رواية حسن متعب (شجرة المر) قراءة تمهيدية أولى

 

مقتبس من المعالجة:”شجرة المر عنوان من نبع القضية العراقية يتحدث بأدوات تعبير جمالي أدبي مسبوكة كصياغة الحلى الذهبية مع أنها تعالج أوضاعاً تراجيدية بالغة الحزن والفجيعة. إنها قطعة تنويرية بمساريها التعبيري الجمالي والمضموني الموضوعي.. نداء لاستحقاق أن نتوقف مرات ومرات أمامها. فهلا تنبهنا عليها!؟”

الواقع الإنساني ومجريات ولادة وعي البشرية، أفضت إلى خط موازٍ تجسد بولادة التعبير الجمالي الأدبي.. وقد كان ذياك التعبير مؤتلفاً مع كل مرحلة تطور للعقل البشري ومنجزه بوساطة (شكل) تعبيري بعينه. وبشأن الأدب فإنَّ اشكالا ثلاثة عامة غنية المضمون هي التي شخصّها غوتة عندما حصرها بثلاثية: الأدبين الملحمي والدرامي وبالشعر الغنائي؛ تلك التي أفرزت أيضاً أجناساً واصنافاً أخرى وحتى الأعمال ذات التفرد المخصوص، لكن من دون التوقف كثيراً عند حالات ظهرت ويمكن أن تظهر لاحقا كذلك بخلطو من بين الأجناس والأنواع الأدبية، الأمر الذي لا تقبل ثباته واستقراره نوعياً صنفياً الدراسات التاريخية النظرية للأدب..

ما يثبت هنا هو العلاقة الجدلية بين الحياة في الواقع المعاش والحياة في الأدب بطريقة تمنحنا فرص التعامل مع المنجز بشروط الواقع الإنساني؛ وهنا تظهر قراءتان نقديتان واحدة تستطلع الجمالي في اكتناه الحقيقة بلغة الأدب ومضمون أشكاله وأخرى تزدري المنجز من اشتراطات نقدية وًلِدت في مجتمعات أخرى بسلامة محددات العلاقة بين ذاك الواقع ومنجز الشكل الأدبي هناك. فكل ما أراد نصٌ أدبي التعبير عنه وأوصله بدلالاته، هو المضمون الذي ظهر بشكل تعبيري بعينه هو النوع الأدبي المخصوص..

نحن لا نأتي بمعاييرنا الخارجية وبمسطرة النقد وقوالبه لكي نضع العمل الأدبي تحتها؛ فنصف كل ما يخرج على تلك المقاييس بأنه زيادة من مثالب ونواقص وهفوات. بخلاف ذلك فإن ما يصلنا هو المضمون المحدِّد للبنية وقوانينها فإنْ تفرَّدت وجدنا لها معاييرها ليس بالضرورة تلك التي تدفع باتجاه ولادات أخرى ولكنها تلك التي تضفي لنا بعد قراءتها متعة الفائدة جمالياً مضمونياً بصورة علينا تطويعها بما يلائم حركة مستمرة للتطور الأدبي الذي ينعكس تنويرياً في تناولنا واقعنا بدافع من تلك القراءة الأدبية…

وفي التنوير الأدبي، وحركة التنوير والتقدم عراقياً فلقد احتقل النقد الأدبي بمنجز ثر طوال قرن من وجود الدولة العراقية الحديثة. سأحاول هنا أن أتابع عبر قراءة بعض المنجزات نموذجاً من بوابة البحث عن قيم التنوير من جهة المساهمة الجمالية (الأدبية) تحديداً.

إنّ الميول العامة في المجتمع هي ما ضبط إيقاع الكتابة الأدبية. وهي غالباً ما كانت واقعية المنحى؛ صحيح أنها ليست بالضرورة مما يعبر بدرجة النضج والكمال في التطابق مع النوع الأدبي أو أيّ من أجناسه حصرياً إلا أن البُعد الفردي في التعبير حتى عندما لا يكون (متفرّداً) بمعنى إبداعي في صياغة أو سبك فإنّه يعكس مزاجاً عاماً بصورة من الصور يكون فيه التلقي منسجماً مع المنجز..

ولأخرج هنيهة عن الأدب وأذكّر بأن مجتمعاً معاصراً قد لا يستسيغ فن الأوبرا ولا يميل إليه ولكنه يطرب ويرقص لإيقاعات فولكلورية بعينها وبين الفطري والأوركسترالي في فن مشتركات التعبيرات الفني لكن مضمونيا أو طابع الارتباط يحدده الرحم الذي وُلِد فيه الإبداع الجمالي نوعاً وصنفاً وبدقة يتحدد في الأداء أو الممارسة الطبيعية وميولها المشروطة روحياً انفعالياً..

هذا ما قصدت به في جانب من جوانب القراءة للاشتغالات التعبيرية الجمالية لشعب. وبالعودة غلى العراق ومنجز الأدب فيه أقرأ هنا نصاً للكاتب الدكتور حسن متعب، بعنوان (شجرة المرّ) إصدار 2011. لابد لي هنا وأنا أقرأ في النص من التوكيد على حقيقة أنني أقرأه بمقدار ما يمتلك من فضاءات تنوير بمجتمع ارتد في ظروف راهنية نحو أوضاع متردية في خطاباتها بتنوعاتها لجملة ظروف معروفة..

