معنى واهمية الفن ج 3


 

لقد أضحى الفن مؤسسة فنية – إنه ما يستعد الفنانون والنقاد، ومؤرخو الفنون.. الخ لاعتباره فناً من الأساس، والذي تتيحه المؤسسة الفنية للجمهور، كالمعارض. ويرى (كولين برومس، ليسترشير) تعكس الحقبات الفنية المتعاقبة، كالكلاسيكية البيزنطية والكلاسيكية الجديدة والرومنطيقية والحديثة وما بعد الحداثة الطبيعة المتغيرة للفنّ ضمن سياقاته الاجتماعية والثقافية؛ ويتضح تغيّر المعايير في المضمون والأشكال والأنماط المتنوعة. تكتنف الأعمال الفنية على درجات أقل أو أكثر من هذا التغيير، وبالتتالي، لدى كل من الانطباعيين، والرومانسيين، والتعبيريين والتشكيلين والمؤسساتية الفنية. في كتابه الصادر سنة1981، (The (Transfiguration of the Commonplace، يزعم آرثر دانتو (Arthur Danto)، وجود خاصية للفنّ تربط مظاهره بسلوكيات الملاحظة لدينا بطريقة معقدة، والتي لن يعدو العمل الفني في حال غيابها أكثر من كونه ” متناظرات مادية” أو ” مجرد أشياء حقيقية ”.

وفي كتاب رايموندويليام Keywords (1976)، يظهر تعبير’ الفن’ كمصطلح واسع الاستخدام في القرن التاسع عشر، بالإضافة إلى’ الفنون الجميلة’ حيث ‘ للفن’ تاريخ من التطبيقات السابقة، كما في الموسيقى، والشعر والكوميديا، والمأساة والرقص، وينبغي علينا ذكر الأدب أيضاً وفنون الإعلام، وحتى فنون الحدائق، التي يمكن لها بحسب كتاب دافيد كوبر Philosophy of Gardens (2006) توفير ” طقوسٍ من التعلق العاطفي”. الفن عندئذ، لربما ” أي شيء يغوي ذائقتنا الجمالية” – جملة صاغها جون دايفس، الأستاذ السابق بمعهد التعليم الفني، في بيرمنجهام، سنة 1971 – وعلى الرغم من أن عبارة ” أي شيء” قد تبدو فضفاضة جداً. إلا إنّ اكتسابنا الاهتمام الجمالي (Aesthetic Interest ) على الأقل شرط ضروري للفن. وأن يعتبر شيء ما فناً يتطلب وجود معنى يلحظه عشاق الفن، يظلّ هذا قائماً طالما أنّ الإرهاصات الفنية وما شابهها موجود. وللمفارقة، قد يُسبغُ هذا المعنى على أغراض لم يقصد لها أن تكون فناً في المقام الأول، ولم يقصد لها أن تُلحظ جمالياً – على سبيل المثال، التحف النذرية، أو التعبدية أو التذكارية، أو النفعية. أكثر من ذلك، يمكن أن تخبو الاهتمامات الجمالية بالممارسات الاستثمارية المشبوهة وحب المديح الاجتماعي. حينما يختلط الاهتمام الجمالي بحب الظهور وأنماط ضارّة من النرجسية، يؤثر ذلك في حقّانية العمل الفني بقوة. قد تكون هذه المصالح ذات نفوذ، وتؤدي إلى تفريخ منتجات تتنكّر في ثوب الفنّ. وهنا يأتي دور عشاق الفن والجمال النبهاء في رصد أي موضة، أو تزييف ونزوات (سيوريدهانيماSjoredHannema ،Fakes and (Fantasies 1970 أما (إيان مالكومسن، كولومبيا البريطانية) لا أحد، بمن فيهم نقاد الفن، ينبغي أن يملي على الناس ما هو الجمال من عدمه؛ فعالم الفن قائم على صراع مستمر ما بين الحفاظ على الذوق الخاص وتعزيز القبول الجماعي.بالنسبة لي ليس الفن بأكثر أو أقل من القدرة الإبداعية للأفراد في التعبير عن فهمهم لبعض جوانب الحياة العامة والخاصة، مثل الحب والصراع، والخوف والألم. حينما أتلو قصيدة عن الحرب لإدوارد توما (Edward Thomas) ، وحينما أستمتع بحفلة بيانو لموزارت، أو أتأمل في لوحة لإيشر( (M.C Escher، عادة ما أجدني مستغرقاً في لحظة شرود ذهني لاحقة، مُلهَم العاطفة، جائش الفكر.في لحظة الاكتشاف تلك أدرك بتواضع أن آرائي قد يشترك فيها الآلاف غيري، وحتى الملايين حول العالم. ويعزى هذا في جزء كبير منه إلى قدرة الإعلام على السيطرة على عواطفنا واستغلالها. أصبَح معيار قياس الفنّ اليوم، هو مقدار النجاح التجاري الذي يحققه أداء أو عمل ما، والناظر اليوم سيجد أن جودة الفنّ قد انحدرت إلى مبيعات الكتب، أعداد المشاهدات، أو كمية التحميل لتسجيل ما.

