رحلة عشق عبر الوديان السبعة 7-5


 

السعادة إحدى سمات المؤمن الصادق، ولا يمكن الوصول إليها بمباهج الحياة وملذاتها لأنها مؤقتة قد تُـبْطِن لنا الحزن والأسى؛ والذين دخلوا وادي الاستغناء هم وحدهم عاشوا السعادة الحقّة حتى لو عجنتهم البلايا والمحن. ويتفضل حضرة بهاء الله أن السالك في وادي الاستغناء “يحرق حجبات الفقر وينتقل من الحزن إلى السرور ومن الغَمّ إلى الفرح ويتبدل انقباضه بالانبساط”.

تُـبْرِز حياة حضرة عبد البهاء المثل الأعلى لتعاليم حضرة بهاء الله، مثلاً وضّاءً لمعنى السعادة الحقيقية. فمنذ التاسعة من عمره كان شريك والده في البلايا والمصائب حيث أمضي أربعين سنة من حياته في عكاء سجين أعتى حاكمَيْن مستبدَيْن من الأتراك العثمانيين، ومع ذلك بقي في حلكة تلك السنوات المظلمة اكثر مرافقي والده بِشْراً وبشاشة يُغدِق محبته على كل من يلتقي به. وبعد بضع سنوات من إطلاق سراحه تفضل بالبيان التالي:

“الحرية ليست بالمكان بل حالة نفسية، كنت سعيداً في السجن لأني قضيت أيامي بالخدمة. فالسجن لي كان حرية والمصائب راحة والموت حياة والذِلّة عزّة ولذلك غمرتني السعادة وقت السجن، فالنفس البشرية أعظم سجن؛ فإذا تحرر الإنسان من ربقتها عاش في حريةٍ تامةٍ ولن يكون بعدها إنسان مسجونا؛ وما لم يواجه الإنسان تلك التقلبات المؤلمة بالرضا والاطمئنان بدل الكآبة والإذعان لن يستطيع الفوز بالحرية”.

5- وادي الاستغناء :

فاذا بلغ السالك في معارج هذه السفرة العليا ورد مدينة الاستغناء، فاستشعر في هذا الوادي نسائم الاستغناء الإلهية التي تهب من ولائج الروح، وحرق حجب الفقر واستجلى ببصيرته وبصره في عالم الغيب والشهادة قوله : ” يوم يغني الله كلا من سعته” فينقلب ترحه سرورا وغمه حبورا ويتبدل ضيقه سعه وعسره يسرا.

ومع أن مسافري هذا الوادي يفترشون التراب في الظاهر الا انهم في الباطن يتكئون على رفرف المعاني ويرزقون من النعم الابدية المعنوية ويشربون من لطيف الرحيق الروحاني.

ما أعجز اللسان إن يفصل هذه الوديان الثلاثة معا أعني بيان القلم أن يلج هذا المقام فلا يثمر مداده الا سوادا، إن بلبل القلب في هذه المقامات لها أسرار ومقاصد أخرى بحيث تأخذ بمجامع القلب و تفتن الروح ولكن اسرار هذه المعاني يجب إن تقال من قلب إلى قلب و أ، تسلم من صدر لصدر.

يمكن شرح حال العارفين قلبا لقلب
فليس هذا منهج القاصد ولا هذا حد المكتوب
واسكت عجزا عن امور كثيرة
بنطقي لن تحصى ولوقلت قلّت

يا رفيقي : ما لم تصل إلى حديقة هذه المعاني لن تحتسي من الخمر الباقي لهذا الوادي ، فإذا احتسيت ستغمض الطرف عما سواه وتتجرع من خمر الاستغناء وتنقطع عن الكل وتتصل به، وتضحي بنفسك في سبيله ، رغم انه لا يوجد سواه كي تغض الطرف عنه ( كان الله ولم يكن معه من شيء) لأن السالك في هذا المقام يرى جمال المحبوب في كل شيء فيرى في النار وجه الخليل وفي المجاز رمز الحقيقة وفي الصفات يشاهد سر الهوية ذلك بأنه يشق الأستار بآهة واحده، ويهتك الحجب بلمحة بصر ، فيبصر الصنع الجديد بالبصر الحديد ، ويدرك الأثر الدقيق بالقلب الرقيق ، مصداقا لقوله ” وجعلنا اليوم بصرك حديدا”.

ونتابع معاً في القادم الوادي السادس وادي الحيرة……

لا تعليقات

اترك رد