أجنحة السرد المحلّقة – دراسة نقدية في نصوص قصصية


 

شموس أدبية أطلت بأقلامها في سماء مسابقة “واحة الأدب” للقصة القصيرة بالكويت في دورتها العاشرة2018م ، فأسفرت عن مراكز عشرة فائزة سطعت ليزداد بهاؤها ، واكتسبنا من خلالها أقلاما واعدة ، ومواهب متميزة ، ومستقبلا مبشرا .

وبالنظر النقدي للقصص الفائزة عن كثب ؛ نتبين سمات وملامح ، ودلالات ورؤى ، وجماليات وأبنية ، وأساليب ورموزا ، وهو ما سنسلط عليه الضوء في هذه الدراسة النقدية .

(1)
قصة “طريد البؤس” للقاص عبد الباسط واكية من سوريا تناقش مشكلة فيصلية تمس جميع المجتمعات المعاصرة، ألا وهي: التفكك الأسري وما ينجم عنه من تبعات. وإن حاول القاص إضافة أبعاد أخرى للقصة مثل إثارة قضايا إدمان المخدرات والكحوليات، والفقر، وتزايد العنف داخل المجتمع، والعنف الأسري، وإساءة معاملة الأطفال، وعنف الأزواج إزاء زوجاتهم؛ وجميعها من قضايا الساعة التي استطاع القاص وببراعة أن يجمعها وبإيجاز في غمار عمل واحد: تارة بالإشارة لها ضمناً، وتارة أخرى ببسط كلمات أو سطور لها . وتجلت موهبة القاص في هذا الشأن عندما جعل من تلك القضايا التي ذكرها باقتضاب شديد أداة لتعميق الفكرة الرئيسية التي يلح عليها؛ ألا وهي: مصير الطفل ضحية العنف والتفكك الأسري وخاصة إذا يترك المنزل وفضل حياة التشرد.

وتبسط أحداث القصة مراحل في حياة طفل صغير انفصل والداه بسبب العنف المبرح الذي يغدقه الزوج على زوجه دون سبب، أضف إلى ذلك سوء أخلاق الزوج، والتي كما تشير القصة مبعثها إدمان الكحوليات. ولكن بعد أن انفصال زوجه عنه يصير الطفل هو البديل الذي يصب عليه الأب جام عنفه؛ مما يدفع الطفل للهروب من المنزل الذي لا يأويه ولا يحميه ولا يجد فيه ما يسد جوعه ليبدأ رحلة جديدة من حياة التشرد في الشوارع، فلا مكان حنوناً عليه أكثر من مكبات النفاية.

امتاز القاص عند صياغته هذه القصة بسرد الأحداث بطريقة مكثفة زانتها لغة رائعة موجزة واستعارية؛ مما أضفى على القصة عمق ينعش الذاكرة لأن الصورة تفضي بما حذفه القاص عند التكثيف. فمثلا، هناك بضع من الصور التي وصل بها القاص لأعماق السرد، مثل: “وأنا أجلس في زاوية الغرفة كأرنب مذعور” ويدل التشبيه على الطفولة المعذبة التي يعاني منها الراوي، و كذلك ” لم أجد شرنقتي، أقصد الكرتونة” ويعبر بها عن أن بعد اختيار الطفل حياة التشرد يتحول لدودة قد يراها البعض مقززة لكن في جوهرها شئ نفيس فهو كدودة الحرير التي إذا اعطيت العناية الكافية صنعت أجود أنواع الحرير وتحولت في نهاية المآل لفراشة بديعة الألوان، وألح القاص على هذه الفكرة ليوضح أن هناك العديد من الأطفال الذين يعانون من نفس المشكلة عندما ضمن صورة أطفال آخرين في نفس المشهد السردي. ولم تقتصر اللغة على الاستعارات فقط، فهناك بضع التعبيرات التي بذكرها تحكي حكايات أخرى يسرح فيها القارئ ويفسرها حسب مفاهيمه وقناعاته. فعلى سبيل المثال، عند تصوير البيئة التي يحيا بها الطفل الصغير ومن يراه من جيران، ذكر القاص في مستهل القصة ” وكيف تُشجّ الرّؤوس وتكسّر الأسنان والأيدي في العراك من أجل طير حمام” بلغة شعرية موزونة ليؤكد أن البيئة التي نشأ بها الطفل ليست بالصالحة ولا القادرة أن تصير مثلاً أعلى لتهذيب الأخلاق وغرس القيم الحميدة؛ بل على النقيض فإن التفاهة والبطالة وتفشي العنف صارت من أهم سمات رجال ذلك الحي، وهناك أيضاً تعبير ” وذات جوع” الذي يدل على تعدد نوبات جوع الصبي التي أصبحت لا تعد ولا تحصى كالأيام القاسية التي يعيشها. واعتقد أن سلامة لغة القاص وعمقها هي ما تستحق المركز الأول.