ومن المحزن ضياع الانطباع الشخصي في زحام القبول الفوري. ومن نتائج الآراء:
أنا أتوافق مع أشار إليه – أيان مالكومسن – في الرأي، بأن التقبل البصري الذاتي لابد أن يتحرر من التغطية الجماعية السائدة وإذا كان الجمال محصلة عمليةٍ نحصل من خلالها على أحاسيس الرضى والسرور فمن الأفضل له أن يظل مسألة إدراك شخصي، حتى وإن نادت قوى خارجية بالسيطرة عليه. بكلمات أخرى، لا أحد، بمن فيهم نقاد الفن، ينبغي أن يملي على الناس ما هو الجمال من عدمه. فعالم الفن قائم على صراع مستمر ما بين الحفاظ على الذوق الخاص وتعزيز القبول الجماعي.أما (تشارلي أندرسن، إيلينوي) يرى إن الجمال إجماليّ، واتحاد العناصر سوياً يجعله كذلك. لطخة فرشاة واحدة لا تخلق جمالًا، لكن عدة لطخات سوياً في مقدورها هذا الأمر .لا يهيننا الجمال على أي مستوًى. إنه حكم شخصي، رأي ذاتي. فذكرى التحديق في منظر جميل، منظر يأسر الحواس، هي أشياء قد تعلق في ذاكرتنا للأبد. إنني لا أنسى أبدًا دخولي منزل بلزاك في فرنسا (صار اليوم متحفاً): عطر الزنابق كان غامراً جداً بحيث انتابتني لحظة خشوع. ولا يمكنني إطلااً تفسير كثافة الأحاسيس الأخرى التي اعترتني ذلك اليوم. غير أنني لا أعتقد أن من المهم تبرير سبب اعتقادي بجمال زهرةً أو لوحة أو منظر الغروب أو انبعاث الضوء من خلال نافذة زجاجية. تخلق قوة المناظر رد فعل عاطفي عندي. ولا أتوقع من الآخرين أو يقلقني اتفاقهم معي من عدمه.

هل نتفق كلنا على أن اللطف سلوك جميل؟ إن الجمال إجماليّ: واتحاد العناصر سويا يجعله كذلك. لطخة فرشاة واحدة لا تخلق جمالًا، لكن عدة لطخات سويا في مقدورها هذا الأمر. الزهرة جميلة، لكن جمالها ينبع من وجود البتلات سويًا، ومن عطرها المُسكر. عند التفكير في سؤال “ما هو الجمال؟”، فإنني ببساطة أخلص إلى فكرة أن الجمال يكمن في عين الرائي. ويكفيني أن أقول، بأن تقييمي الخاص لما يصعقني بجماله هو كل ما أريد معرفته.

