قراءة في البعد الذاتي والموشور النفسي لقصيدة (تقمص) للشاعرة سمر الغوطاني


 

( تقمص)

وارتديت قلبك
من قبل موتين
و تمنيت …
لو تطول بنا الحياة
حتى يفنى الفناء
ومن شدة خوفي عليك
تبعتك بعد عشق و جلاء
وحين غفل الموت بيقظة
بحثت عنك … بحثت بحثت
وحطمت جدار الوقت
وعندما لقيتك …
لم تكن غريبا .. ولم أكن
لكنك أنكرت أنك أنت
رميت قميصك
في وادي التيه و النسيان
هناك حيث لا يعرفك أحد

إن عنوان القصيدة يضعنا على عتبات الذات المتألمة التي تبحث عن نفسها في لحظة شعورية معتمة ، نص يبحث عن الحب المفقود ، كالذي يبحث عن الضوء في فراغ معتم ، وعندما نسبر أغوار النفس نستجلي البعد الذاتي لتجربة حملتنا فيها الشاعرة على روح الخيال بكلمات تختزن الألم بموشورها العاطفي وتعكس ذلك في كلمات لها مدلول حسي و بعد حركي فتقول :
” وارتديت قلبك
من قبل موتين
و تمنيت …
لو تطول بنا الحياة
حتى يفنى الفناء “
بين الموت و الحياة مسافة قلب يرتدي الحب و يفيض بمشاعر المودة و الصفاء ، عشق يرسم صراعه الذاتي على هذه الأرض التي يتم عليها التقاء المتضادين ( الموت – الحياة ) ، لحظة ترسم فيها الشاعرة انسيابية الحدث بلون الأمنيات المفعمة بالحب و الجمال فتقول : ( وتمنيت .. لو تطول بنا الحياة ) .
يقول الشاعر التشيكي كارل سابينا : ” إن التناغم يولد من التناقض ” و هذا القول ينطبق على شاعرتنا سمر الغوطاني ، فرمزية البوح و شدة الخوف على الحبيب هي من المشاعر السامية التي تتنامى بروح العشق ، و أما من الجانب اللغوي استخدمت الشاعرة العديد من الأفعال الحركية ، فالفعل الخماسي ( ارتدى ) في مطلع القصيدة يرسم بعدا حركيا و دلالة معنوية تسقطها الشاعرة على كينونة القلب ، ؤيظهر ذلك في اختيارها لعنوان النص ( تقمص) ، و ترسم دائرة أخرى لرغباتها من خلال استخدام الفعل ( تمنى ) لتتبع خطى المحبوب و تراقب بعد المسافة في وهج الشوق و الانتظار فتقول :
” ومن شدة خوفي عليك
تبعتك بعد عشق و جلاء “
فجدلية الحياة و الموت هي علاقة ضدية مع مأساة الحياة و لكنها ائتلافية مع الشعر و تحدي الواقع من خلال رسم الشاعرة لدائرة البحث المستمر و تكرار كلمة البحث له مدلول عاطفي يحمل في طياته مشاعر الفقد و الجمود و الفراغ  و العزلة للذات المتألمة ، إحساس وجداني يسافر في فضاء الروح ،  ويفيض محبة وجمالا في ذاكرة تأبى النسيان ، تنتهي الحياة و يبقى الحب ، رمزية البوح وشدة الخوف على مشاعر الحبيب هي من المشاعر السامية التي تتنامى بروح العشق ، أي ذاكرة تلك التي تحفظ على تلافيفها تفاصيل اللحظات الدقيقة وعشقا يحطم جدار الوقت فتقول :
” وحين غفل الموت بيقظة
بحثت عنك … بحثت بحثت
وحطمت جدار الوقت “
وهنا تستخدم الشاعرة تضاد لغوي( غفل- يقظة ) تعكسه بلغة انسيابية و تسقطه على ( الموت )
وكذلك الفعل (حطم) و تعكسه على جدار الوقت .
وعلى صهوة البوح يغفل الموت بيقظة الروح ولكن الشاعرة لا تمل من البحث عنه في مسامي الدروب العاشقة ، أي ذاكرة  تحمل في متاريسها عشقا يحطم جدار الوقت على كحل العيون …
نص من بحر التجربة الذاتية يعكس الأبعاد الحسية للشاعرة  و يترجم بلغة القلب شعورها الداخلي ، فالذات المتألمة التي ترزح تحت وطأة ذاكرة تتوقد بشوقها و أمنياتها ، و على كحل العيون يلتقي الأحبة ، لم يكن اللقاء عاديا ، لغة العيون مغراف القلب ، ولكن المصيبة في ذاكرة تنكر الود و تتجاهل حرارة اللقاء ، و ترمي قميص أحلامها على وادي التيه و النسيان ، حيث لا يعرفه احد .
وكما تقول الشاعرة  :
” وعندما لقيتك …
لم تكن غريبا .. ولم أكن
لكنك أنكرت أنك أنت
رميت قميصك
في وادي التيه و النسيان
هناك حيث لا يعرفك أحد “
نص وجداني يتقاطع برمزيته ودلالته  مع رواية ” ألف ” للكاتب البرازيلي باولو كويلو ، فالدراما في أبعادها التشكيلية و أحداثها المكانية تحمل تفاصيل الحدث على جناحي الخيال … ويبقى للنص فضاء واسع

لا تعليقات

اترك رد