الفهم الأعوج للإسلام والتدين المنقوص


 

هناك خلط دائم يرجعه بعض المفكرين المتأثرين بالغرب إلى أن سبب تخلّف المسلمين هو الإسلام ذاته كدين ، ترويجا لفكرة أن التقدم يكون – حسب الفهم الغربي – بفصل الدين عن الدولة ، وجعله كهنوتا محصورا في المساجد. وهذا هو الفهم الأعوج ، الذي تسلل إلى أذهان الكثيرين : بسطاء ونخبة ، وربما يكون ناتجا عن عقود طويلة من الحكم الأجنبي ، وبناء مؤسسات الدولة على النمط الغربي الذي يُقصي الدين عنها في اللوائح والنظم وفي التوجهات العامة ، مما أدى لخروج أجيال ترسّخ في وعيها الفهم العلماني الإقصائي للدين.

بجانب انتشار الطرق الصوفية في أرجاء العالم الإسلامي، والتي كانت في أدنى حالاتها ، حيث تدهورت عن ذي قبل ، ولم تعد تساهم – كما يجب – في تربية الأفراد ونشر القيم العليا الخاصة بالزهد والأخلاق والسلوك الطيب ، ولا تسعى إلى تثقيف الناس شرعيا والترقّي بهم روحيا وعمليا ، ولا تؤدي أدوارها التربوية والعلمية في المجتمع كما يتوقع منها ، وانصرف أتباع هذه الطرق شيئا فشيئا إلى الشكليات والرسوم وابتعدوا عن العناية بجوهر التصوف (الإيجابي ) وسيطرت على جماهير المنتسبين إلى تلك الطرق الأوهامُ والمبالغة في التحدث عن مناقب الأولياء وكراماتهم التي لم يأبه لها المحققون من أوائل شيوخ التصوف ، ولم يعتبروها دالة على كمال العلم والعمل ، وهذا التأخر يعود لأسباب حضارية عديدة التي من أبرزها تقهقر الأمة العلمي ، المنعكس على عامة شعوب الإسلام : جهلا ، وتأخرا ، وسيادة البدع والخرافات ، والركون والقعود عن العمل والتعلم ، والمبالغة في الإيمان بالكرامات وما شابهها؛ فترسّخ في وجدان شرائح كثيرة أن الدين مجرد عبادات وطقوس ورسوم شكلية .

أيضا ، وجدنا الخطاب الديني – وأيضا الممارسة والاعتقاد لدى العامة – يعاني من انفصالية عن الواقع ، وعن المتابعة الحثيثة للقضايا المستجدة على الساحة السياسية والاجتماعية ، فلوحظ كيف أن المؤسسات الدينية الرسمية ، كانت تتبنى خطابا تقليديا غارقا في لغة التراث ، وقضاياه ، وينأى عن الهموم المستجدة.

وبالطبع هناك قلة من علماء الإسلام الذين حملوا هموم الأمة ، وعايشوا قضاياها، وقدموا رؤية إسلامية لها ، ولكن البعد التأصيلي كان غائبا عن كثير من طروحاتهم ، أو غير حاضر فيها ، وربما يعود هذا إلى انشغالهم بتقديم رؤية إسلامية عامة ، تهدف إلى تحميس الناس وتشجيعهم ؛ لتبني المنظور الإسلامي، فلم يخوضوا في التفاصيل ، ولم يسعوا إلى تأصيل خطابهم الإسلامي بالجانب الجوهري للإسلام فيما يتعلق بالنهضة والتنمية .

وقد أدى ذلك إلى انتشار ما يسمى ” بذهنية الإرجاء ” التي ترجئ كل شيء إلى الآخرة ، وتستسلم لمصيرها الدنيوي ، في فهم أقرب إلى ” التواكل ” الذي يجعل المرء سلبيا في الحياة ؛ ويترك نفسه نهب ظروف الدنيا وتقلباتها ، معتبرا أن ما يحدث له من أمور في حياته الشخصية والعامة إنما هي ” مكتوب قدَريّ ” لا حيلة له في تغييرها في فهم خطأ للقضاء والقدر ، وعليه أن يرضى بما قُسِم له ، ولو تأمّل لعلم أن الإسلام يحضه على العمل ، وأن يكون إيجابيا في حياته ، فيسعى ويديم السعي، لا يعرف القعود طريقا إليه ، وعليه أن يثق في عدل الله الذي لن يضيّع أجر من أحسن عملا ، وأن كل نفس لها رزقها ، ولكل مجتهد نصيب ، فالله سبحانه قدّر المقادير ، وجعل لها أسبابها .

وهذه قضية عقدية تمثل لباب إيمان المسلم ؛ فالمتفق عليه في العقيدة الإسلامية ” أن القدر السابق لا يمنع العمل ، ولا يوجب الاتكال ، بل يوجب الجد والاجتهاد والحرص على العمل الصالح ، ولهذا أخبر النبي ( صلى الله عليه وسلم) أصحابه بسبق المقادير وجريانها وجفوف القلم بها ، فقيل له ( صلى الله عليه وسلم): ” أفلا نتكل وندع العمل ؟ قال : لا ، اعملوا فكل ميسر ” ثم قرأ قوله تعالى : { فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى ، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى } سورة الليل ، الآيات ( 5- 10 ) .. وإذا علم العبد أن مصالح آخرته مرتبطة بالأسباب الموصلة إليها ، كان أشد اجتهادا في فعلها والقيام بها وأعظم منه في أسباب معاشه ومصالح دنياه.

فالعقيدة الإسلامية الصحيحة تحض المسلم على العبادة الدائمة طلبا لمرضاة الله، التي لن تتحقق إلا من خلال القيام بشعائر دينه ، والسعي لرزقه ورزق أولاده ، وخدمة مجتمعه وأمته .

وقد انعكس هذا الفهم المغلوط للتدين على عامة الناس ونخبتهم أيضا ، الذين حصروا الدين في العبادات فقط ، وجهلوا أن الإسلام دين شامل كامل ، يجب على المسلم أن يطبق تعاليمه في كافة مناشط حياته ومجتمعه ، فالمسلم هو المتعبد حق العبادة ، وهو المجاهد والتاجر والصانع والفقيه .. إلخ

فكيف يكون لمن جهل حقيقة الدين أن يسعى إلى تطبيق مفاهيم عميقة فيه ، مثل الفروض الكفائية بمعناها الشرعي الشامل ؟

الإجابة تقتضي أن يُدرَس الإسلام دراسة شاملة ، بأن يفهم المسلم – كل مسلم – عقيدة دينه فهما صحيحا ، ويعي تصورات الإسلام لعمارة الكون ، ودور المسلم الفرد في هذا الإعمار ، وليعلم أن دوره يكون كفائيا ( فرض الكفاية ) في مواضع يمكن أن يقوم بها، وعينيا ( فرض العين ) في مواضع أخرى فيلزم فيه أن يتصدى لخدمة أمته بمواهبه وجهوده، كلٌ حسب قدراته وعطائه ، وهذا يتطلب وعيا مضافا ، يأتي بعد تربية حقيقية للمسلم ، يتجاوز فيها الجانب التعبدي ، إلى المشاركة الاجتماعية والعلمية والسياسية ، أي النهضوية بشكل عام . ومناط هذا واقع على علماء الأمة ودعاتها، ومعاهد العلم الشرعية ، كي تصاغ الثقافة الإسلامية بخطاب مفهوم ، يأخذ في حسبانه الأبعاد الحضارية والنهضوية ، مما يحفز العقول لدراسة مختلف الظواهر الكونية ومعجزات الله في خلقه ، وحل مشكلات الأمة بشكل علمي منطقي .

1 تعليقك

  1. بارك الله فيك دكتورنا الفاضل، فمقالك هو عبارة عن نقد بناء وتحليل شامل لحالنا نحن المسلمون في هذا العصر، فإما تعبد بلا عمل وما هذا أصلا بتعبد وإما إنفصام بإدعاء تدين من جهة وعدم تطبيق ابسط تعاليمه من جهة أخرى وإما إنسلاخ وتجرد وبيع لأبسط معالمنا الحضارية الوجدانية الإنسانية وتبني حضارة مغايرة تماما وإعتناق سوءاتها ومادياتها على العموم
    بارك الله فيك دكتور ومقالك الثري سيحفظ للفائدة المستمرة مستقبلا إن شاء الله، وجزاك الله كل خير

اترك رد