أما (ديريك هالم، أوريجون) قال الروائي الفرنسي ستندا (Stendhal)، ”الجمال وعد بالسعادة”.. لكنه لم يفصّل قوله، إذا عن أي جمال نتحدث وأية سعادة؟ إنني أفضل الفن الإنساني على الأفعواني، لكنني بلا شك سأصاب بالذهول إزاء فن أفعواني. قد يتطلب الأمر انسلاخ العديد من التصورات التي نأخذها كمسلمات.

فلنعتبر أن أفعى قد صنعت عملاً فنياً. ما الذي ستعتبره الأفعى جميلاً؟ وممّ سيتألف فنها؟ لدى الأفاعي قدرات بصرية متواضعة حيث تكتشف العالم بنسبة كبيرة من خلال جهاز حسي كيميائي، هو العضو الميكعي الأنفي، أو من خلال الاستشعار الحراري. فهل سيكون فيلم صنعه البشر منطقياً للأفعى؟ بهذه الطريقة سيكون جمالها وفنها، غريبين كلياً على فهمنا: لن يكون فنها بصرياً، وحتى إن اتضح أنّ لها أغنيات فإنها ستكون أجنبية علينا؛ بالنتيجة، ليس لدى الأفاعي آذان، إنها تحس بالذبذبات. لذا فإنها ستدرك الفنون الجميلة، وتشعر بالأغنيات، بمقدار فهمها لهذه الفكرة.

من هذا المنظور، فإن في وسعنا رؤية أن الجمال يكمن فعلاً في عين الرائي. قد نتحدث عن طبيعة الجمال بلغة هائجة، لكننا سنخدع أنفسنا إن أخذنا الأمر على محمل الجد. لا ينبغي للجماليات التي تمثّل الجمال خداعنا للاعتقاد بوجوده كمفهوم مجرّد. إنه يتطلب وجود الُمشاهد والسياق، والقيمة التي نُكسبها لمزيج معين من الألوان أو الأصوات على أشياء أخرى، هي مسألة تفضيل وحسب. إن رغبتنا في الصور، أكانت تحرّك دواخلنا أم لا، ترجع إلى أن أعضاءنا قد تطورت بطريقة تدفعنا للرغبة بها. لن تستفيد الأفعى من عالم بصري. أما (براننماكوني، تينيسي) مؤلف كتاب “تلميذ الحياة: لماذا يؤدي الانخراط في الحياة، في الفن، والفلسفة إلى وجود أكثر سعادة.. ؟Student of Life: Why Becoming Engaged in Life، Art، and Philosophy Can Lead to a Happier Existence”لا ينبغي الخلط، بين سؤالي “ما الفن” و”ما الجمال”.. تنحدر جل المناقشات حول الفن إلى مواضيع غير ذات صلة، حيث تمتد لمدة مزعجة فقط للبرهنة على انفتاحها وللحديث عن رحابة مفهوم الفن.

بما أن الأمر محسوم، وبما أنَّ الفنّ هو أي شيء تريده، ألا يمكننا إنهاء النقاش عند تلك النقطة؟ سأسكب كومة من الألوان على قماشة لنبدأ جميعًا باستعراض إنجازاتنا الحديثة من قبول للآخر وتعقل معه. إنّ الأمور لا تسير على هذا النحو، وجميعنا نعلم ذلك. إن كان الفن ليعني أي شيء على الإطلاق، فإنه لا بد من وجود تعريف يصلح له. وإن كان الفن هو أي شيء على الإطلاق، لأي إنسان وفي أي وقت، فلا طائل من النقاش. إن ما يجعل الفن مميزاً – وجديراً بالمناقشة – هو وقوفه على اليوميات أو تجاوزها، كالطعام اليومي، واللوحات، أو الأصوات.

