وليدي مو تنسه بيت ام حياة: حكاية عن تعايش المكونات العراقية في البصرة


 
وليدي مو تنسه بيت ام حياة

الرجل التسعيني المهيب الذي لم يزل يحتفظ ببقايا قوة ونظارة وعقل يقظ ..يرشحه أن يكون شاهدا وذاكرة للبصرة، ربما إن سر احتفاظه بكل هذه الحيوية والنشاط كونه رياضيا بل من شيوخ الرياضة فيها.. سرح الرجل وهو يجلس في ركن يشرف على محلته العريقة ممتطيا ذاكرته المحتشدة بالذكريات البعيدة. بعد أن سمع بعائلة سريانية مكونة من شابة وزوجها وأطفالهما الثلاثة جاءت هاربة إلى أهلها ومسقط رأسها خوفا من القتل من مدينة القوش من سهل نينوى إلى حيث منزلها القديم بشناشيله الجميلة رغم مرور قرن على بنائه الذي ولدت فيه في محلة البجاري وسط مدينة البصرة بعد أن صودر منزلهما وكل ماتملك هاربة بأطفالها وزوجها لتنجو وعائلتها بأعجوبة من سيوف ذوي الرايات السوداء التي صبغ سوادها سماء شمال الوطن وغربه، عادت إلى حيث مكان ولادتها وطفولتها وشبابها حيث لا بديل لها عن ذلك وهي تشرق بغصتها على بيتها وأثاثها وذهبها وكل أشيائها الصغيرة والكبيرة ..

تناهى الى سمعه الثقيل الذي هو نقطة ضعفه الوحيدة الذي يذكر الآخرين بعمره بعد أن ينسوه أمام وضعه الصحي الممتاز ، سمع تفاصيل هذه القصة التي أخذت كل اهتمامه وحرضته الى الرجوع لأكثر من 75 عاما إلى الوراء.. وأيقظت كل ما رسخ في ذاكرته من صور بعيدة مشرقة ومضيئة… جعلت عيونه تلمع وتدمع في ذات الوقت ….قال لنفسه وهو يمسح فيضها الذي لم يسيطر عليه…. ماذا حدث للعراقيين ..؟ هل زلزلت أخلاقهم…هل هو تسونامي اسود اغرق كل فضائلهم التي كنت شريكا وشاهدا عليها …حيث كانت الألفة والمحبة والاحترام والروح الوطنية تحكم الجميع …أشار لي.. هل ترى هذه المحلة الخربة الآن؟ ..كانت من أجمل مناطق البصرة ..راقية ونظيفة ترتفع فيها الشناشيل المزججة لتمنح الشمس فرصة للعب والانكسار البهي ونشر الألوان …وتنفتح فيها الشرفات عن فضاءات تضوع بالعطر والبخور والبهجة العائلية والود العميم ..يسكنها تجار البصرة وكبار موظفيها العاملين في الحكومة أو المهن الحرة كالمحاماة والتدريس والرياضة وغيرها من المهن المحترمة … البيوت متلاصقة بحميمية بالغة على الرغم من التباين الديني والمذهبي والقومي غير المحسوس ظاهرا او باطنا ..وتوقف قليلا ليجذب أنفاسه.. وأشار لي ثانية… انظر ..انظر هذا بيت باكوس.. وعلى مقربة منه بيت سليم يلدا يليه بيت اكبر مرجع شيعي بالبصرة عبد المهدي المظفر ويقابله بيت مناحيم وبيت ام ميسون المسيحية .وسدد النظر الى بيت بعينه طويلا وقال انظر ذاك بيتنا والى جانبه بيت جارتنا الطيبة جدا أم حياة اليهودية ….التي كنت اذهب لهم كل سبت لأضيء النور وأشعل النار وأقوم بكل الأعمال التي لا يمارسوها يوم السبت باعتبارها من المحظورات الدينية …كنت حينها صغيرا وكان اللعب يحرضني على النسيان أحيانا ولكن أمي التي كانت تربطها علاقة حميمة وجميلة بأم حياة ..تدعوني في الوقت المناسب وأنا العب مع أقراني بصوتها المجلجل (ولك يمه خو ما نسيت بيت ام حياة) ورغم الطيش الطفولي .. وإغراءات اللعب على روحي الدافقة بالطفولة . حينما اسمع صوت أمي ، ارمي كل مفردات وحاجات اللعب من يدي .سواء كان خرزا او غيره ..واركض بهمة إلى بيت ام حياة جارتنا اليهودية ..فاقوم بكل أعمال يوم السبت عوضا عنهم ..وهم بدورهم يغرقونني بالمحبة والجكليت والكيك والقبل….كانت هذه المحلة تضم المسلمين شيعة وسنة والمسيحيين واليهود والمندائيين تضم البصريين الاقحاح واهل الناصرية وميسان والموصل وسامراء والرمادي والكثير من الكرد .دون فرق أو تمييز .المعيار الوحيد كان هو الأخلاق فقط وليس الدين او المذهب او الطائفة …سكت قليلا ليغور في أعماق ذاكرته ..واسترسل كما قلت لك كان عبد المهدي المظفر المرجع الشيعي في البصرة قريبا جدا من بيت يهودي يعشق الغناء والطرب .وكان يجتمع في بيته الكثير من أصدقائه المسلمين والمسيحيين واليهود طبعا ليلة السبت..ويعقدون جلسات السمر …خمر وغناء وموسيقى ..وتظل المقامات العراقية تصدح وربما يصل صداها الى بيت الشيخ المظفر.. وربما تمتزج نغماتها بقراءة الشيخ للدعاء او القرآن ..ولكن لم يحدث في أي يوم من الأيام ان وجه الشيخ انتقادا او ملاحظة حول هذا الوضع …بل انا على يقين انه لو تطوع احد من ابناء المحلة ليقول ما لم يقله الشيخ حول جلسات السمر هذه لزعل المظفر وغضب ولما قبل بهذا قطعا…كانت المحلة مزدهرة بالتسامح والألفة ومعشوشبة بالاحترام والطيب والتعايش …ففي ايام محرم او عاشور يوزع المسلمون الهريس والطعام على الجميع دون استثناء وفي أعياد المسيح واليهود والصابئة يوزعون الحلوى والكليجه والرمان ..وغيره

