم، فهي تبدأ من بؤرة تشكّل قلب اللوحة لتنطلق منها بالشكل اللولبي حتّى الأطراف، وفي الوقت نفسه وجدتُ أن الفنّانة سخيّة باستخدام الألوان بطريقة غير مألوفة، ولعل اعتمادها في كثير من الأحيان على استخدام السّكّين والكشط ساعد في ذلك، فقدمت لنا لوحات تشكيلية تعالج الطبيعة بشكل مختلف تماما عن المعتاد، تدلل على عشق ثائر للطبيعة ومخزونها في تلافيف الذاكرة فتعبر عن هذا العشق بالألوان، معالجة اللوحة بالخبرة التي اكتسبتها في معالجة اللون إضافة لإيمانها بفكرة الجمال والحب والصدق كمنهاج في الحياة.

*من كتاب عالمة العبدلات مسيرة فن وابداع للكاتب.

المقال السابقوليد شيت … رؤية الأشكال في مظاهر مصادرها الفنية
المقال التالىنحن الشباب بلا غدٍ
كاتب الفلسطيني من مواليد 1955 في مدينة الزرقاء في الأردن، وأصوله من بلدة جيوس قضاء قلقيلية في الضفة الغربية الفلسطينية.. حاصل على بكالوريوس آداب تخصص جغرافيا من جامعة بغداد 1976.بقيم في فلسطين - رام الله منذ عام 1997. بدأ الكتابة والنشر منذ عام 1972. ناشط في المجالات الثقافية والفنية مع اهتمامات خاص....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد