مصممون كرافيكيون .. كاسندري -2

 

لقد أثرت تصاميم (كاساندري) بشكل كبير على الفن الإعلاني في النصف الأول من القرن العشرين وهو القائل: أنا مؤمن بأن تصميم الملصق يعني حل مشكلة فنية وتجارية …. بلغة يمكن فهمها من قبل الرجل العادي ،لذا أهتم كثيرا بهذا النوع من التطبيقات التي باتت تشكل مفصلاً مهماً في حراك الاقتصاد والترويج التنافسي لذا شارك عام(1926) في تأسيس وكالة إعلانات(Alliance Graphique) وقدم من خلالها عديد التصاميم الكلاسيكية ذات الأسلوب لفرنسي على وجه أخص.

وفي مقال مهم للكاتب (جان ويلت) بعنوان(كاسندري : وجه ارت ديكو) يتناول الكثير من تجربة هذا المصمم الكبير هذا نصه : إبتكر (كاسندري) مفردات بصرية جديدة لـ (فن الديكو) شكلت لغة فريدة ومحددة تماماً ويمكن تتبع أهمية هذا الإنجاز المبكر للهوية البصرية لحدث ما ولحركة ما من خلال مقارنة بسيطة بين الملصق الذي صممه (روبرت بونفيس) للمعرض الذي عُدً أفضل فنانٍ بارز ظهر في عصر ما قبل الحرب وهو الأفضل في عمله خلال الحرب العظمى عندما تركزت الجهود الفرنسية نحو الإعلام العام والدعاية المعادية لألمانيا في التصاميم المطبوعة والرسومية ،فقد قَدًم فيها سلسلة من المطبوعات الخشبية القوية والدعائية الصريحة لمجهود الحرب يصور فيها الجنود الألمان على أنهم مغتصبون وناهبون وبرابرة خطرون على الجميع، ولكن بعد مرور ما يقرب من عقد من الزمان ، بدا أسلوبه المنحني على نحو لا يتناسب مع موضوع التصميم الصناعي والإشادة بالآلة التي كانت تعمل في عالم ما بعد الحرب، لكن ملصق( Bonfils ) الذي كان هناك نسخة زرقاء منه واحداً من عدة ملصقات تم تكليفه بها للمعرض وجميع التصاميم الخاصة باللجنة الرباعية كانت تسكن منطقة غير محددة

