رسالة من الماضي الديني إلى العرب والمسلمين في عام 2019


 

بينما كنت أرتب مكتبتي الصغيرة ذات مساء ممطر، وبين إنشغالي بالتنظيف والترتيب وقعت رسالة مختومة من أحد الكتب القديمة، فالتقطتها مستغربا من وجودها وعلة ما فيها. لكن لم يطل انتظاري كثيرا بعد أن تفحصتها، فلا عنوان فيها ولا مستلم ولا تاريخ ما عدا عنوانها الذي أحببت أن اشارككم به كمقال في نهاية عام 2018 وبداية عام 2019 والذي اتمنى أن يكون عاما سعيدا للجميع يملؤه الفرح والحب والسلام والإنجاز. والآن لنقرأ ما وجدته في تلك الرسالة المهمة الموجهة لكل عربي ومسلم.

في كل الحضارات ولدى كل الأمم، يكون الماضي دروسا وعبر، عظات وتجارب، أحلام وتاريخ. فكيف لي آراكم اليوم وقد احتواكم الماضي حتى أعمى عقولكم وقلوبكم. ولماذا تريدون اعادة انتاجه بكل تفاصيله وسلوكه وأخلاقه. بل لماذا يكون الماضي في مناهجكم التعليمية وفي حياتكم الاجتماعية وفي تعاملاتكم السياسية حاضرا بقوة ومؤثرا على واقعكم ومعطلا لمستقبلكم؟.. ألم تتقدم الأمم في عالمكم اليوم نحو المستقبل؟. ألم تروا لديهم أن الماضي خلاصة للتجارب القديمة وليس للإستنساخ وتكرار المحاولة؟. ألم تروا اين وصلوا بمخترعاتهم الطبية والتكنولوجية والعلمية؟. ألم تشاهدوا على شاشاتكم الالكترونية التى صنعوها هم وصولهم الي المريخ وعلاجاتهم للمرضى بالأبعاد الثلاثية وتكنولوجيا النانو؟. ألم تروا أين وصلت بهم المدنية والديمقراطية والحريات والعلمانية؟. بل ألم تشهدوا بأنهم قد تخلصوا من عبء ماضيهم ومن سجون ماضيهم ومن أشخاص ماضيهم كما يعلنون هذا في كتبهم ومحاضراتهم؟. هم لا يحتقرون ماضيهم، ولكن أيضا لم يتوقفوا عنده، ولم ينادوا به كأفضل العصور. ولم يتقاتلوا من أجله كما تفعلون انتم منذ مئات السنين والي اليوم.

فأنا هنا ماضيكم الديني أشعر بأنني مازلت حيا وكامنا في حركاتكم وعداواتكم وكراهيتكم لبعضكم البعض بسبب أحاديث النبي محمد وأخطاء التراث والفقه وصراع الصحابة ونفوذ السلطة والغنائم وعجز التقدم الفكري وفشل التنوير في مجتمعاتكم. أنا اليوم لا أعلم إن كنت سأبقي أم سأرحل معززا مكرما مثل غيري كي أراكم تفخرون بي وتحترمون مكانتي التاريخية دون أن أتواجد بينكم، فتواجدي اليوم لم يقدم الكثير لكم ولم يساهم في حل مشكلات الفقر والجهل والاستبداد والمرض. أنا لا أملك عصا سحرية حتى أحل لكم هذه المشكلات، ولا يوجد في كتبي الدينية وتفسيرات الفقهاء ونصوص السماء ما يدفعنى حتى أتواجد وأكون فاعلا. أنا يا قومي مجرد تاريخ وذكرى وأخطاء، فحالي مثل حالات كل ماضي، به الجيد وبه السيئ وبه الفشل وبه الموت والدمار. في الحقيقة لم أعد أعلم ماذا سوف أضيف لكم بعد اليوم؟. وماذا سوف تتعلمون منى بعد أن تواجدت قبل 1400 سنة مع قوم وجدوا فرصتهم في تراثي ونصوصي المقدسة كي يقدموا ما يعتقدون بأنه الأفضل، وأكاد أجزم بأنهم لو خرجوا اليوم من قبورهم لقالوا لكم كفى وكفى وكفى فلا داعي لنا بكم لتلتصقون بنا وتحملوننا فشل أنفسكم ومجتمعاتكم في التطور بعبارة “سوء تطبيق الدين”، فالتطور نتاج العمل والابداع والانتاج والتفكير والحريات، وهذا مالم تقدموه اليوم لأجيالكم ولمجتمعاتكم. فما زلتم رعايا عاجزين وغير قادرين على استيعاب وفهم معنى الحرية والديمقراطية والمسؤولية والمساواة. فما زلتم تفكرون بعقلية القبيلة وفهم الطائفية ومصلحة الحكام. أنتم الي اليوم لا تحاكمون حكامكم ولا تحترمون القانون ولا تؤدون واجباتكم الأخلاقية. أنتم الي اليوم تعيشون النفاق وتتلونون مثل الحرباء من أجل مصالحكم وغاياتكم الشخصية. وما الدين في أنفسكم ومجتمعاتكم الا وسيلة للكذب والرياء وزيادة الأموال. نحن نعلم ماذا فعل بكم رجال الدين، ولكننا نعتب عليكم أنتم لا عليهم. فمن يجد الخراف مستمعة ومصدقة ومؤمنة ومستمتعة لما تواجد الذئاب ولما تكاثر تجار الدين والخلفاء.

