شبيبة العراق بين فكي قرش وحشي مفترس اسمه المخدرات

 

قيمياً لم يعتد المجتمع العراقي المخدرات بل كان رافضاً بصورة قطعية التعامل معها ومن يروجها، ولم يكن لها وجود حقيقي ملموس مجتمعياً، حتى في ظروف الحرب وقسوتها. وتمّ تثبيت هذا بالإحصاءات الدقيقة حتى أنه لم يتم تسجيل سوى حالتين بين عامي 70 و90 من القرن المنصرم. بخلاف ذلك باتت الظاهرة تُرصد منذ العام 2003. وسجلت الأرقام حينها وجود (3 مدمنين من كل 10) أشخاص ببغداد على وفق مكتب المخدرات ومتابعة الجريمة التابع للأمم المتحدة.. والأنكى أنَّ ثلث منتسبي (الأجهزة الأمنية) يتعاطون المخدرات… والمشكلة أنّ العقوبات المشدَّدة تم تغييرها وخفضها إلى مجرد بضعة أشهر معدودة عقوبة الاتجار وحتى تلك العقوبة المخففة، مما لا يجري تنفيذه في ضوء الدعم والتبني من جهات مؤثرة في الدولة والمجتمع ولها سطوتها وسلطتها..

وإذا كانت البلاد قد جعلوها ممراً أو معبراً للمخدرات فإنها باتت اليوم مستهلكاً وأيضاً منتجاً بنسبة بعينها؛ في أماكن سطوة الميليشيات والمافيات وبلطجتهما، حتى أن نسبة التدهور المجتمعي وتعاطي المخدرات تؤكد في ضوئها مؤشرات الأمم المتحدة أنَّ الشبيبة العراقية ستطحنها تلك النسب المتفاقمة بوحشية؛ فالمخدرات تلك الآفة الجديدة باتت في العقد الأخير تظهر بوضوح في آلاف المدمنين يهيمون بين المستشفيات وقارعة أرصفة التبطل والجريمة…

بمحافظة البصرة وذي قار هناك اليوم أرقام مرعبة، إذ يراجع المستشفيات رسمياً بحدود خمسة أشخاص يومياً في الناصرية بخلاف المراجعات المتستر عليها! ويتضاعف الرقم للبصرة وقد لا يختلف كثيراً الوضع بالمحافظات الجنوبية الأخرى. ومع ذلك فإنّ أطرافا رسمية تهوّن الموضوع بالقول: إن المسألة لا تتعدى حبوب الهلوسة أو ما يتعلق بالكحول…..

ومثل حالات التستر تلك، تجري بدفع من أطرافٍ تسطو على المشهد وحتى عند افتضاح جرائم من قبيل الكشف عن حقائب مدرسية معبأة بالكبتاغون: [مادة تخرب أجهزة جسم المتعاطي من قبيل زيادة احتمالات الجلطة القلبية وخمول بعمل الأعصاب و إيذاء الغدة الكظرية مع تنشيط الخلايا السرطانية كل ذلك وغيره ربما يحدث ببطء في وقت يدمن المرء على الكبتاغون بسرعة… وبسبب ترويجها على أنها منشط جنسي تتفشى بسرعة ويستسهل تعاطيها بعض الواهمين المخدوعين]، أقول حتى عند افتضاح جريمة الحقائب الممتلئة بتلك المخدرات أو تلك التي كشفت عن 16 مليون حبة منها، مما جرت محاولة تمريره وتهريبه عبر ميناء البصرة فإن الطمطمة كانت عالية الأثر! ولا يدري عاقلٌ كيف يمكن التستر على ما يساوي عشرات الملايين من الدولارات من المخدرات ولا يُعرف لها صاحب!

والدعم ليس محليا فقط. إنَّما تمارسُه دولٌ لها باعها في الشأن العراقي بسبب سطوتها على الحدود المنفلتة وابتزازها أو استغلالها مسؤولين بمستويات حكومية وحزبية عالية! وهو ما يفسّر موقفَ نوابٍ برلمانيين تجاه حظر المشروبات الكحولية أو التعرض لمحال بيع المشروبات واستهدافها لا حرقا حسب بل قتلا وتصفية لأصحابها! وبالمناسبة فإننا لا نجد صوتا رسميا يتناسب والجريمة وواجب التصدي لها.. ولن أقول هنا: لماذا؟ فنحن ندرك المبيَّت لنا والمجتمع برمته…