أما شجرة المرّ فهي بواقعية المنحى أكدت مستوى المرحلة التي يمر بها المجتمع العراقي وجسدت طابع العلاقات المجتمعية في ضوء الظرف السياسي وتشكيلة النظام الذي تتقمص أحداثه… وسأتابع الرواية على وفق منطقها ذاك لا من مقارنة مع الأعمال الواقعية في الأدب العالمي بل بالارتباط مع الاشتراطات الأدبية للميل العام للقارئ العراقي..

وإذا كان بعضهم سيقرأ الرواية من بوابة الخلط بين بعض أجناس السرد قصصي وروائي أو غيرهما ومن ربما (خلط) آخر بين المذاهب الأدبية؛ فإذا اتفقت في المستوى النظري من رفض أطر الخلط النوعي والمذهبي في الإبداع الأدبي أو على أقل تقدير تجنب وضع تقويم مميز بخلفية التضبيب التعبيري للخلط فإنني لا أقرّ سلامة التقويم الفوقي والخارجي ذاك لأن التفرد الجمالي يمكن تلمسه من بوابة انعكاس المزاج \ الميل العام ومقدار الاتفاق بين التعبير الأدبي وبين ذياك الميل..

شجرة المرّ تستقي من الواقع التراجيدي للمجتمع سماتها ومن مستوى الاستبداد نظاما سياسيا أمنيا قمعيا ونظاما اجتماعيا قيمياً أخلاقيا بالمعنى الأوسع للمصطلح نسيج علاقاتها وطابعها من قبيل تشفير بعض الخطابات بما يوحي بالرمزية لكنها في الحقيقة واقعية صارمة تتجسد بقوانين الواقع وقوانينه الصارمة وكثافة تعبيرات تلك القوانين وما تريد تمريره.

لهذا السبب يباشر قارئ الرواية المدخل بأجواء تشوبها الإيحاءات الواقعة بين التشفير والرمزية وبين تقمص الحقيقة المعاشة.. فهناك تجنب لإيراد أسماء الشخصيات ثم تبادل نظرات التفحص والاستبيان المشوبة هي الأخرى بالشك والتحسس كما أن المكان المنتخب لانطلاق السرد هو مؤسسة سنتعرف إلى وظيفتها سريعاً… ولعلنا سنكتشف أنّ الحديث بكثافة سرعان ما يُعلن عنه, وبهذا نؤكد أننا لسنا بصدد البحث عن تلمس الروائي في هذا النص بقدر ما نتلمس أمراً اشمل وأعم ذلكم هو الميول الأساس بالمجتمع العراقي هدف النص الذي اخترناه هنا، والقوانين والأعراف المتحكمة بخط مسار المتغيرات آنذاك ما انعكس بوضوح في العمل الأدبي عينياً,,

وبخلاف نظرية الأدب البرجوازية \ المثالية فعلى الرغم من تركيزها على الفردي إلا أنها تحكمه بقوانين النوع جبرياً بالحتم والحسم الصارمين؛ بينما أركز هنا على كون الفردي تعبير عن تلخيص النص بوجوده الفردي عن تطابقه مع الكاتب وتجربته بما يلخص الجمعي ويتبدى بصورة يكون مجرد التعبير روائيا أمراً يؤكد حقيقة أن الواقع الموضوعي قد بات مستوعبا بإطار جديد تجاوز بساطة الغنائي للتعبير الشعري وتركيبية التعبير الدرامي للصراع، ليجسد الموضوعي بوساطة الكلمة عندما يتصدى الجمالي السردي لتقمص الواقع ومعالجة قضاياه بما سيستكمل الصورة بمنطقة التلقي…

فلنعاود مجدداً إلى حيث رواية شجرة المرّ، ما طبيعة الشخصية (…) اليوم؟ أليست هي تلك التي صنعت لها تاريخاً مجيداً فيما هي هي تلك الخاوية أو المذبوحة بخلفية التناقض والتمزق والانهيار تحت مجنزرات النظام السياسي ومنظومة القيم الجتمعية المزيفة..؟ ” يقول البطل مطلع الرواية: ترى هل نسي هذا الزائر المنكوب ما حدث بيننا؟.. ربما عليّ أن أؤمن بذلك.. إنه واحد منا، نحن الذين نسعى للنسيان دائما.. إن ذاكرتنا ممتلئة.. لم يعد ثمة مكان لتخزين ما هو جديد.. ولا أعتقد أن هناك فرصة في الذاكرة لحفظ ما يجري أو ما جرى في الماضي القريب أو الحاضر.. أحداث كثيرة.. تطورات وتغيرات.. مصائب وأهوال.. ليس من اليسير حتى على أعتى المؤرخين حفظها.. لو أراد أحدهم ذلك لاحتاج ربما إلى أطنان من الأوراق وأطنان من الأحبار ليسجل ما جرى ويجري.. إذن هو واحد آخر منا..” أقتطع هذا النص لأشير بوضوح لذياك الربط سواء بالتشفير والترميز أم بتصوير حجم التكثيف الناجم عن السحق المهول وما احتفل به من هول الأحداث وتراكنها بمدة وجيزة… سنتابع أيضا مزيد تفصيل بعد هنيهة على وفق مسار الحدث ووقائع اشتغال شخصياته \ أبطاله.

