تِلْكَ أَصْبَاغُكَ، وَهَذِهِ لَوْحَتِي


 

نصّ مشاكس هذا الّذي أهدانيه الصّديق الرّوائيّ سالم دمدوم. هو أحد أصدقائي النّصوص أو النّصوص الأصدقاء التقيته في وهج الحرف ذات درس بإعداديّة قصر أولاد سلطان في ارتفاع للمكان وفي الكيان، ثمّ حرفا سابحا في زرقة هذا الفضاء الشّفيف.

نصّ يسائل ذاته بحثا عن عوالم سرديّة بديلة ” تكون بالغة التّعقيد، ومتناقضة ومستفزّة شبيهة في ذلك بالعالم الواقعيّ”، ويسأل قارئه أن”يصنع الحدث ويتّجه الوجهة الّتي يريدها متجاوزا محدوديّة النّصّ” فهو هديّة “للّذين يفتحون في صمت الورق بوّابات عجيبة فيها الرّوعة والدّهشة فتستحيل الصّحائف البيضاء جنّة وجحيما”

” أوراق متداخلة متنوّعة، مبتورة متنافرة” هي”أوراق مسعود اللّفتي” انتقلت من يد إلى يد حتّى وصلتك أيّها القارئ. أوراق وجدتها طالبةٌ في علبة من علب الأرشيف بخزانة في غرفة جدّها موسومة بـ ” شخصيّ وخاصّ” سلّمتها إلى أستاذتها راجية منها أن تنشرها في كتاب لكنّ الموت لم يمهلها فتسلّمتها صديقة طفولتها الرّوائيّة “د. عائشة عبد الرّحمان” صاحبة رواية” الحفر في الذّاكرة”.

“نشر المخطوط روايةً” حركة وفاء من د. عائشة عبد الرّحمان لصديقتها في ذكرى وفاتها الأولى وحركة تمرّد عن مقولة الأجناس والمعايير من قبل الرّوائيّ سالم دمدوم يعيد من خلالها ترتيب العلاقة بين النّصّ والقارئ. هذا مشغله الفنّيّ وهو يهدي عمله إلى ” الخلّاقين العظام”، وهو يتّخذ من ألبرتو إيكو صاحب “ستّ نزهات في غابة السّرد” عتبة إلى نصّه، وهو يدّعي المخطوط كما ادّعاه عدد من روائيّيّ ما بعد الحداثة وُظّف ألوانا من التّوظيف واستغرق أعمالا روائيّة عديدة في الغرب والشّرق من ذلك رواية “اسم الوردة” لأمبرتو إيكو (1980)،” سمرقند” لأمين معلوف (1988)، “عزازيل” ليوسف زيدان (2008)…

إدّعاء المخطوط في هذا النًّصّ مغامرةٌ في الكتابة تُحطّم البنية التّقليديّة وحبكتها القائمة على “السّرد المتواصل” تجريبا لممكن من الفنّ الرّوائيّ طليعيّ: يعتمد التّغيير المستمرّ ولا مقاييس ثابتة له” إذ ” لم تعد الرّواية رواية اليقين الهادئ المستقرّ، بل إلى زرع الحيرة والتّقلقل أقرب”. كذا يقدّم الكاتب على لسان الرّاوي مشاغله الفنيّة.

المخطوط وقد خطّ بالقلم أو الرّيشة ولمّا يُتوسّلْ بعدُ بالآلة في كتابته يظلّ مشروعا غير متحقّق لغفلة عن ترتيب أوراقه أو لعوامل قد تفعل فيه فعلها كأن تمتدّ يد غريبة عابثة أو ” يتعرّض إلى البلل فتندغم حروفه”، وقد يؤول إلى غير صاحبه يعهد له بأمره: ” لي في مكتبتي مجموعة أوراق أرجو أن تعمدي إليها فتجعلي منها عملا تنشرينه في كتاب”. فهو على صورته هذه بنية متغيّرة مفتوحة مربكة:” لمّا تسلّمت هذه الأوراق بدت لي متداخلة ومتنوّعة وأحيانا مبتورة ومتنافرة”. لعلّها قصّة الحياة وفوضاها، تيّارها الّذي يأخذنا فلا نسوّي ملفّاتنا ونغفل – “في فوضى الوجدان، وحيرة الإنسان فينا إزاء العالم الزّاخر بالأحداث والمتناقضات”-عن الغياب.