لقد غادر الفنانون روح (فن الآرت نوفو) السابق للحرب ، لكنهم بدوا على مسار غير واضح من عدم التوجه مع إفتقار إسلوبي واضح ولم تظهر هذه الجهود المشوشة والموحلة أي أثر لأسلوب الحكم السائد اليوم ، ولم تحمل أي ذكرى لحنكة الفن الحديث، كما غابت هذه الملصقات في مكان ما في الماضي الضائع ، وفشلت فشلاً ذريعاً في الإشارة إلى وجود نمط حياة جديد ظهر بعد الحرب العظمى ويبدو أن كاساندري البالغ من العمر(22) عامًا أدرك أن هذه البيئة المبنية بالآلات الجديدة كانت بعيدة كل البعد عن الإشارات القديمة منها إلى الطبيعة التي رسمها (بونفلس) أو الرؤى غير المؤكدة من قبل الفنانين الآخرين “الرسميين” وبعيدًا عن المشاركة في الدعاية للمعرض نفسه ، فقد تم تصميم ملصقه(Au Bûcheron ) الفائز بجائزة الحائز لصانع الأثاث ( Bûcheron ) وهي مؤسسة لا تزال تعمل حاليًا ففي العشرينات ، كان متجر الأثاث يقع في شارع دي ريفولي الحصري ، وهو عنوان يدل على الطبيعة الراقية لأوانيها الأنيقة، العلامة التجارية لـ( Bûcheron ) التي صممها (كاساندري) ، صَوَرَ حطاباً يمسك فأسه لتقطيع شجرة سميكة وهو الجانب الطبيعي للعمّال التقليديين الذين يعملون في الأماكن الخارجية وهو تمثيل شكلي ينطوي على الأصالة ، وحتى التقاليد ، لكنّ (كاساندري) ألغى أي تفصيلات تتعلق بالمنظر الطبيعي العالق بأقطار نمطية مستقبليّة تتجه نحو جذع الشجرة المتساقطة. الأوتاد المتعامدة تشمل الحطاب وإمالة الشجرة مؤكداً الخطوط المستقيمة ميكانيكيًا لـ(Art Deco) ونرى في التصميم دلائل على الطبيعة وثنايا ملابس الرجل وحبوب الخشب المكشوف – فهي مدمجة في التصميم بشكل مدهش وواضح الأمر الذي اعجب كثيرا (بيكاسو) وهو ما استدعى وضعه علامة على شاحنة نقل( Bûcheron ) مع شعار الحطاب ويمكن تعرفها على الفور بِعَدِها نسخة حديثة من فن الزخرفة التكعيبية ، وبحلول العشرينيات من القرن الماضي كانت التكعيبية في أيدي الصالون الشراعي ومصممي فن( الآرت ديكو) الذين كانوا يقودون النمط الهندسي إلى حياتها الثانية بعد الحرب. ومع هذا التصميم الذي جاب العاصمة باريس ذاعت شهرته ما دعاه إلى اصدار تصريح يتعلق بهذا النمط من التوجهات التصميمية أشار فيه إلى أنه يفهم دور التصميم الكرافيكي في الشوارع وإنه: سيتم عرض الملصق في الشارع ويجب أن يتم دمج المجموعات المعمارية وإثراء الواجهات المنتشرة، كما يجب ألا تحيي لوحة الإعلانات الفردية أو المبنى ، بل كتلة الأحجار الضخمة والمساحة الشاسعة ككل، البيان مثير للاهتمام لأنه ولسنوات تم إهمال فن ملصقات الحائط من قبل الفنانين،وكان (هنري تولوزلوتريك) أكثر شهرة في ملصقاته منها في لوحاته وتصاميمه المنحوتة لملهى (الطاحونة الحمراء) على سبيل المثال ، إذ أصبحت العناصر التصميمية تجمع مباشرة بمجرد لصقها على الحائط ، كما انتقلت ثورة التصميم إلى المجلة والكتاب وأسئلة التصميم الكرافيكي بهذه الأشكال الصغيرة، وكان إنجاز (كاساندري) هو تحديث الملصق بشكل عام ، الذي ، بخلاف تلك التي عند( تولوز لوتريك) إذ كان يحتاج إلى القراءة والفهم عند التنقل، وكما أوضح (كاساندري) فإن “الملصق على عكس اللوحة ، ليس ، ولا يُقصد به أن يكون ، عملاً يسهل تمييز أسلوبه بسهولة – وهو عبارة عن عينة فريدة من نوعها تم تصميمها لتلبية الأذواق التي تتطلبها عشيقة فنية واحدة أكثر أو أقل تنوراً. ومن المفترض أن يكون موضوعاً ضخمًا موجودًا في آلاف النسخ مثل قلم الحبر أو السيارة ، وهي مصممة للإجابة على بعض الاحتياجات المادية بصرامة، كما يجب أن يكون له وظيفة تجارية، لا أحتاج إلى التأكيد على أن رعايتي الرئيسة والمستمرة هي تجديد نفسي بلا توقف. ”