إن تلك الكثافة التي باتت الشخصية العراقية تحملها وشاب لها الرضيع يؤسس لها النص الروائي بمقدمة فيها انقلاب أوضاع الشخصيات بين حاكم ومحكوم، غالب ومغلوب، فوق وتحت؛ بما يعيد تشكيل الأوضاع بطريقة جديدة تكتنز بتفاصيل الوقائع، كثافةً وتناسلا عددياً وحجم وجود. كما يعيد بناء شخصياته بتلك الأرضية وتقلباتها من جهة وبولوج منظومة قيمية جديدة.. لاحظ طريقة الانتقال من الفردي الخاص إلى الجمعي العام.. يقول الكاتب على لسان الشخصية: ” إنه نسي من أنا.. وحتى لو شك لحظة واحدة، فإنه لا يتوقع أن من وقعت عيناه عليه الآن هو ذات الشخص الذي كان يرتجف أمامه، خوفا وهلعا.. يجب أن لا نصدق العجائب.. ليس ثمة معجزة يمكن أن تحصل لتغير الحال على هذا المنوال.. أعتقد أنه سيقول ذلك لنفسه لو شك لحظة واحدة بي.. لذلك على أن أكون قويا.. على أن أنسى أمام هذا القادم من أكون حقيقة.. أنا الآن النقيب حازم عبد الإله في قوات وزارة الداخلية وانتهى الأمر.. وهو فليكن من يكون.. لعله قد تغير هو أيضا، لا يهم ذلك.. فأنا في موقع قوي.. وهو الآن ونظرا للموقف الذي هو فيه، إن عرفني فإن جل ما سيفعله هو تناسي الماضي طلبا في مساعدتي..” على أن الكاتب يريد تصوير علاقة من نوع ما بين الماضي وتاثيراته وبنية السلوك عند شخصياته اليوم فهي لم تنقطع بالتمام عن ذاك الماضي ولعل بعض ما يدور في خلدها هو من بقايا مازال لها بعض تأثير، يقول على لسان بطله: ” ومع ذلك فإن صراعي مع ذاتي هو بسبب تلك الكلمات الجميلة التي نطق بها الشيخ والده وهو يتحدث مع والدتي.. وأخيرا كرمه معها وموافقته على التنازل عن القضية ومن ثم إطلاق سراحي.. خصوصا وإني بحكم علاقاتي هنا، أعرف بالتحديد ما ستئول إليه نتيجة مقابلته للوزير حيث إن هذا هو سبب حضوره هنا اليوم..” وبالعودة لصيغة الانتقال من الفردي إلى الجمعي وفي اكتناه العام عبر الخاص يصور الكاتب بطله ووضعه المخصوص عبر زيارة الوزير بقضية ستكشف لنا أوليات وصف الأوضاع العامة الجارية وما فيها من طابع ومن صراعات أو أزمات كما سنتلمس مواضع التتابع في الوقائع ومجرياتها وما يحكمها الأمر الذي يكشف فيه العام بالمقابل سمات الفردي الخاص؛ وبمتابعة النص يقول البطل: “سيقضي الوزير أول الأمر بعضا من الوقت كمستمع جيد إليه، ثم بعد ذلك سينظر إليه بعينين تبدوان مركزتين عليه، ولكن فكره وعقله سيكون مشغولا بأمور أخرى، أمور تتعلق برئيس الوزراء، بالحزب، بالصراعات السياسية.. هذه الأشياء هي الأمور الأهم في الوقت الحاضر، وليس قضية تافهة مثل قضية اعتقال مواطن من داره، ولا تزال عائلته بعد مضي شهر تقريبا تجهل مصيره.. إنها واحدة من القضايا التافهة الكثيرة التي تمر على الوزارة والوزير يوميا.. ثم يكتب الوزير على الملف أمامه.. (إجراء البحث والتقصي عن الحادث وإعلام صاحب الطلب بالنتيجة) ثم يقول له بإمكانك المراجعة بعد أسبوع إن لم نتصل بك لإعطائك الجواب..”.

وكيف يحمّل الكاتب صياغاه معانيها فيصير الشكل السردي بمضمونه المقصود \ المنشود نراه في عبارة بطله:” الوجوه تتشابه.. الناس تتشابه.. إننا نسخ منسوخة من بعضنا البعض.. كأننا تقليد لنموذج أولى، أشبه بالبضاعة الصينية التي تماثل الأصل الياباني أو الأوروبي في الشكل، إلا أن الجوهر مختلف..”. فلربما قال التعبير أننا تحولنا من اصل ووجود إنساني طبيعي عادي إلى مجرد هياكل مستنسحة فارغة من عمقها ولربما أضاف الأمر إشارة ضمنية إلى ما ينتج عن مصادرة الشخصية الإنسانية في وجودها!

وبذات الطريقة التي افتتح بها منطقة السرد حيث قلب الأوضاع وتبادلها بين الشخصيات ومواضع أمكنتها موضوعيا وعلاقاتها يوظف القانون البنائي ذاته مع أبطال روايته كما نرى الأمر هنا بهذي الفقرة: “أنا الآن شخص مختلف، عليه أن يصدق ذلك حتى وإن شك لحظة واحدة أنني ذات الشخص الذي عرفه قبل ثلاث سنوات.. إن ما تغير في كياني، هو أنني الآن ما أنا عليه فعلا، الآن أنا لست ذاك الشخص المزيف.. ولكن المشكلة تكمن، كيف بإمكانه أن يدرك ذلك، حيث الكل قد انقلب على ذاته، الكل يظهر الآن ماهو ليس بحقيقي داخل نفسه، كيف يمكنه، أن يصدق أنني الآن الشخص الحقيقي وليس الشخص المزيف ذاك.. إنه أمر صعب.. أنا نفسي حين أفكر في ذلك، أقول ربما لأني أريد أن أصدق ما أنا عليه..”.

