في معنى العيد

 

“ولد بالجسد لكي تولد أنت ثانية حسب الرّوح. ولد من امرأة لكي تصير أنت ابناً لله.” (القدّيس يوحنّا فم الذّهب)

كلّما ازدادت مظاهر العيد متّخذة مساحة كبرى في حياتنا قلّت أهمّيّة العيد من حيث أنّه علاقة مع السّماء. وكلّما أدهشتنا الأضواء تباعد النّظر عن الدّاخل حيث يتوارى الرّبّ. إذا كان لا بدّ من مرحلة زمنيّة نعيّد فيها التّجسّد الإلهيّ فلتكن هذه المرحلة حاضنة لكلّ الحياة. وإلّا فليست سوى لحظات عابرة تتكرّر كأيّة لحظات أخرى. وإذا كان لا بدّ من فرح فليكن فرحاً إلهيّاً بحجم الّذي تجسّد من أجل أن يلقانا ويعيش معنا إلى الأبد.

كما نؤمن نعبّر عن فرحنا بالرّبّ الآتي. فإذا كان التّعبير خارجيّاً مرتبطاً بالظّاهر المادّي، تلازم والتّعبير عن الذّات الّتي لم تولد بعد بحسب الرّوح، لأنّها ما زالت مقيّدة بعبوديّة المادّة والاستهلاكيّة. وأمّا الغوص في الدّاخل، في عمق العمق، لقاء بالحبيب الإلهيّ، محور العيد. الولادة الثّانية بحسب الرّوح هي الولادة الأصل المحدّدة لسبب الحياة وهدفها. لذلك ما زال البعيدون يتخبّطون بين السّبب والهدف. الولادة الثّانية، لقاء حميم بالله ينمو بحسب الحبّ الّذي سكبه الله في الإنسان ويعرّف الإنسان على قدرته على الحبّ الحقيقيّ الّذي يرفعه إلى مستوى قيمته المقدّسة. ولا ينمو بحسب الحبّ البشريّ الّذي يقيّد التطلّع إلى فوق. “اهتمّوا بما فوق لا بما على الأرض”، يقول القدّيس بولس في رسالته إلى كولوسي (2:3). وهذا القول يشكّل مقياس ارتباطنا بالرّبّ ومقدار اهتمامنا بالاحتفال بميلاده. فهل اهتمامنا بما فوق، أم أنّه مشدود إلى أسفل، إلى كلّ ما هو فانٍ، إلى الهباء الّذي يستعبدنا والموت الرّوحي الّذي يداهمنا.

لا ريب في تعبير ظاهريّ عن الفرح بالعيد على ألّا يصل إلى حدّ الإفراط في التّعلّق المادّي والانشغال حدّ الهوس في المأكل والمشرب والهدايا والتّنافس على الاستهلاكيّة الماديّة. الشّوارع تصدح بالأغاني وتزدحم بالنّاس، والزّينة تبهر العين لكنّ القلوب فارغة إلّا من الضّجيج والضّوضاء.

المسيح الّذي أتى ويأتي وسوف يأتي، أخلى ذاته واتّخذ صورة العبد صار شبيهاً بالبشر وظهر في صورة الإنسان (فيليبي 7:2). ما يعني أنّه علينا أن نخلي ذواتنا لنتّخذ صورته وإلّا لن يتمّ لقاء حقيقيّ بين الحبيب والمحبوب، ويبقى هذا اللّقاء عند حدود الحبّ الكلاميّ لا الفعليّ المحقّق لحريّة الإنسان. وبقدر ما نغرق في

هذا الحبّ نحيا العيد الّذي يبدأ هنا ويكتمل هناك، مع الرّبّ. المسيح الآتي غير معنيّ بقيمة المادّة المستخدمة للاحتفال بقدومه بل هو معنيّ بقلوبنا المنفتحة على العشق الإلهيّ والمتشوّقة للقائه والهائمة في سجود عقليّ وروحيّ دائمين. من العسير أن نلقى المسيح في الضّجيج والأضواء المبهرة للعين الّتي تسرّب الظّلمة إلى القلوب. لذلك بات الإنسان يتساءل عن سبب عدم إحساسه بالعيد. فكيف يشعر بعيد غاب صاحبه عن القلب؟ وكيف يفرح بعيد إلهيّ ما لم يكن مولوداً من جديد؟ وكيف يدخل سرّ التّجسّد الإلهيّ ويفهم أهمّيّته ما لم يلتقِ بالمسيح الحيّ ويتواصل معه ويفهم لغته؟

العيد علاقة مع السّماء الّتي فينا. فرح لا يزول، جاء به المولود الإلهيّ الّذي أحبّنا أوّلاً ويشتاق لنحبّه بذات القدر. ما اختصره القدّيس يوحنا فم الذّهب في قوله “ولد بالجسد لكي تولد أنت ثانية حسب الرّوح. ولد من امرأة لكي تصير أنت ابناً لله.” الرّوح الإنسانيّة ليست شبحاً أو أمراً غامضاً غير مفهوم. إنّها الله في الإنسان (ونفخ فيه نسمة حياة). إنّها أنفاس الله في الإنسان ووصل الحبّ بين الله والإنسان. وبحسب هذه الرّوح تُعرَّف الحياة الإنسانيّة، وبحسبها يعي الإنسان الجانب الألوهيّ فيه فيدرك بنوّته لله.

التّجسّد الإلهيّ تجسُّدُ العشق. الإله العاشق للإنسان يشتاق للإنسانيّة العاشقة، ويأتي إليها ويمكث قربها حتّى المنتهى بحسب الحبّ قائلاً:

يا حبيبتي يا جميلتي تعالي
فالشّتاء عبر وولّى، والمطر فات وزال
الزّهور ظهرت في الأرض وآن أوان الغناء. صوت اليمامة في أرضنا يملأ المسامع
التّينة أنضجت ثمارها، والكروم أزهرت وفاحت. فقومي يا رفيقتي، ويا جميلتي تعالي. (نشيد الأنشاد 13،10:2)

فلنمضِ للقاء المحبوب الإلهيّ بقلوب أزهر فيها ربيع العشق، وأينعت فيها أزهار المحبّة الخالصة للمسيح الّذي يليق به المجد والإكرام الآن وكلّ أوان وإلى دهر الدّاهرين.

لا تعليقات

اترك رد