وقد استطاع القاص أن يرسم الشخوص ببراعة بلغته التصويرية الجمالية، فأضحينا نرى سكان الحارة، ونتصور الأب، ونرافق الطفل وتطورات حياته بدءاً من وجوده بالمنزل وقتما كان يشهد عنف الأب حتى انغمس في حياة التشرد وابتدأت رحلته في التنقل من مكان لآخر. ولم يترك القاص أيضا شخصية الأم، فبالرغم من أنه قد أتى على ذكرها بعبارات وجيزة مقتضبة، لكن بات القارئ يعي الكثير عن ماضيها وحاضرها وتوجهاتها الفكرية.

الجميل أن القاص اختار سرد القصة بضمير المتكلم ليجعل منها مذكرات حية لطفل اختار حياة التشرد، وغلب على القصة الطابع الميلودرامي الشديد الذي يبغي ويلح على جذب انتباه القارئ وإثارة شفقته، مما أوقع القاص في براثن السرد الدرامي العاطفي (Sentimentalism) وهو لون درامي عتيق مما يجل القاص غير مجدد في بناءه السردي. أضف إلى ذلك، وقع القاص في فخ الأسلوب الخطابي المباشر لعدة مرات مما أفقد القصة عنصر التشويق وجعل القارئ يتوقع الأحداث القادمة.

وآمل أن يتدارك القاص ذلك، ومن ثم سيصل لأعلى المراتب السردية.

(2)
قصة “قبضة وطن” للقاص حسان عبد القادر الشامي، وهو سوري مقيم في ليبيا يتضح من أحداثها أن القاص يعكس واقعاً يحياه جميع أبناء الوطن العربي ممن تهدمت منازلهم وآمالهم بانهيار النظم السياسية بعد ما يسمى بـ “الربيع العربي” الذي تلاه فوضى عارمة صار بعدها أبناء الطبقة الوسطى يعانون من التشرد في المخيمات والشوارع، وذلك بالفعل ما حدث مع بطلة القصة التي كانت مدرسة لكنها الآن لا تملك قوت يومها هي وأبناءها وزوجها الذي أصابه العجز. القصة يغلب عليها مسحة المرارة، ولقد أكد القاص ذلك بلغته السردية الساخرة وانعكس ذلك على عنوان القصة حيث إن معناها لا يدل على أن الوطن يقبض على زمام الأمور بل هو دال على العكس.

لقد حاول القاص ربط الأحداث قدر استطاعته في بنائه السردي الذي جاء غنياً بالأحداث وجميعها تلح على فكرة اليأس الشديد، و شددت نهاية القصة على ذلك التي صورت الطفلة الرضيعة وقد سلب حقها في أن يكون لديها قرط يميزها ويخصها لأن الأم قررت بيعه لتوفير الطعام ؛ ففارقت الطفلة الحياة جوعاً وقهراً؛ مما يؤكد أن ضحايا الصراعات والحروب هم الأجيال القادمة.

(3)
قصة “لا وقت للحزن” للقاصة المصرية شاهيناز محمد الفقي قصة محكمة السرد والبناء ومترابطة الأحداث أرادت فيها القاصة أن تفضي بشجونها، فاتبعت تقنية المونولوج الدرامي الذي يمكّنها من الإفضاء بمكنونات قلبها بأريحية ودون تحفظ، فالقصة تحكي قصة أنثى قد تكون الابنة الكبرى أو الأخت أو حتى الجارة أو الصديقة فجأة وجدت أنه قد استودعت تربية ثلاثة أطفال احداهما رضيعة، وتمر السنون وتنسى تلك الأنثى نفسها وحياتها لأنها صارت الأم البديلة ولا وقت لديها حتى للنظر لصور الأم الراحلة أو حتى الابتسام حيث إنها قد كرست حياتها لرعاية الأطفال. وحتى نهاية القصة لم تفصح القاصة عن شخصية بطلة القصة تاركة القارئ يحاول التكهن بمنزلتها؛ مما يطرح تساؤلاً ملحا عما إذا كانت الابنة الكبرى أم شقيقة المتوفاة أم الجارة أم الصديقة. وبالرغم من أن القصة تقليدية لكن القاصة تناولتها ببراعة، واستطاعت أن تلفت نظر القارئ للأحداث بالرغم من أن لا جديد فيها. وكان دوماً عنصر التشويق الجاذب هو محاولة القارئ أن يكشف النقاب عن شخصية تلك الأنثى التي تبوأت مكانة الأم دون أدنى إشارة نستطيع منها الكشف عن عمرها، أو حالتها الاجتماعية، أو حتى ملامحها.