وفي قراءة الشخصية المزيفة الجديدة، يقول البطل: “وأنا أقول انتهزوا تعبيرا عن الانتهازية الحقيقية التي رافقت هذا التغيير، ليحصلوا على المكاسب، الوظائف الرنانة.. الأموال.. الجاه.. السلطان..”ص11… في هذه المنطقة السردية تنفتح سياقات وصف الحال من التناقضات والانقلابات بين الفوق والتحت لكشف طابع التغير الجاري في ظل منظومة قيمية منهارة بخلفية الاستبدالات التراجيدية…

وبطل الرواية حين يسترسل يتلمس تناقضات وجودية ليرسل من خلال رصدها رسائل مضمونية عن طابع المنظومة القيمية وما وصل الوضع في البلاد إليه، ها هو يقول:”نحن الخونة ونحن القضاة.. نحن القانون والفوضى.. نحن كل أنواع المتناقضات، نحن الأضداد الغرباء الذين يشربون ذات الماء، ويرضعون ثدي ذات الأم.. نحن من يؤمن بذات الإله الواحد الأحد، المختلفون على تعاليمه ووصاياه وعلى أحداث مضت وانسحقت، نحن الذين نخلق كل يوم سببا للاختلاف..”ص12. لكن الأنكى أنه يسجل ظاهرة جلد الذات تستبطن استمراء الأحزان والتلذذ بمشاهد الاسى وأحزانه..” حتى تلك اللحظات التي كنت أصطنعها في ما مضى، كانت تخبو لمجرد انتهاء اللحظة، قد يكون صحيحا أن الحزن يدوم أكثر من البهجة والفرح.. ولكن هذا لا يغير حقيقة أننا نحن من يجسد هذه الأشياء، نحن من ينقاد إلى تلك الهواجس والأحاسيس، أرواحنا التي لم تجرب البهجة ونشوة البهجة مثلما جربت ذروة الأحزان، أرواحنا تلك لا تعرف جدوى وجودها.. إننا الوعاء، الذي تنتهي فيه كل المآسي.. لكننا وعاء تالف، أتلفته تلك التكرارات للألم.. أصدأته تلك الأحزان.. نحن نجد جدوانا مع الألم، ونضيع ولا نعرف من نحن مع البهجة.. لا جدوى مطلقا لحياتنا، لم ولدنا؟ لم نموت هكذا أحيانا بأعنف الأساليب ولأتفه الأسباب.. نجلد أنفسنا، كما نجلد بعضنا.. نتلذذ في الحالتين..”. إن اجترار الماضي يملأ الحاضر بعوامل الانهزام والانتكاس والخسارة وبقيم قهرية من قبيل الشعور بالذنب والعيش على أعتابه علَّ الغفران يحلّ فينا عبر بوابة (خارج) وجودنا الفردي منه والجمعي؛ هذا ما استهلك طاقة الفعل والبناء واية إمكانات للحراك أليست القضية هكذا يقرأها وعي أبطال الرواية على وفق رصد الكاتب!؟

إن النص يعيد توكيد حقيقة ميتافيزيقية من قبيل نحن القتلة! نحن المذنبين! ومن ثم علينا نحن أن نبحث عن الغفران بتقمص الندم وتقديم قرابين التوبة بجلد الذات والعيش حزانى الأمر الذي لا يقف عند الإشكالية الوجودية للإيمان الديني بل يتفشى في مجمل ممارساتنا وآليات عيشنا…

ما يعنيني هنا هو أن تتابع السرد لم يأت من فراغ ولا من تقمص التتابع الزمني ولا من صيغة بنيوية بعينها شكلاً وصياغة مما يُؤتى به من خارج التعبير الجمالي المحلي عراقياً بل تبنيه وقائع الفكر ويومياته بطريقة المسخ والاستنساخ والتشوهات في الواقع الوجودي للإنسان هي ما يمتاح الشكل السردي منه انثيالاته بتداعيات ذهنية أشبه بتداعيات نفسية ولكنها المتمظهرة بوسائل وعي الواقع وطريقة قراءته…

عندما يقدم الكاتب بطله على لسان الشخصية نفسها، يقول:” هل سألت لصا عن مهنته فأجاب أنه لص؟.. لا أعتقد ذلك.. هل سألت عاهرة عن مهنتها فأجابت أنها عاهرة؟.. إن مهنتي مثل مهنتها أصعب ما يمكن أن يمتهنه المرء.. لأن الناس لو عرفوا ذلك لاحتقرونا.. ليس لأننا لصوص بل لأننا نكشف دواخلهم، نذكرهم بمهنتهم الأخرى المختبئة وراء أقنعة أولها الإيمان بالله ومخافته الشديدة، والصلوات القائمة.. لحى طويلة مخربشة، أو مؤنقة.. عمائم سود، بيض، أو خضر.. أقنعة”.. إن الشخصيات جميعا ومنها الضباط والشرطة ليست سوى قناع وظائف تغطي وظيفة ومن ثم فهم مجرد “سلطة وتفاهة”ص13 وذاك الخواء يعيد الاتزان له امرئ كبطل الرواية الذي كان يحترف السرقة لكن بلا غيذاء أو استهداف إلا لفئة التخمة المرضى؛ ووسط هذه الفئة عاش بطل الرواية تفاصيل وجوده الأولى لينتقل بانتهازية تلك الفئة من لص إلى ضابط شرطة اليوم بظلال نظام يُسمى الديموقراطية ولكنه نظام المافيوية التي تسهل انتهازية المرضى والأوباش عدا بطل روايتنا الذي يبرر للصوصيته ولانتقاله منها إلى سلط الشرطة مثلما برر لاجتماع الأضداد في شخصه وفي بيئته وفي مسار النظام الجديد حتى تحولت فكرة التقاء الأضداد إلى نهج فكري سياسي والأمثلة شاخصة اليوم على ما أرادت الرواية التحدث عنه و\أو معالجته جماليا..

عندما تنتقل الرواية سرديا إلى ثاني اشتغالات فصولها، يأخذ البطل الآخر الدور في سرد الوقائع من حيث ينتهي أول فصولها على لسان بطلها الأول اللص الذي صار ضابطا شرطة. وإذ يبدأ السرد هنا من بوابة الوزارة يكون البطل قد عرف صاحبه الذي توسط له يومها.. لكن المتابعة تقدم تعريفاً بالشيخ المفقود استكمالا لوقائع السرد السابقة. ليس بغاية تعريفية شخصية بقدر ما هي لمواصلة تقمص الدور الكاشف عن مجمل الأوضاع وقوانينها وطابع الأمور ومنظومتها القيمية…

“كان أقرباؤنا من الحلة والديوانية والنجف وكربلاء.. حين يقضون ليلتهم عندنا يكررون نفس الحكايات, كيف كانت زيارة كربلاء أو النجف هذا الأسبوع, وكيف أن الدنيا أوشكت على النهاية وأن علامات ظهور المهدي جلية لا ريب فيها وأنه سيظهر قريبا جدا كما أكد لهم السيد.. أما أصدقاء أبي من الغربية فكانوا يتكلمون عن رحلات الصيد في البرية وعن السيارات الفارهة الغالية بأحدث الموديلات التي اشتروها أو باعوها،..” هذا كشف مقصود ليس للطابع الفئوي الطبقي حسب بل لانعكاساته في بناء الشخصية واهتماماتها ومن ثم في مقدمات ما سيطفو بعد (التغيير) الراديكالي وطابع التفاعل معه…

وبسلاسة ذكية يعاود الكاتب نسج سرديته والانتقال من الجمعي إلى الفردي بل لنسج الفردي \ الجمعي بطريقة التواتر وتبادل مواضع التتابع من دون فجاجة تركيب وصياغة، حيث يتمتع القارئ بتلك النقلات وإيحاءاتها المتبادلة وطابع التعاقب فيها…” كنت الأعزب الوحيد من أبناء الشيخ مزهر.. فقد تزوج شقيقاي اللذان يكبراني، وكذلك اثنتان من شقيقاتي اللواتي يكبرنني أيضا فيما بقيت واحدة بانتظار إكمال دراستها الثانوية وهي الأصغر فينا.. الجميع خضع لأوامر سيادة اللواء مزهر الحسين وتزوج إلا أنا، فقد أوشك على أن أكون الابن العاق له.. رغم أنه كان صبورا جدا معي.. وهو يذكرني دائما بأن شقيقي تزوجا وهما دون سني، وأنجبا له أحفادا كان يشمهم كل يوم، يأخذهم في أحضانه كلما رآهم وكأنه يراهم لأول مرة،” في هذه المنطقة ستظهر كما ستتكشف لاحقا أولى بذرات التفاعل بين الشخصيات بطريقة منطقية تجمعها معاً في سياق الحدث السردي…

ووصف العلاقات لا يقف عند تخيل العائلة التي ينتمي غليها البطل بل يتسع ليقرأ طابع العلاقة الهرمية بالإشارة غلى العشائر وتقسيماتها ثم منظومتها القيمية ومنها مكان ومكانة المرأة المرادفة لوجودها المجتمعي، عندما يُشار إلى أخوات البطل في عائلته وغلى سلوك الأب (الشيخ) وتعامله انتماء إلى اشتغاله برتبة لواء وإشغاله مهمة رئيس فخذ بعشيرته بعد تقاعده وممارسة سلطة مركزية فوقية مع بيئته..