ما أقسى ما أنتم فيه، وما أبشع ما ينتظركم في المستقبل، فأنا الماضي لا أقرأ الطالع ولا أضرب الودع ولا أتعامل مع الجن والعفاريت والملائكة، ولكنني اعيش مع كتب الماضي، مع كل الأمم وأستنتج دائما أي أمة سوف تفشل وأي أمة سوف تتقدم.
لقد عاصرت فلسفات اليونان والأغريق والطليان والثورة الفرنسية العظيمة، لقد قرأت كتب فلاسفة التنوير والنهضة، لقد شهدت انهزام اليابان وألمانيا والحروب العالمية وظهور اسرائيل. لكنني أيقنت تماما بأنها أمم سوف تنهض وشعوب سوف تتقدم لانها تعاملت مع عقلها وعلمها وأطفالها بمنطق الاعتراف بالخطأ وليس التمسك بما كانوا عليه من قوة. تلك الأمم لم تبكي على الأطلال ولم تقصر ملابسها وتطيل لحاها حتى تحترم موتاها. بل اتخذوا العلم سبيلا والأخلاق رافعة والفلسفة طريقا. تلك الأمم والشعوب لم تتوقف وتلطم وتحتفل بالموتي وتتبرك بالقبور وتتقاتل على الحلال والحرام وتطبيق الشريعة. تلك الأمم عملت حتى أرتقت وانتجت حتى أبدعت. فماذا أنتم فاعلون أمام هذا العالم المتقدم؟. وكيف سوف تنتصرون عليهم بالعلم والتكنولوجيا والمعرفة، بينما كل ما تملكون هو الدعاء والتعصب والتطرف وقتل الآخر المختلف؟؟.. ما أمامكم هو مستقبل مظلم وطريق موحش وعجز دائم. فهكذا أرى واقعكم اليوم، فأنتم لم تتغيروا البتة سوى في شكلكم الخارجي، في ملابسكم وأجهزتكم ووسائل نقلكم. فقد امتلكتم الأموال بدون عقل وامتلكتم النفط والموارد دون أن تعملوا على صناعتها. بينما ظلت عقولكم وأخلاقكم ونفسياتكم كما كانت عليه قبل سنوات وقرون طويلة حيث يملؤها التعصب ويطغى عليها بؤس العادات والتقاليد البالية. فمازلتم تقتلون المرأة لمجرد انها عورة تمثل شرفكم الناقص إذا ما تعدت حدودكم المقيتة، وما زلتم أسرى المذهبيات والطائفية والفئوية. فلم تغيركم الحداثة الا في أسوأ صورة وأحط شكلا ومضمونا. فتعسا لهكذا أمة لا تعرف للتقدم طريقا ولا للديمقراطية والحريات وسيلة للحكم والعزة والكرامة.