وفي استخدام تقنية المونولوج الدرامي مكن الراوية من أن تطيل مدى زمن الحكي باستخدام أسلوب استرجاع الأحداث أو الفلاش باك، وفي نفس الوقت تجعل القارئ يعي أنها تقف عند نقطة زمنية محددة، ولربما كانت تلازم مكان واحد. ولم يكسر استرسال الراوية في حكايتها إلا الحديث المقتضب ( الديالوج ) الذي جاء في نهاية القصة ليوضح أنه حتى عالم الحكي لم يصبح لها، وأن وقتها لن يكون أبداً ملكها؛ فلقد حرمت للأبد من الخصوصية ، ووجود وقت مخصص لها وحدها حتى يمكنها حتى ولو تعبر عن بثها وحزنها، ومن ثم جاءت خاتمة القصة معبرة عن اسمها الذي هو “لا وقت للحزن”.

(4)
قصة “سي السيد” للقاص المصري أحمد توفيق محمد علي، وعنوان القصة شبه دال على محتواها: وجود شخصية الزوج المتنمر الشهير”سي السيد” كما ورد في ثلاثية نجيب محفوظ، وبالتالي يجب أن تتواجد بالتبعية شخصية “الست أمينة”. وتناقش القصة بشكل درامي ساخر مشكلة الإحباط في الحياة الزوجية. ولكن محاولة التجديد من قبل القاص هي إصراره أن يصدم القارئ في نهاية القصة بحادثة غير متوقعة؛ حيث تبدأ القصة بمشهد عاطفي ساخن بين رجل وامرأة يعمه الحب والحميمية لكن يرتطم القارئ بالواقع عندما يعلم في نهاية القصة أن هذا المشهد الجميل ما هو إلا مشهد في رواية تعرض على شاشة التلفاز تشاهدها امرأة تقهرها غلظة زوجها كما يتضح من مشهد النهاية.

وعلى الرغم من أن الحبكة تعد موضوع الساعة لكن البناء السردي جاء مجدداً وأضفى عمقا للقصة من خلال لجوء القاص لأسلوب المفارقة الدرامية والعمد للمقارنة الضمنية لنقل الشعور بالإحباط للقارئ، وكذلك ليشغل ذهن القارئ للتفكير مرة أخرى في أحداث هذه القصة وإعادة تقييم المفاهيم التي تولدت لديه عند قراءة النص للوهلة الأولى قبل حادثة ظهور الزوج الحقيقي. ولقد تعمد القاص أسلوب المفارقة بدءاً من عنوان القصة “سي السيد” الذي جعل القارئ بعده يصدم من عدم وجود أي “سي سيد” بل زوج محب لزوجته، لكن أيضاً يجد القارئ نفسه أمام مفارقة أخرى بعد مشهد النهاية التي يطل فيها “سي السيد” بوجهه الحقيقي ليعكر صفو المشهد العاطفي الرومانسي الملتهب، مما يحبط القارئ مرة أخرى ويجعله هذه المرة يفكر في طبيعة العلاقة الزوجية. وبالرغم من أن القصة نسوية النزعة إلا أنها تحاول إلقاء الضوء على بضع السلبيات في العلاقة الزوجية.

وبنهاية القصة يجد القارئ نفسه أمام مفارقة كبرى وهي عدم معرفة إلى أي عصر قد ينتمي الزوجان، فاسم الزوج “سي السيد” والزوجة خانعة مثل “الست أمينة”، أضف إلى ذلك يناديها الزوج بلفظ “يا امرأة” لكن وجود التلفاز يجعل القارئ منتبها إلى أننا أمام قصة تنتمي للعصر الحديث لكن الزوج متحجر.

