الغاز القطري ينتصر على النفط السعودي

 

في آخر تطور في العلاقات الخليجية، قام امير قطر برفض دعوة عاهل السعودية لحضور قمة مجلس التعاون الخليجي في الرياض و التي عقدت في التاسع من ديسمبر الحالي.
و تعتبر هذه الخطوة خطوة فاصلة في الاحداث الجيو-سياسية العالمية، فهذا الرفض القطري يعبر عن حقيقة أن الغاز القطري قد انتصر على النفط السعودي.

الغاز الطبيعي شأنه شأن المواد الاحفورية الأخرى، تشكلت خلال ملايين السنين في الطبقات الجيلوجية في اماكن مختلفة من العالم. و يوجد في منطقة الخليج وفرة من تلك المواد الاحفورية بسبب تظافر الظروف الجيلوجية و الحياة البيئية في الحقب الزمنية ما قبل 250 مليون سنة و إلى يومنا هذا.

و شائت الأقدار أن تسكن بعض القبائل منطقة الخليج منذ قرنين من الزمن. و لقد كانت حياتهم صعبة لشحة الموارد الطبيعية مثل الماء و الأراضي الزراعية، و لكنهم مع ذلك تكيفوا مع الوضع و استقروا بمناطقهم المختلفة.
و مع ازدهار الثورة الصناعية بما فيها من تطور تقني و علمي، استطاع مهندسو الميكانيك ايجاد آليات تشغيل المحركات عن طريق حرق المواد النفطية و مشتقاتها بدل الفحم الحجري.
و ساند عملهم هذا علماء الجيلوجيا و ايضا أذناب الامبراطوريات الاستعمارية في اسقاع الأرض لكي يجدوا ضالتهم التي كانت تقبع تحت أرجل العرب في ارضهم القفراء و في خليجهم المزدحم.
و سبحان مغير الأحوال، فالأرض التي لم تكن تأتي بخير لأحد تحولت بين ليلة و ضحاها إلى خزينة كنوز لا حصر لها. و هنا كانت السعودية هي الأوفر حظا في حيازة كمية هائلة من احتياطي النفط. فتحولت حينها من ظلام كواليس التاريخ إلى منتصف المسرح حيث الاضواء و الصدارة في منطقة الشرق الأوسط و العالم الإسلامي (لأن الحرمين الشرفين موجدان داخل حدود المملكة) و حتى على النطاق العالمي. هنا تحولت السعودية و أفراد آل سعود من مجرد دولة قبلية إلى دولة ذات صدارة في صناعة الأحداث عن طريق المال بالدرجة الأولى و الدين المدعم بالمال بالدرجة الثانية. و لقد رأينا كيف أن دول المنطقة كانت تدور حول فلك السعودية بشكل مباشر و غير مباشر. و لقد رأينا ايام السعودية الذهبية، حيث أن المال السعودي كان يصل الى كل مكان و يفعل فعله و كم من تغير عالمي كان يستطيع ذلك المال صنعه.

لكن العالم تغير، فالبيئة أصبحت ذات أهمية عالية للدول المتقدمة بشعوبها المتحضرة، فالعالم الغربي صار يتصرف و يصنع قرارات باتجاه البيئة و ليس فقط الربح السريع. لذا فإن دول كثيرة صارت تسعى بشكل أساسي لتحويل انتاجها و استهلاكها من نمط يخرب البيئة إلى نمط لا يخرب البيئة. لذا فإن مسألة الطاقة البيئية النظيفة اصبحت من أولويات الدول المتقدمة. فصارت الدول الغربية المتقدمة تتسابق في ما بينها بعدد الأيام و الاسابيع التي تستطيع أن تزود حاجاتها من الطاقة عن طريق الشمس أو الرياح.
هذا التغير فرض نفسه على تقنية توليد و توزيع الطاقة (الكهربائية)، فالشمس و الرياح و مصادر الطاقة الأخرى النظيفة لا تكون محسوبة، بل تحتاج تلك الانظمة إلى انظمة مكملة، و أهمها مولدات الطاقة السريعة التي تعمل على الغاز الطبيعي، فتلك المولدات مهمة جدا لتأمين منسوب متوازن من الطاقة الكهربائية التي تولد من مصادر نظيفة مثل الشمس و الرياح.

هذا التغير ادى إلى تدني الطلب على النفط لأن الدول المستهلكة أصبحت تسعى إلى الطاقة النظيفة لأجل بيئة احسن و أيضا لأن الطاقة النظيفة تكون اكثر ربحا على المستوى الإقتصادي البعيد الأمد. في نفس الوقت بدأ الطلب على الغاز الطبيعي بالتزايد.

لذا فإن الغاز القطري بدأ يصبح أكثر رواجا من النفط السعودي، و هنا مربط الفرس.
نحن كشعوب و قادة لا نصنع الأحداث في الحقيقة، بل جل ما نكون هو اتخاذ موقع المفعول به في اطار التبادل التجاري لموارد طبيعية لم نصنعها بل شائت الاقدار أن تكون موجودة تحت الارض التي نعيش عليها.
فإلى متى سوف نظل في موقع المفعول به؟ ألم يحن الوقت لنبذ اوهامنا و العيش في ضوء الحقيقة؟
نفط او غاز، كل تلك هي أوهام، و ما تصادمنا في ما بيننا إلا لعب صبية صغار في ساحة العالم.

نفط او غاز، في يوم ما سوف تتطور التقنية ليستغنى عن كلاهما و في ذلك اليوم لن يكون لاحد في منطقة الشرق الأوسط أي حضوة و سوف تغلق الخزنة على الجميع. فيا حب ذا لو استيقضنا قبل ذلك اليوم.

لا تعليقات

اترك رد