من المفارقة في مهنة (كاساندري) هو أنه انجرف إلى التصميم الكرافيكي من أجل كسب لقمة العيش ، تحت إسم مفترض كي يتمكن من متابعة دعوته الأكثر جدية ، تلك للفنان الجيد ، وتحت إسمه الحقيقي كان الملصق الهامه التالي الذي صممه الفنان الشاب الذي كان يجد نجاحًا غير متوقعًا في الإعلان عن أسلوب ما بعد الحرب الجديد ، هو لصحيفة( L’Intransigeant ) أيضًا عام(1925)، إن الصراخ هو واحد من العديد من الصبيان الجالسين الذين وقفوا في زوايا الشوارع في ملصق اصدره في عدد من الجريدة لشكل بفم مفتوح وهو إعلان يشير إلى ما قبل صيحة الإذاعة بأن الصحف تسلم أحدث الأخبار ، وترمز إلى الحداثة والقصص المطبوعة من خلال الأسلاك القطرية التي تتدلى مع عوازل السيراميك الأبيض تحلق من قطب الهاتف التي توصل الرسائل إلى (أذن) البائع الذي يفتح بعد ذلك فمه. الخطوط المباشرة التي تربط بين الرسائل والطباعة والإعلان هي شريان الحياة من أي صحيفة حتى اليوم، وحتى اليوم يميل المرء إلى إجراء مقارنات مع الصور الفوتوغرافية الشهيرة للكاتب الكسندر رودشنكو ، ودار الكتب .

من جهة اخرى إن اللون الأسود والتناغم اللوني في الملصقات المشهورة الأُوَل يثبت تفضيل (كاساندري) للأسود والأزرق اللذان عدا لونان رئيسان لديه ، لكن نجاح تصاميمه سيحدد مسار حياته لقد أصبح كاساندر واحدًا من أشهر المصممين ، وبالفعل ، بعد تجربته مع الإعلان المتجول تولى الفنان الذي أصبح الآن مصمم ملصقات بارع ، حملة (فاي فولو- فاتح للشهية) وكان ناجحًا إلى درجة أنه لا يزال يمثل علامة رنانة ومعروفة لفاتح الشهية اليوم. استلهمت فكرة الطائر الذي يغرق منقاره المفتوح إلى كوب من مشروب (الكهرمان) ومن صوت (Pi Volo haute) ترجم (كاسندري) الكلمات إلى أصوات مع الإعتراف بأن إسم العلامة التجارية قد يعني أيضًا (ذبابة العقعق) وأصبح اللعب البارع في الكلمات ملصقًا بارعًا مليئًا بالتكرار البصري.

لقد رفض كاساندر أن يسير على خطاه بنفسه ، وكرر نفسه ونظر في الموجز من شركة صنعت (مشروبًا) ، أو شيئًا لعملاء الشباب الذين أرادوا أن ينتعشوا للاحتفال ، إذا جاز التعبير ، كاختراق من الزخارف والمراوغات إلى التكعيبية. صمم لـ( Dubonnet ) من منظور مختلف تمامًا عن(Au Bûcheron ) ولكنه التقط من الاتجاه الجديد لـ(Pi Volo) وهو اختراع كيميائي فرنسي مختلطة لجنرال الخارجية الفرنسية والجنود الذين يحتاجون إلى تناول جرعات من (الكينين) ولا يزال يستعمل ( الكينين ) المرير في مكافحة الملاريا ، كما إن ( Dubonnet ) هو مزيج من الأعشاب والتوابل المختلفة وقشور الفواكه يحجب( الكينين) سواء كان ذلك مع( الكينين ) أو بدونه ، فإن( Dubonnet ) وهي وصفة عائلية مناسبة ، هو مشروب خفيف مثالي لفتح وجبة أو لقيادة أُمسية أصبحت إعلاناتها مشهورة بفضل مواهب(لوترك) و(جول شيريه) ، الذي جعل هذا المشروب الصغير الجذاب مألوفا، وعلى خطى الملصقات القابلة للتحصيل من (لوتريك وشيريه ) الذين أسكنوا تصاميمهم نساء مغريات قام (كاساندري ) بمزج الفكاهة في شخصية مربعة من رجل صغير وكان يظهر الرجل الصغير الجاد والرصين دائمًا في ملف شخصي ويجلس دائمًا على طاولة ، ويستمتع دائمًا ببرنامج(Dubonnet) وكما هو الحال مع(Magritte’s Everyman).

لا تعليقات

اترك رد