” نسبية النص القرآني “

 

(إن القرآن نص ديني ثابت من حيث منطوقه، لكنه من حيث يتعرض له العقل الإنساني ويصبح مفهوماً، يفقد صفة الثبات، إنه يتحرك وتتعدد دلالته، إن الثبات من صفات المطلق المقدس، أما الإنساني فهو نسبي متغير، والقرآن نص مقدس من ناحية منطوقه، لكنه يصبح مفهوماً، بالنسبي والمتغير، أي من جهة الإنسان، ويتحول إلى نص إنساني “يتأنسن” ومن الضروري هنا أن نؤكد أن حالة النص الخام المقدس حالة ميتافيزيقية لا ندري عنها شيئاً إلا ما ذكره النص عنها؛ ونفهمه بالضرورة من زاوية الإنسان المتغير والنسبي، النص منذ لحظة نزوله الأولي ـ أي مع قراءة النبي له لحظة الوحي ـ تحول من كونه نصاً إلهياً وصار نصاً إنسانياً، لأنه تحول من التنزيل إلى التأويل).

يتضح من الفقرة السابقة ان التنظير بنسبية النص القرآني مرتبط بصورة وثيقة بتفاعل العقل الإنساني مع النص القرآنى محكم التنزيل ،او بمعنى أخر ، كون الإنسان كائن متغير ونسبي يجعل من فهمه للنص القرآنى فهم نسبي ومتغير بتغير طبيعة الإنسان الثقافية والإجتماعية ،وهو ما يفسر لنا العديد من التناقضات التى اوردتها كتب تفسير القرأن ،والتى تصل فى بعض الإحيان الى انكار ما يطرحه الطرف الإخر من فهم وتفسير ..

وبناءً على ما سبق يمكننا القول بكون النص القرآني (النص الإلهي) محكوماً بإطار تصوُّرٍ زماني ومكاني، يتحكم فيه المفسر بحالاته وظروفه ثقافته، التي تشكّل إتجاه النص وتحدد معناه بل وتكوّن شخصيته ودلالاته

وبمعنى أخر يعتبر النص القرآني، خاضع لثقافةو ميول المؤوِّل(المفسر )، وخاضع للمجتمع بما له من خلفيات فكرية ونفسية وعادات وتقاليد، هي التي تتحكم في فهم النص القرآني ووضع تصور ومفهوم مجتمعى له .

و هو ما يدفعنا الى اعادة قراءة النص القرآنى قراءة متجددة ومفتوحة مع وضع معايير لتلك العملية ،ومنها المعيار اللغوي ،الطبيعة الزمنية والمكانية لتنزيل الوحى القرآنى ،الخ …

وهو ما لا يقلل من قداسة النص القرآنى ،بل تعتبر عملية اعادة القرأة بصورة متجددة ومختلفة من دعائم التأكيد على قابلية النص القرآنى لتيسير المعاملات داخل المجتمعات البشرية بإختلافاتها الزمنية والمكانية ،ويتواجب علينا لإتمام عملية القرأة والتفسير الإقتناع بقصور الفهم السابق (التفسير السابق )للنص القرآني _نظرآ لكونه مرتبط بظروف زمانه_

فيقول الله تعالى : “وأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً” ويفهم من الإية عدم وجود حد مطلق (نهائي )للإيمان،وقوله تعالى: “وقل رب زدني علما” فالعلم هو الإخر لا وجود لحد مطلق فيه بل هو في زيادة مستمرة، وبناءًعليه لا يمكن لمفسر ان يمتلك العلم الكامل لإعطاء تفسير نهائي للنص القرآني .

وحقيقة الإمر ،نسبية النص القرآنى ،تعتبر واحدة من اهم الدعائم الضرورية لتطوير الفهم للنص وتطويره بصورة مستمرة ، و تتفق مع جوهر الإيمان فى الدين الإسلامي ،لان قرأة النص القرآني ستتحول من تكرار لا فائدة منه الى عملية بحث مستمرة عن ألافضل والأكثر ملائمة للمجتمعات الإنسانية بإختلافاتها الثقافية والإجتماعية

المراجع :
(1) نقد الخطاب الديني نصر حامد أبو زيد، ص113، ط1.
((2 مفهوم النص نصر حامد ابو زيد ،ص 211ط1
((3 الإتقان في علوم القرآن.جلال الدين السيوطي، ص 2/446-44

لا تعليقات

اترك رد