إن هذه الجريمة [تفشي المخدرات بلا ردّ] لا تقف عند التخريب الاقتصادي بل تتعرض لطاقة البناء في شبيبة البلاد ومن يقف وراءها من مختلف القوى والأطراف المحلية والخارجية، تُجري تجاريب على المواطن العراقي حتى وصل الأمر إلى مستوى نشر المخدرات وتوزيعها مجانا بعض الأماكن والظروف بهذا القصد أو ذاك مما نشير إليه هنا هذا غير بيعها على الأرصفة بلا حسيب أو رقيب في ظل الحماية من أطراف أعلى من سلطة القانون …

إن نماذج الكشف عن المخدرات وصلت عشرات مهولة من الكيلوغرامات منها بحدود البلاد الشرقية والجنوبية بتسهيلات مقابل الأتاوات. ومجددا يجب أن نشير إلى أن الأمور وصلت حد تصريحات علنية من بعض زعماء سياسيين من تصنيع طائفيي ما بعد 2003 لا يتحرجون من ذكر أنواع من تلك المخدرات إلى جانب وجود مزارع تحت سلطتهم أو سطوتهم وميليشياتهم.

إنَّ الخطر الداهم طاول عدا الشبيبة أطفالا من أعمار 10 سنوات وما فوق بعد انتشار ظاهرة أطفال الشوارع وأطفال النزوح والفقر المدقع والتنمر المدرسي المحمي ببلطجية من مستوى مافيات اتجار وميليشيات وقحة وغير وقحة أو الموصوفة بالوقاحة والموصوفة بالتقوى والقدسية! وبهذا تفاقمت النسب أبعد من الـ10% من أبناء الدول المعبر حيث تحول العراق إلى هذا الممر بانفلات الحدود وغير الحدود كما أن النسب في تصاعد مأساوي عندما نكتشف دخول أعداد من النساء في هذه الآفة المهلكة..

إن البحث في أسباب الظاهرة تؤكد التالي:
اليأس والاحباط يشكل انهيار الوضع العام وخيبة الأمل بكل مرجعياته سبباً نوعيا رئيسا لحالات التعاطي.
البطالة والضياع بين براثن فقدان فرص العيش الكريم.
الفقر بمستوياته وعدم تمكن المرء من إيجاد لقمة نظيفة حيث الوسيلة عالم الجريمة.
عدم وجود منابر أنشطة روحية ثقافية من السينما والمسرح والمنتديات الثقافية بأنواعها ما يثير فرصا للبحث عن فضاءات بديلة لبعض الموسرين او المتمكنين ماديا..
انهيار منظومة القيم المجتمعية والانضباط بسلطة القانون حيث الانفلات الشائع بغياب الدولة ومؤسساتها المعنية..
سيادة خطاب التشدد لحساب التستر على الممارسات السلوكية المرضية \ التنفيسية في الخفاء..
أزمات اقتصادية عاصفة حيث انهيار الدخل الفردي وتراجعه ما أثَّر بقوة مدمرة على العلاقات المجتمعية..
ظهور طبقة رجال الدين وأدوارهم المشرعنة وخطاب الخرافة ومنطق اشتغالها المفسد، لعب دورا في تبرير علاقات الفساد والاتجاه لعبثية المخدرات والاستسلام لها..
إن الأمية وعدم معرفة حقيقة تلك المواد وآثارها يدفع لتقبلها بخلفية الانخداع بكونها منشطات أو مواد مؤقتة فيقعون في الفخاخ عن جهل.
التضييق على المشروبات الروحية أفسج مجالا للمتاح بسهولة بديلا لها.
ونحن بهذه العوامل نقرأ حقيقة أن نسب الشبيبة في التعاطي وصلت أكثر من 90% وأنّ الأطفال والنساء باتت نسبهم مذكورة مؤشرة تصل بالنساء لنسبة أكثر من 10% بما يُنذر بمخاطر بلا منتهى.. وبين الشبيبة حوالي النصف منهم فقراء ما يعني وجود نسبة كبيرة من شريحة متمكنة ماديا.. على أنه بجميع الأحوال يشكل الجهل والأمية نسباً جد عالية ربما تقترب كثيراً من الـ90% من المتعاطين المدمنين، ما يؤشر حقيقة الخدعة ومن يقف وراءها سواء بانهيار التعليم والاضطرار للتسرب من المدرسة بخلفية الفقر فضلا عن الانهيار الأمني ونتائج النزوح والتهجير والاكتظاظ السكاني في مناطق مهمّشة فقيرة…