(5)
قصة “خِلافةٌ مُبَكِرةٌ” للقاص العراقي أحمد مهدي التي تصور مشهداً دراميأً عاطفياً متكامل لمشهد صار واقع في العديد من الدول العربية التي أعياها العنف والإرهاب. والعنوان دال لفحوى القصة ألا وهي كيف يرقى صغير قبيل الآوان لاعتلاء مكانة ربما قد خطط أن يتبوأها لاحقاً بعد سنوات بعيدة. وانبلج هذا المفهوم برسم مشهد لطفل صغير ينخرط في المرح مع أقرانه لكن يسترعيه صوت عويل أمه وكأنها تناديه لأن يفيق من حلم الطفولة على كابوس الواقع الذي قتل فيه الإرهاب والده وترك أمه بلا زوج، أو حامٍ خلا من طفل صغير مذعور قد كتب عليه تولي المسئولية وهو لا يدري إن كان قادراً على تحملها.

يتميز أسلوب القاص في هذه القصة بالسرد الرومانسي والعمد للمشهدية، ولقد حاول القاص ألا يفلت الخط الدرامي منه . أضف إلى ذلك، فبالرغم من أن زمن الحكي قد يبدو قصيراً جداً؛ حيث إن المشهد في الواقع قد يكون خاطفاً فهو يدور بين واقعة القتل وكيف يهرع الطفل لمشاهدة الأب القتيل ليشهد عويل أمه الثكلى وهي أحداث قد تدور على أرض الواقع في أقل من دقيقة واحدة، لكن يشعر القارئ أنه يشهد زمناً أكبر مع هذا الطفل؛ حيث يتولد لدى القارئ الشعور بأنه يعرف الطفل الصغير منذ أن كان يحظى بطفولته البريئة، كما أنه عاصره بعد أن تولى خلافة المنزل بعد الأب.

واستطاع القاص أن يمد زمن الحكي من خلال تكرار بضع العبارات لمقارنة حال الطفل فيما قبل مشهد القتل وفيما بعد توليه خلافة المنزل. فعلى سبيل المثال، جاء أسلوب المقارنة بذكر القاص لفظ “عيناهُ اعتادت لغةَ الأرضِ” ليدل على أن الطفل الصغير يمرح على الأرض مع أقرانه، ولكن في نهاية القصة يكرر القاص نفس العبارة ولكن بطريقة أخرى ” ليَتقدم بعدها بخطىً لا تناسبُ أعوامه الأربعةَ واضعاً عجيزتهُ الصغيرة على الأرضِ الصلبةِ بدلاً من رأس أبيه المدمى” ليوضح أن طفولته قد أصابها عجز مبكر قد أفقدها القدرة على المواصلة وأن عليه الآن أن يتبوأ مكان أبيه ، أو “رأس أبيه” كما ذكر القاص. وبنفس الطريقة يصور القاص في بداية القصة أوقات اليوم الخمس التي تنقلب جمعاء إلى أوقات لعب ومرح بقوله ” لا يَعْرِفُ في يومه غيرَ الأوقات الخمسة يجتمعُ مع الأكثرية “، لكن في نهاية القصة يذكرها مرة أخرى “فَيَسقط نهاره بينَ خَمسِ أوقات ينادي بها نحوَ عليٍّ قديرٍ محرر الدماء وخارس النحب”. ولجوء

القاص لهذا الأسلوب جعل حبكة القصة تخرج من الإطار الميلودرامي وتنقلها للأسلوب الرومانسي الذي حاول القاص أن يعبر عنه بتكرار الصور البلاغية، وبجعل الطبيعة عنصر أساسي من عناصر القصة وكأنها شاهد على واقعة اغتصاب حياة الأب من قبل الإرهاب، وإهدار دم الطفولة البريئة على رمال الواقع الأجدب.

المقال السابقفلسفة الأصول التاريخية للحضارات
المقال التالىبين إنانا وتموز
الاسم: نعيمة على عبد الجواد الجنسية: مصرية بريد الكترونى: n_gawad@hotmail.com المؤهــــــلات: - ليسانس ألسن – قسم اللغة الانجليزية – كلية الألسن- جامعة عين شمس- عام 1994 - تمهيدى ماجيستير كلية الألسن- جامعة عين شمس – عام 1995 - ماجيستير فى الأدب الأمريكى من كلية الألسن – جامعة عين شمس- ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد