تصفية رجل القانون

 

من المؤكد إن هناك عقد عرفي مبرم بين الحكومة مع الشعب لتكون شرعية وتحصل على الاعتراف العالمي ورجال القانون يدركون إن الدستور اعتبر أي إخلال في هذا العقد من احد الطرفين يؤدي حتما إلى فسخه واعتباره باطلا فالمواطن عليه واجبات تبدأ من حسن المواطنة والانتماء للوطن واحترام سيادة البلد والالتزام بالقوانين والدستور والولاء المطلق للدولة كما إن له حقوق كفلها له الدستور كالعمل والتعليم والسكن والحريات كافة إلا فيما يتعارض مع حقوق المواطنين الآخرين حيث تتوقف حرية الفرد لصالح المجموع مرورا بالصحة وتوفير الخدمات والأمن والأمان إلى آخر ما تضمنه الدستور وتلك مفاهيم لا تحتاج إلى كثيرا من التفسير فهي من أولويات المواطنة الواضحة والمكفولة.

لكي تشكل الحكومة فان الدستور العراقي الذي صوت عليه الشعب العراقي بطريقة أو بأخرى شرع وسيلة تعتبر أولى الخطوات على طريق الديمقراطية التي يسعى إلى تطبيقها الجميع وليس من حق احد أن يتجاوزها بعد أن ولى زمن الانقلابات العسكرية وفرض الحكومات على الشعب بالقوة فأصبح كما هو مفترض إننا كمواطنين ننتخب من يمثلنا في البرلمان ومن خلالهم يتم تشكيل الحكومة التي تدير أمور البلاد وليس من حق احد أن لا يحترم من يتخلى عن هذا الحق ولا يشارك في الانتخابات لأي سبب وعلى الحكومة أيضا أن تحترم هذا الحق الشخصي للفرد ومن المؤكد إن للحكومة المنتخبة وسائلها في فرض سلطتها على أفراد الشعب في حالة إخلال احد المواطنين بواجباته فبيدها القوة العسكرية والفصل فيما قد ينشب من خلاف بين الطرفين المذكورين يكون بيد السلطة القضائية التي ينبغي لها أن تكون مستقلة وتقف على الحياد بين جميع الأطراف المختلفة.

كمواطنين جميعنا يتوجب علينا أن ننصاع لإرادة القانون التي تمثل إرادة مجموع الشعب العراقي وقد كفل لنا الدستور حق الاعتراض على قرارات الحكومة إذا كانت تتعارض مع مصلحة الشعب, بتعبير آخر إن الحكومة ملزمة في تلبية ما يطالب به الأغلبية من الشعب وفي نفس الوقت تحترم رأي الأقلية التي قد تختلف مع الأكثرية في جانب أو أكثر ولها أي الأقلية أن تعبر عن رأيها بالوسائل المشروعة بما لا يؤدي إلى الفوضى وتعطيل الحالة اليومية الطبيعية للبلد وبخلافه ستكون هناك تسميات أخرى تختلف في مفاهيمها ومدلولاتها ليس هذا محل بحثها .

ومن المؤكد كما أسلفنا إن القوة بيد الحكومة وهي الجهة الوحيدة صاحبة الحق الطبيعي في استخدامها عند الضرورة مع الأقلية من شعبها ممن يخالف تطبيق القانون وهذه القوة تتمثل في الحالات الطبيعية في وزارتي الدفاع لصد أي عدوان على الشعب من الخارج ويمكن الاستعانة بها في الداخل في الحالات القصوى ووزارة الداخلية لتنظيم العلاقات المحلية بين الأفراد أو بينها وبينهم والدستور أيضا كفل حماية الأشخاص الذين يقومون بتطبيق القانون في كافة الأجهزة سواء أجهزة القضاء أو أجهزة الشرطة بكل تفرعاتها على أساس إنها جزء من أجهزة الحكومة المحصنة إلا في حالات معينة كإساءة استخدام صلاحياتها وأيضا يتم محاسبتها وفق القانون لا وفق الأعراف الاجتماعية التي قد تتعارض مع القانون ولا وفق وجهات النظر الشخصية ولا ينتج عنها بأي شكل من الإشكال عداء شخصي مع الأفراد أو الأجهزة ولكن ما يحصل اليوم مع الأسف إن رجل الأمن بأي رتبه إذا طبق القانون سيكون عرضة للمحاسبة من العشيرة أو القبيلة أو من الأفراد أو حتى من الأحزاب المشاركة في الحكومة وتعتبر جزءا منها فالشرطي أو الضابط أو حتى القاضي ليس بمأمن من المحاسبة وقد تصل الحالة إلى إصدار حكم الإعدام من أشخاص أو جماعات بحق هذا الضابط أو ذلك القاضي من قبل الجهات المتضررة وتحين الفرص لتصفيته وتحمل ذاكرة كل منا صور لأشخاص يعملون في أجهزة الحكومة قد تعرضوا للتصفية الجسدية وهذا نتاج طبيعي لضعف أجهزتها الأمنية من جهة وإشارة واضحة لتخلف اجتماعي من جهة ثانية أو تمرد مقصود على سلطة الدولة والعمل على فرض هيمنة خارجية أو حزبية عليها وهذا ما يدلل على أن الدولة فاقدة لهيبتها وهي تحفيز ضمني لعدم الانصياع للقانون وعدم تطبيقه من كل الأطراف وهي دعوة إلى الفوضى والانفلات من جهة والدفع إلى تشكيل مزيد من القوى غير الخاضعة للقانون والعصابات الإرهابية لضمان حماية الفرد المنضوي تحت جناحها من جهة مهما أساء وتهميش لدور رجل الأمن والقاضي من جهة أخرى وهذا ينسحب أيضا على رجل التعليم الذي يجب عليه إنجاح ابن هذه الشخصية بأية صورة وإلا فان العقاب جاهز والطبيب كذلك يوجب عليه منح الحياة لا للمريض بل حتى للميت وبخلافه فعليه أن يتحمل المسئولية وهكذا وباقي المهن ستتحول إدارتها من رسمية كمؤسسة من مؤسسات الدولة إلى جهة نفعية خاضعة لإرادة الجماعات المسلحة أو المنفلتة حسب ما أصبح مصطلح يتداوله الناس اليوم .

إن اخطر مرحلة وصلتها أجهزة الدولة العراقية وأصبحت تهدد وجودها ما نراه اليوم في المجتمع من تقصد في ملاحقة رجال الأجهزة الأمنية والقضائية الذين أدوا واجبهم بأمانة وتابعوا المجرمين في فترات سابقة وتعقبوا حركتهم والقوا القبض عليهم وبعد انقضاء محكوميتهم أصبحوا هم أو أعضاء عصاباتهم يتعقبون حركات رجال الأمن وربما عوائلهم فانقلبت المعادلة وأصبح المجرم طليق يمارس حياته الطبيعية ويطارد رجال القانون الذي اصبح يتخفى ويحتمى بدائرته ومع ذلك الحرص كله يتعرض للتصفية الجسدية أما بالمواجهة المباشرة أو التصفية من خلال تفخيخ سيارته أو منزله دون رادع من ضمير ودون احترام للقانون وهذا ما يتطلب من الحكومة الحزم الشديد ومن كل الجهات ذات الصوت العالي كالمرجعيات الدينية والنخب الاجتماعية المثقفة وأجهزة الإعلام بكل وسائلها التدخل وفضح من يلجأ إلى هذه الأساليب القذرة والبعيدة عن الإنسانية والوطنية ووقفها وتحية لرجال الأمن ورجال القانون الذين يعملون بنزاهة ومهنية حفظ الله العراق وشعبه.

لا تعليقات

اترك رد