أما بشأن الحلول التي يُفترض فيها مسؤولية الحكومات الاتحادية والمحلية ووجهاء المجتمع ومسؤولي منظمات المجتمع المدني فالأولى تفتقد للكفاءة والنزاهة في عملها فيما يتفشى وسط الثانية أوبئة ليست قليلة وهي ليست بعيدة عن الاتجار أما الثالثة فهي مهمشة مصادرة الفعل بينما سيكون التعويل على مسمى رجال دين كمَّن ودَّع البزون (القط) شحمة كما يقول المثل العراقي إذ أنهم في الغالب ممن يتجرون ويشرعنون ويفتون بتمرير المخدرات أو يكونون سببا في غض الطرف عن الجريمة أو يدفعون بتجبرهم في موضوع المشروبات الكحولية موضوع دفع عن جهل أو تعمد باتجاه المخدرات..

وأُفرِدُ هنا فقرة لعلماء النفس والاجتماع وكل ذي تخصص وعقل لأؤكد أنهم ممنوعون من العمل يحاصر جهودهم انهيار الدولة العلمانية واشتغالات العقل العلمي فيها لصالح ما يسمى رجال دين من الأكليروس حتى اقزام سياسة من بلطجية الأحياء والمدن وابتزاز الناس في شرفها وكرامتها، مما لا يستطيع أحد التصريح به محليا… في هذه الأجواء لا يُهمَّش العالم المتخصص ولا يُضحك عليه ويُسخر منه بل يثقضى على وجوده ودوره بوقت يعلو صوت الدجالين وفتاحي الفأل والمتنبئين وقارئي البخت والحظ والأحلام وكل ما يعطل العقل ويطلق سراح اليأس والاحباط والعجز وما يشابه من سمات تدفع إلى ميادين تخدير الأعصاب والإدمان على اللعبة وعبثها بل تخريبها…

حسناً ما مخرجات الظاهرة؟
هل تنتهي القضية عند تلك الأرقام الإحصائية الجامدة مجردة من التعبير عن الدلالة؟ أم أنها تفضح جرائم:

تعطيل تلك النسب الكبيرة من الشبيبة عن المساهمة في إعادة إعمار الخراب المهول.
إخضاعها للاستغلال بل الاستعباد المطلق والارتهان لمن يوفر المخدر حيث تتحول البلاد برمتها لميدان قطعان موجَّهة على مرام المتاجرين لا بالمخدرات بل بالإنسان نفسه.
تخريب المنظومة القيمية الإنسانية وسلامة العلاقات الإنسانية الاجتماعية بعموم تفاصيل محاورها.
تخريب العوائل وتفكيكها وحجب أدوارها البنائية..
التخريب الاقتصادي بما هو أبعد من تعطيل طاقات العمل بإيجاد أسواق موازية تتبادل موقعي الإنتاج والاستهلاك..
تُوجِد فرصا أكبر للجريمة وتستبيح الأوضاع واي شكل للاستقرار.
إشاعة ثقافة سلبية تسترحي لكل الأوبئة والأمراض.
ليس سهلا أن أُطلق نداء استغاثة أبعد من وطني عراقي ليكون أمميا عالميا يتطلع لموقف تتبناه المنظمات الدولية المعنية وتساهم في تأشير السبب الأشمل والأعمق بالإشارة إلى طابع الحكومة العراقية ومؤسسات الدولة التي سطت عليها القوى الطائفية ومنظومتها وأحالت البلاد إلى حقول تسطو فيها على الإنسان وتحيله إلى تابع خانع مشوه بكل المعايير..

إننا نرتكب بصمتنا جريمة إبادة جماعية من نوع لا يتعلق بهمجية الآلة الجهنمية ومطحنتها التي تصفي البشر أجسادا وتنهي حيواتهم ولكنها أخطر من ذلك تصفيهم أرواحا وعقولا ووجودا بشريا إنسانيا وتخلق منهم أجسادا عليلة سهلى الابتزاز والاتجار لتنتهي حيوات ملايينهم بأيديهم!!

أوقفوا الجريمة واتركوا عبثية التعكز على دفاع عن سلطة مريضة سياسيا مجتمعيا أو عن سلطة دينية مزيفة بلا قدسية ولا عصمة كما يزعمون .. ركزوا على تبني الحلول وأولوية إنقاذ الإنسان وأولهم شبيبتنا المضيَّعة المسطو عليها بنير عبودية خطيرة.. أوقفوا حلقات مسلسل التخريب والتدمير ووحوا جهود بناء دولة مسؤولة عن المعالجة بمجتمع يتصدى لواجباته..

الإحصاءات والأرقام من مصادر مختلفة مشار إليها بالاسم في سياق المقال.

لا تعليقات

اترك رد