أما الراوي في هذا الفصل فإنه يكشف عن موقفه وشخصه عبر نظرته إلى نسوة العائلة بقوله:” وبعد شهر من الزفاف أنظر إلى كل منهن فأراهن مثل نعاج صغيرات، يتبعن راعيهن وراء الماء والكلأ، أولئك البنات الجميلات الحالمات اللواتي كن يملأن البيت حركة وبهجة صبيانية نزقة، أراهن الآن يقعين إلى جانب الجدران، يفترشن الأرض بهدوء، ليرضعن هذا أو يطعمن ذاك، انتهت الروح، وانتهت ذواتهن وأصبحن جزءا من وجود آخر، راضيات، ساكنات، ليس لأن هذا ما أردنه، لا يمكن على الإطلاق، بل لأنهن جزءا من لعبة الحياة والزمن الأغبر،…” إن الكاتب يتجنب وصف شخصياته مباشرة وهو كما المسرحي في نصه الدرامي يقدم الشخصية عبر الفعل يقدم أبطاله هنا عبر اشتغالات السرد في نسيج العلاقات البنيوية بين الشخصيات فكأنه يدير حواراً بين عناصر بنيته، حواراً قائما على تجسيد لا الشخصية بمماثلة حسابية او مطابقة هندسية ولكن باكتناز دلالي يفضي إلى التعبير عن جملة إيحاءات معنوية ذات قيمة في بناء البعد الفلسفي للرواية أو الخطة الفكرية العامة المختفية وراء الحكاية وتفاصيلها السردية…

والحقيقة التعبيرية لم تقف عند إشارة غلى النسوة بل عبرتها غلى حيث الفلسفة الذكورية من غير مصطلحات سوسيو سايكولوجية أو سياسية مثلما يمر على المفاعلة بين الاجتماعي والسياسي في استعراض القيم بين السلطة السياسية وسلطة الرجل في العائلة التقليدية… غير أن البحث في الشخصية هذه المرة يسترسل ليكون هو الجامع بين مفردات السرد.. فيتحدث عن الهروب من جحيم الرتابة والملل لكن أباه ما يزال مركزا لا يسمح بذلك. فلقد اعتاد الجميع منطق الزنزانة المرء داخل قمقم وجوده وخيالاته والعائلة بين جدران المنزل المعتقل والناس في السجن الكبير الوطن.

هنا حيث اكتملت صورة البيئة التي أرادها الكاتب أطلق لأول مرة بخلفية الطابع الدرامي للمشهد حوارا بين شخصياته التي ظلت تتكلم في صمت، أو تعبر عن ذاتها برؤى وأفكار تدور في سجنها بمعتقل عقلي سرمدي.. ها نحن أمام تصاعد درامي أكثر منه تشابك سردي المسار.. وفي الحوار بين الابن والأم والب والقريب تتكشف مناطق جديدة لا تقع بصيغة الخلط بين الأنواع الأدبية وإنما استنطاق قوانينها في التفرد القائم على الانتماء لوجود عراقي الهوية يمنحنا شكلا سردياً تتفرد تداعيات هيكله وخصائص نسيجها..

في مدخل الفصل الثالث إذ يتبادل البطل مهمة الراوي، أيضا المضامين تتقلب وتتبادل الأدوار بين الحرام \ الخطأ و الحلال \ الصواب.. لكننا كالعادة نبدأ الفصل سردياً وعلى لسان الراوي مجددا اللص ضابط الشرطة وتبريراته للصوصية مع رفض والدته أخذ فلس منه لعدم معرفتها مصدر أمواله… وبنية السرد وحبكتها تقتضي وجود التفصيل الذي يظهر هنا مستثمراً هذه المنطقة ليرفق مع الوصف حوارا مع شخصية عابرة في البنية السردية لكنها معبرة دالة تغني المسار عندما يتحدث حازم اللص \ ضابط الشرطة عن صديق له. وفي الحق السرد يتجه ليخلق سيناريو بتلك اللمحات التي يستخدم الاستعادة الفلاشباك وكأننا في فيلم عند لحظة صمت تغادر اللحظة محلقة في الماضي الذي يراد من (استرجاعه) أن يساهم في التقدم بالمشهد..

وفي هذا التتابع سيبدا نسيج حبكة أكثر تقدما بلقاء تتم برمجته في محاولة حازم مساعدة أحمد وهما البطلان حتى الآن، بتبادلهما الأدوار في الاشتغال السردي.. بهذه المنطقة يبدأ الحوار الرئيس بين طرفي المعالجة \ الحبكة وقد انقلبت الموازين في الصفحة الأولى كان هناك وضوح وإجابة ومواقف نبيلة يمكن استنطاقها كما جرى فعليا وفي الصفحة الجديدة هناك اختفاء وضبابية وضياع حداً يخفي قطعيا ونهائيا وجود إنسان كاختفاء الشيخ بعد اعتقاله أو اختطافه…

وبات تبادل أدوار القص معتادا ليعود هذه المرة بفصله الرابع لأحمد يبدأ السرد من حيث انتهى حواره مع حازم وأستخدم الاسمين هذه المرة توكيدا لما انتقلت الرواية وحبكتها السردية من مرحلة الابهام لمرحلة الوضوح ولكن ليس بأسماء العلم أو الشخصيات وإنما بجواهر تلك العوالم المتخفية بقصد من الكاتب..