بعد أيام سوف تدخلون في عام جديد وسنة ميلادية جديدة جميلة وهي 2019 وكل ما تفعلون في بدايتها هو الاختلاف حول مشروعية الاحتفال أم كراهية الاحتفال أو تحريم الاحتفال. فإذا كانت هكذا بدايات تفكيركم في كل عام فلا طبنا ولا غدا الشر. في كل عام أرى أنا الماضي الديني كم أنتم بؤساء في التفكير، وكيف أن الفراغ والجهل والتخلف الذي تعيشون فيه لا ينتج لكم سوى أسئلة ساذجة وأطروحات عقيمة لم تؤدى بأصحابها الا بمزيد من التخلف والرثاثة، فكما تعلمون، وأشك أن غالبيتكم تصم آذانها، بأن ما تعيشون فيه اليوم من تخلف وفساد ووصاية باسم الدين كان يعيش فيه نفسكم تماما تلك الشعوب العلمانية المتقدمة اليوم، ولكنهم تجاوزا تلك الثقافة وأعادوا للدين وضعه الطبيعي ومكانته الخاصة كعلاقة فردية للإنسان دون أن يطغى في المجتمع والسياسة. فأرجوكم وأنتم تقرأون رسالتى أن تبتعدوا عن الطائفية والقبلية والإسلام السياسي وتجار الدين والحركات الاسلامية، فتلك المجموعات لم تؤدى دورها في مجتمعاتكم الا بإراقة الدماء ونشر الفتنة وتعظيم التواكل والغيبيات ومحاربة الحريات والديمقراطية، تلك المجموعات تريد لكم الشر والدمار على حساب مصالحها الشخصية، تلك المجموعات تتحالف مع الحكام الفاسدين وأصحاب النفوذ لانهم من يحمونهم منكم، من وعيكم يخافون، ومن ثورتكم يخشون، ومن عقولكم يرتعدون. فلا تعطوهم الفرصة ولا تتنازلوا عن حقوقكم وإرادتكم وحرياتكم، فإن فعلتم هذا فإنني أخشى عليكم الاستمرار تحت سلطة القمع والجهل الي مالا نهاية.

كم أحلم أنا الماضي الديني بأن تصلني أصوات احتفالاتكم بالعام الجديد، وكم يسعدني حقا أن أرى في مكتبة الماضي قدومكم لوضع كتب التفسير والتراث والفقه الديني في أماكنها في المكتبة، وأن أجدكم تسارعون الخطى لأخذ كتب العلم والفلسفة والأخلاق والاقتصاد والنقد والقانون، تقرؤونها بنهم، تعلمونها لأطفالكم، ترتقون بها ومعها بمجتمعاتكم. فالبدايات صعبة دائما ولكنها ليست مستحيلة. ولعلني بعد هذا أغادركم بلا رجعة وأكون مجرد ذكرى في تاريخكم، تحكون لأطفالكم كيف أن الماضي الديني كان بمثابة الحل السحري لتقدمنا الي المستقبل حينما انفصلنا عن أحماله وحمولاته ومقولاته ووثوقياته، فالزمن كفيل بأن يجعلنا أقوى حينما نأخذ بأسباب التقدم، والتجارب دائما ما تعلمنا الصواب والخطأ، والحياة تستمر دائما مع أفراد يعيشون اللحظة ويفكرون بعقلانية ويحترمون ماضيهم باعتباره ماض يسكن في التاريخ وليس في العقول.

انتهت رسالة الماضي الديني الي العرب والمسلمين هنا، وها أنا مثلكم أفكر في كلماتها، وأتسائل عن جدواها ومعانيها، وأنتظر العام الجديد لعله يكون أكثر عقلانية وتدبر وثورة اصلاحية. وأتمنى أيضا أن نفهم واقعنا، ومآلات مستقبلنا، حتى نكون أكثر قدرة على الإحتفال بالعام الجديد مع أحباؤنا ونحن منتصرون على الجهل والرجعية وظلام الماضي.

لا تعليقات

اترك رد