وكان المسيحيون هم واليهود الطبقة الوسطى والقلب النابض للمدينة يشاركون بفعالية تامة في جميع الانشطة كالرياضة والتدريس والسياسة ..ففي الرياضة اتذكر يعقوب منشي والكثير غيره وفي الدراسة كان اغلب المعلمين والمدرسين من اليهود والمسيحيين ،اتذكر منهم ناجي ايليا واخاه، وفي السياسية اتذكر جميل نوري الذي كان كادرا متقدما في الحزب الشيوعي العراقي ..وفي وثبة كانون تبين ان اغلب المثقفين والمعلمين اليهود هم من اليساريين حيث ساندوا ودعموا الوثبة بقوة،….. وتوقف قليلا ليزفر بقوة قائلا… كانت علاقاتنا قوية ولم نكن نلمس فرقا أبدا فالمسيحيون واليهود في البصرة كانوا هادئين ومؤدبين ويشاركوننا كل ما نهتم به ..وقد تزوج أصدقاؤنا بمسيحيات ويهوديات دون مشاكل ،فضلا عن ذلك كان التجار اليهود في البصرة من أحسن التجار وأكثرهم تفاعلا ودعما للمجتمع وكانوا متسامحين في البيع والتسهيلات ..فانا شخصيا كنت اشتري كل ملابسي من تاجر يهودي في العشار اسمه مناحيم.. لجودة بضاعته ورخصها وتسامحه في عمليات الاستبدال إذا غير الزبون رأيه بعد أيام او حتى أسبوع واغلب أهل البصرة يتبضعون منه ..ولم أر بائعا مثله تستطيع ان ترجع البضاعة او تستبدلها بعد أيام او أسبوع دون مشاكل …ولعلي اشعر بالأسى الكبير لحد الآن على إعدام الشخصية البصرية التي كانت محبوبة جدا من قبل أهالي البصرة ذلك التاجر المعروف عدس ..الذي كان يملك ترخيص شركة فورد بالبصرة وورشة لتصليحها والتي يقع مكانها حاليا في المجمع التسويقي بالعشار ..اذا كان معرضه يزدحم بسيارات الفورد .وكان شباب البصرة من الموسرين يذهبون له بمجرد وجود كفيل يستطيعون الحصول على سيارة بالاقساط…ولقد عم الحزن الكثير من أهالي البصرة صبيحة إعدامه في مكان سينما الوطني الصيفي بمركز مدينة العشار عام 1948 بعد تفجير كنيس في بغداد وترويع اليهود وتلفيق تهمة راح ضحيتها اذ اشترى هو وعبد الهادي الجلبي والد احمد الجلبي السياسي المعروف حاليا مخلفات الجيش البريطاني بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وكانت التهمة الموجهة له انه كان يرسل مبالغ بيع المخلفات الحربية الى إسرائيل وفي الحقيقة حسب ما سمعت من مسؤول امني لاحقا ان التهمة ملفقة من الموساد الإسرائيلي لزرع الخوف والرعب في قلوب اليهود العراقيين للهجرة الى إسرائيل …لاقى إعدام عدس موجة من الاستنكار الخفي.. والضحك على هذه التهمة التي ألصقت به وهو إرسال المال الى إسرائيل..