إن أحداثا مثل وفاة الأم بوقت كان الشيخ مختفٍ دفع الراوي أحمد للقول إن إحساسا بانتهاء االأشياء قد تسرب إليهم ولكنه في هذه المنطقة السردية وحبكتها يطلق العنان لمناقشة في القضايا الجمعية من قبيل الاحتلال والأمريكان وتشكيل الأحزاب ومرجعياتها.فتتجه الرواية هنا إلى منطقة جدلية تُظهر بها شواخصها الفكرية السياسية عبر طرق سندان الواقع المأساوي وصراعاته الطائفية والتدخلات وبنية الشخصية المحلية ودرجة استعدادها لكن طبعا كل ذلك يتم سرديا بعمق درامي يعبر عن الحدث…

إن الكاتب يحافظ على حبكته وسلامة نسجها بتبادل أدوار الروي \ السرد بين بطليه، ولهذا تتبدى المعطيات الإنسانية للرواية؛ بمقدار العناية ببناء الشخصية وتسلسل تحولاتها وسط ضجيج الصراع ودراميته وتعقيد المناطق التي يتناولها الكاتب باصوات ابطاله الذين اختارهم…

وفي الفصل الخامس بالعودة إلى دور حازم تتبدى مشاعره وتحولاتها فهو ليس سطحيا أو مجرد لص خارج على القانون صار ضابطا وليس تقيا مؤمنا يحفظ الأخلاق والقيم ولكنه إنسان أوجدته قوانين المجتمع الذي عاشه ونما فيه… ها هي قصة حبه لأخت صديقه تتهادى بسمات الأنسنة بعيدا عن خطاب السياسة ونهج التسلط القيمي بمنظور متزمت أخلاقيا ولكنها تأتينا بطاقة جذب مناسبة حتى أنها تصلح أن تنتقل إلى الدراما السينمائية بصيغة من صيغ المعالجة الملائمة..

إن قصة الحب تلك تشكل مدخلا أو إطارا للوحة سردية تحكي المجتمع في ضوء علاقات المرأة \ الرجل وفي ضوء صورة المرأة وتفصيل مضاف بعلاقات من قبيل النسوة العواهر وتجارة الجنس لتتفرع عبرها حكاية البطل وتعاود تصحيح المسار بالتوجه إلى علاقة حب تلك التي أشرنا إليها…

لكن بين علاقات الليل وغياب الوعي وعلاقات النهار وبروز العاطفة صحية صحيحة فيها تتجه لمصالحة مع الذات وربما مصالحة بين الأضداد تبررها سفسطة بلا لغة برهانية طبعا مما لا تحتاجه الرواية بمنطقتها هذه.. لنرصد المونولوج الخاص بحازم: “كنا أيضا نتبادل المعلومات على شحتها عما يمكن عمله لمواصلة البحث عن الشيخ.. كان يهاتفني كل يوم تقريبا.. وإن تأخرت بزيارتهم يعتب كثيرا.. وآنذاك اعتراني نوع من التصالح مع ذاتي، الشخص الوحيد الذي ربما يعرف تاريخي قد تقبل وجودي الآن.. لم تعد ثمة مشكلة.. الخير والشر، ينسجمان أحيانا، لابد لي أن أراه فأتذكر ما أنا عليه، أما هو فأعتقد أنه يريد نسيان كل الشرور التي أحاطت به، نوع من التصالح بين الأضداد.. نوع من الرضوخ حيث لا توجد قوة للرفض.. قبول الواقع على ماهو عليه، مع الأمل الشيطاني باحتمالية التغيير، مبررات للقبول والخنوع، خضعت لشعوري بالدونية معه على أمل أنني أستطيع تغيير نظرته، ولكني نسيت أن ما مضى لن يتغير، وهو قد خضع لعلاقتي به، لأنه يرى من المآسي والآلام ما هو أكبر من تاريخي إذا كان واثقا منه ومن شخصيتي، مبررات من الوهم لتقبل آلام وجودنا..”.صص34\44.

“وفي إحدى المرات سمعت شيئا عن رغبتهم بالسفر والعيش خارج العراق.. ولكنه كان حديثا عابرا، ورغبة اجتاحت كل العراقيين، فلم أعلق على الموضوع ولكني داخل نفسي شعرت بضيق كبير..”… في هذه الإشكالية ، إشكالية السفر والرحيل لم يكن الضيق يعتريه لرفض الفكرة بقدر ما كانت بسبب آخر ما يحيل إلى ضرورة الربط بين فقرة واخرى بمتابعة مجمل نسيج الحبكة. لا بأس من أن أذكر ارتباط ذلك بعلاقة الحب الوليدة. وينتهي الفصل بطلب يد البنت بعد حوارات متداخلة بما يفي لتوكيد غنى الرواية فهي ليشت شكلا فضفاضا فارغا بل نوع أدبي يمتلئ بمخزون فلسفي فكري يتناول المجتمع بدراية بتفاصيل مجرياته وانحناءاته وتعرجات تقطعاته…

في الفصل السادس يبدأ النص بتلاشي البحث الجدي عن الشيخ المفقود وكأنها حال إقرار بواقع العراق المصادر المسلوب والتفاعل سلبا مع المجريات… “لقد فهمت الآن ما كان يفكر فيه، كان يرى نفسه فينا كلنا بمجموعنا، ويفكر بعقولنا كلنا.. لقد تغلب على ذاته، وهو الأمر الذي لم يستطع أي منا أن يفهمه وأن يتصرف وفق هذا الفهم.. لقد ضحى الشيخ بكل بحياته وراحته وترفه، من أجل أن يبني عائلة تؤطرها روابط لا تنفصم.. ولكن بمجرد اختفائه.. اختفت كل تلك الأواصر.. وبعد أيام أو أشهر، أنا متأكد أن الحديث سيبدأ حول الميراث وكيف سنتقاسمه.. إن ذلك يوم آت لا ريب.. لم يكن أحفاد الشيخ من بناته وأولاده، يحسبون أنفسهم وهم يعيشون في هذه الدار الكبيرة أنهم أولاد أعمام أو أخوال لبعض.. لا.. كانوا يعيشون كإخوة لهم أب واحد هو الشيخ ذاته.. ولكنهم الآن تغيروا كما تغير آباؤهم..”ص49 قضية فقدان الشيخ الرمز بل الواقعة المباشرة قضية اكبر من حدث عابر في ميدان التعميم والخروج من الفردي الخاص إلى الجمعي العام.. وبهذا التوجه يمكن تفسير مقتبسنا من الرواية كونه واحدة من البؤر الغنية الثرة في العمل ويمكن ملاحظة حلقات السرد التالية وكأن الحوار يجري بين غرباء في اتخاذ قرار السفر أو إعلان القطيعة مع البيت \ الوطن والهوية…