أن نضيف الفن إلى الأطباق واللوحات والموسيقى، يعني أن نجعلها مميزة أو استثنائية.ما هو، في هذه الحالة، تعريفي للفن؟ باختصار، لكي أسمي عملا ما بالـ”فن” فإنني أضع اعتبارين. الأول أنه ينبغي أن يحتوي ما يمكن تمييزه بطريقة ‘ تلقي الجمهور من الفنان’. لأوضح أكثر، يجب أن يكون ثمة إدراك بأن شيئًا ما قد صُنِع للجمهور، لكي يتلقاه ويناقشه ويستمتع به- تتضمن هذه النقطة تعرياً واضحاً للفنّ. بكلمات أخرى، لا يستطيع الفنّان إخبارك بأنه فن ما لم يتشكّل لديك الانطباع أنه كذلك. النقطة الثانية هي ببساطة تمييز المهارة: يتطلب الفن شيئاً من المهارة الواضحة. وهذا في رأيي، هو أقل متطلبات – أو تعريفات – الفن. حتى وإن اختلفت التفاصيل، فإن شيئاً من التعريف مطلوب لجعل شيء ما فنا من عدمه. وإلا فما الذي نناقشه حتى؟ يرى (دافيد هوارد، شروبشيرد) يبدو وكأن البشر مضطرون للتصنيف، والتنظيم والتحديد.

إننا نسعى لفرض نظام على الانطباعات الحسية والذكريات المتخبطة، نرى الاتساق والتناسق في التكراريات والترابطات، في بحث دائمٍ عن الرابط المشترك، وفي توق لتحديد السبب والنتيجة، بحيث نتمكن من منح معنًى لما قد يبدو عشوائياً وغير منطقي.

ومع ذلك، في القرن الأخير تحديداً، تعلمنا الاستمتاع بالتأمل في التصورات العشوائية؛ فقد توسعت أساليبنا الفنية في الاستماع والمشاهدة بحيث تتسع للمتنافر والشاذّ. دائماً سيظل تحدي المفاهيم التقليدية للفن قائما، بدءً من الصدمة التي يحدثها عمل جديد، إلى التوترات التي تغلف صحّة فهمنا للعمل الفني. وهذا ما ينبغي أن تكون الأمور عليه أصلًا. على الصعيد الثقافي كان يعني ذلك، هوة آخذة في الاتساع ما بين آراء الغالبية، التي تستمر في تعريف الفنّ بطرق تقليدية، بما فيها من نظام، وتناغم وتمثيل؛ والأقلية التي تبحث عن الفرادة، والتي تحاول رؤية العالم كمكان جديد، وتكافح من أجل الاختلاف والتي تنبع ممارساتها النقدية من التجريد. وبين الفريقين من يستنكر تطرف الفريقين، ومن يجدون ويمنحون السعادة في تعريف رؤية شخصية والتمرن من أجل أداء متقن.دائماً ما سيظل تحدي المفاهيم التقليدية للفن قائماً، بدءً من الصدمة التي يحدثها عمل جديد، إلى التوترات التي تغلف صحّة فهمنا للعمل الفني. وهذا ما ينبغي أن تكون الأمور عليه أصلاً، بينما يبذل المبدعون الجهد لتوسعة الحدود. في ذات الوقت، سنستمر في العثور على السعادة في جمال معادلة رياضية، أو آلة مضبوطة بدقة، أو تجربة علمية ناجحة، تكنولوجيا فحص المذنبات، أو قصيدة ناجزة، أو صورةٍ مذهلة، أو عالم من الأصوات لسيمفونية. إننا نمنح المعنى والأهمية لما نجد فيه قيمةً ونحبّ مشاركته مع الأصدقاء. يعكس الفن وتعريفنا الشخصي للجمال طبيعتنا الإنسانية وسعة فضاء نشاطنا الإبداعي.

لا تعليقات

اترك رد