كما لا ننسى الشخصيات البصرية اليهودية البارزة داود جوري وبيت الريحاني والحاج جيتا الذي أعلن إسلامه باكرا لكنه اعدم في السبعينات بتهمة الجاسوسية …وعلى الرغم من الأواصر القوية في مجتمع البصرة بين جميع مكوناته بما فيهم اليهود والمسيحيون ، لكن مؤامرات الموساد والسلطات العميلة سعت الى تفريغ البصرة من اليهود فقامت بالتهجير القسري والقوة والملاحقة .ولقد قاوم يهود البصرة عمليات التهجير هذه بل كانت أشبه بالإعدام لهم ..ومنهم من هاجر الى ايران والكويت والبحرين ومنهم من اختفى عن انظار الحكومة ..إذ بعد سنين قابلت معلمي اليهودي في المرحلة الابتدائية وكان قد غدا طاعنا في السن ..وبادرته بالسؤال والسؤال ..تصورتك قد هاجرت يا أستاذ فرد علي بقناعة مطلقة أنا عراقي ولدت هنا وسأموت هنا …كان شيخنا المهيب ذا الذاكرة القوية ..يحتفظ بالكثير من الذكريات عن البصرة في تلك الأيام التي كان فيها الوطن يحتضن الجميع ولا يفرق بين أبنائه ..وكان الأبناء كلهم وعلى مختلف مشاربهم يقرون بهذا الحق والجميع يحترم الجميع ويتشاركون في السراء والضراء ..واقسم الشيخ بأنه لم يشهد في تلك الأيام أي صراع او تكريس أو تنابذ طائفي او تنافر ديني ومذهبي بل كنا على الأغلب لا نفكر في هذا على الإطلاق لم اكن اعرف أصدقائي إلى اي دين او مذهب او منطقة ينتمون الا في الأعياد او الأحزان..كانت البصرة عامرة بالكنائس فعلى ضفة واحدة من جسر الخندق كانت هناك ثلاث كنائس ..وكان الكنيس اليهودي وسط مدينة العشار وآخر في البصرة القديمة ومحلة نظران الشاخصة لحد الآن كانت تضم مئات العوائل اليهودية وطراز البناء فيها (الشناشيل) ينم عن ذلك، ولم يقتل مسيحي او يهودي او مندائي بسبب طائفته او دينه …قطعا لم تسمع البصرة بمثل هذا ابدا..وكانت محلتنا هذه نموذجا رائعا للتعايش والمحبة والوئام ..أتمنى لهذه الشابة المهاجرة من سهل نينوى أن تجد ملاذا في قلوب أهل محلتها كما كان في سابق عهدها . بعد ان روعها هؤلاء الظلاميون وسلبوا طمأنينتها وبيتها..وسكت وسرح في أفكاره ثانية وهو ينظر الى بيتهم القديم كأنه يتمثل صوت أمه الذي كانت تناديه ..كي لا ينسى القيام بخدمة جارتهم اليهودية فيهمس لنفسه (وليدي مو تنسه بيت أم حياة)..وتسقط دموعه دون حرج وبعاطفة جياشة لا تتناسب مع عمره الذي عاصر وسمع وعرف الكثير من المآسي.

لا تعليقات

اترك رد