أما الرواية فعلي الرغم من أحداثها الدرامية ليست قطعة سوداوية.. لنقرأ أولا منطقا يشير إلى ما وصل غليه الوضع بعامة: “)هل الذي حصل كان مفاجئ ا حقا؟(.. لا.. لقد تفككنا خطوة خطوة.. تساقطت أوراقنا واحدة إثر أخرى.. تهدمنا واغتربنا وسقطنا في هاوية سحيقة لحظة إثر لحظة.. كنا نشاهد أنفسنا.. نراقب كل شيء، ولكننا كالمذهولين لا نعرف أي اتجاه نسلك، وأية فكرة هي السديدة.. وابتدأنا نتقبل ما نحن فيه على أمل أن كل شيء سيكون على مايرام.. ولكن ما الذي سيكون على مايرام؟.. هل سيعود الشيخ، هل ستعود أمي، هل سيعود ثائر وعائلته؟.. لقد انقضى الأمر.. لا رجعة إلى الوراء.. لن يعود الزمن بنا!!..”….

ومع كل القراءة وتفاصيلها التي باتت تختتم المشاهد جميعا للتعبير عن واقع عراقي غريب بكل أبعاده ومعانيه يجب رفيق سفر : “- أنت تعلم أني فقدت زوجتي وأولادي.. كأشخاص نعم هم فقط.. ولكن كموضوع أبعد من ذلك أنا خسرت كل شيء.. لو سألتني الآن من أنا.. لاحترت في الإجابة.. من أكون.. تاريخي كله، آمالي كلها، أحلامي كلها، حبي وعواطفي، كرامتي كل ذلك سفح وهدر في منطقة الإسكندرية.. لا أريد أن أقول شرفي أيضا.. لم أشرح لك كل شيء بالتفصيل.. لم تستمع أنت وأولادك قربك إلى صرخات زوجتك في الغرفة الأخرى مستغيثة بك وهم يتناوبون عليها..”.

فهل كانت تلك الكلمات ما أرادت الرواية نقله بتعبيرها الأدبي ولن أقول هذه المرة الجمالي منعا للالتباس في فهم البعد النقدي…؟ لعل سبب التوجه إلى أمريكا بعد فقد العائلة واغتصاب الزوجة يفسر كيف قرأ أحدهم المشهد:” أنا فقدت عائلتي بسبب أميركا.. وأنت فقدت أشخاصا أعزاء عليك بنفس السبب.. ما سنفعله على افتراض أنك ستكون معي هناك، أننا سنكون بدل العائلة عشرات.. وبدل الأولاد الأربعة الذين فقدتهم سأنجب أربعين.. سأتزوج في كل ولاية امرأة أميركية.. سأنجب من كل منهن.. بأي وسيلة وبأي ثمن.. وبقدر ما أستطيع، سيحمل هؤلاء الأولاد اسمي وسيتذكرون هم وأبناؤهم الذين سيكون عددهم لا محدود مع تقدم الزمن، على الدوام أن أصولهم عراقية.. هذا هو هدفي.. سأجعل من نفسي حيوانا مزواجا.. لقد هاجمتنا أميركا بالقنابل، وبالرصاص وبكل الأسلحة.. أما أنا فسأهاجمها بالحب.. الحب فقط.. دمرت أميركا بلدي.. ولكني سأبنيه من جديد بداخلها.. هل فهمتني..”.

لا أجدني وأنا أقرأ العبارة الأخيرة للرواية: “إنني لم أعرف بعد حقيقة اختفاء والدي الشيخ وكذلك مصير أخي وعائلته.. تساءلت في داخلي: لم الظلم دائما أقوى وأعتى من العدل؟.. لم يجد الظلم دائما م ناصريه بسهولة أكثر مما يجد العدل فيها م ناصريه؟” لتحط طائرة الهارب طالب اللجوء في مطار اسطنبول محطة وسيطة لكنها إشارة تريد لكل من ينتهي من تلك السردية أن يدرك أنه مازال لم يستقر في منفاه وأنه مازال يستطيع اتخاذ قرار مختلف…

أما قراءتي الأولية هذه فتعد باستكمالها ببعض أوجهها البنيوية المستحقة.. أوجه التحية مخصوصة لكاتب قدير متمكن لم يكتب مقالة عابرة بين ركام ما يحلل ويستنتج في القضية العراقية بل مبدع قدم رواية عميقة الاشتغال جماليا أدبيا مع غنى مضموني بلا منتهى.

لا تعليقات

اترك رد