المخطوط قصّة على قصّة، مشروع كتابة تنشغل فيه الرّواية بنفسها تفكّر في نظامها وتسائل أدواتها. ضرب من الميتا قصّ Métarécit؛ سرد يتدخّل فيه الرّاوي ليحدّثنا عن مصدر حكاياته ودوره فيها وكيفيّة انتظام عناصرها.

تجوز عتبتي الإهداء والتّصدير فيطالعك “مدخل خارج النّصّ” قصّة إطاريّة تبدأ أوّل الرّواية بقوله: “لهذا المخطوط قصّة مؤلمة” وتنهي آخرها بقوله: ” إلى هنا تنتهي هذه الأوراق الّتي تضمّنها ملفّ أوراق مسعود اللّفتي”، وقصّة مضمّنة هي أوراق المخطوط: ” أبادر الآن فأقدّم لكم هذه الأوراق دون ترتيب”. مشروع كتابة يتبرّأ فيها الرّواة من الحكاية الّتي تناقلتها أيديهم: الطّالبة المثقّفة، الرّوائيّة الفقيدة، د. عائشة عبد الرّحمان، وراو علّمهم فنّ الحكي سالم دمدوم؛ يعرضون حكاياتهم الشّخصيّة تشفّ عن مواقف الكاتب ورؤاه حمّلهم إيّاها، مشروع كتابة يقطع مع السّرد التّقليديّ الّذي يُغرق القارئ في عالمه المتخيّل فينبّهه بضمير الخطاب إلى دوره الخلّاق “تكون أنت الّذي يملأ الفراغات الحادثة بين الوقائع ويحوّل “الأصباغ على قماشة بيضاء إلى لوحة”. وإليه وحده يعود أمر تصنيفها. ” قرّرنا أن ننشر العمل كما أعدّته صاحبته ونترك للقارئ والنّاقد بالخصوص مهمّة تصنيفه”.

هكذا يُشرك القارئ عبر تقنية الميتاقصّ في عمليّة إنتاج النًّصّ الرّوائيّ يحمله باستمرار على اليقظة والتّأمّل والتّساؤل وهذه من جماليّات التّلقّي في الرّواية الجديدة. وهو قبل ذلك يضعه وجها لوجه مع لحظة الكتابة همومِها وسرّ صناعتها لأنّه يخشى منها عليه: يقول إلياس الخوري في روايته مملكة الغرباء :”الكاتب يعرف أنَّ الكتابة هي العلاقة المطلقة بالخوف. صفحة الكتابة هي صفحة الخوف, والخوف ليس على الحكاية بل منها, نخاف أن تبتلعنا الحكاية وتحيلنا إلى هامش فيها, فنمّحي بدل أن نسطع, ونختفي بدل أن نظهر, ونتحول إلى جزءٍ من حكاية لا نعلم كيف ستنتهي بنا ولا إلى أين ستقودنا”

وهو في جميع ذلك يضعه في غابة السّرد وعليه اختيار مسلكه فيها: يقول أمبرتو إيكو في نزهاته الستّ:”إنّ كلّ تخييل سرديّ …لا يستطيع، وهو يبني عالما يعجّ بالشّخصيّات والأحداث، أن يقول كلّ شيء عن العالم إنّه يلمّح والباقي يأتي به القارئ الّذي يقوم بمل الفضاءات البيضاء…إنّ الغابة هي استعارة للنّصّ السّرديّ… إنّ الغابة هي حديقة تتداخل دروبها،.. وحتّى إذا كانت الغابة لا تتخلّلها الدّروب، فسيكون في مقدور أيّ كان أن يرسم لنفسه مسارا والذّهاب يمين تلك الشّجرة الّتي صادفها او يسارها. على قارئ كلّ نصّ سرديّ أن يكون مستعدّا للاختيار” (1)

“من أوراق مسعود اللّفتي” غابة سرد يضيع السّالك بين دروبها؛ قصّة المخطوط تتقاطع في روايته أصواتُ رواة ثلاثة: د. عائشة عبد الرّحمان، الرّوائيّة الفقيدة، طالبتها الحفيدة الّتي تنفذ وصيّة جدّها:” لي في مكتبتي مجموعة أوراق أرجو أن تعمدي إليها فتجعلي منها عملا تنشرينه في كتاب”. يسلمك الصّوتُ إلى الصّوتِ ويقطع الصّوتَ صوتٌ وتتناسل الحكايا، دوائر تتوالدُ حَجَرَةً تُلقى على سطح الماء، تناوبٌ بين الحاكي

والمحكيّ، بين الواصف والموصوف، بين الذّات والآخر تتراءى فيه ويتراءى فيها، مرايا تُطلّ منها حيوات تخاطبك:” لست وحدك في هذا المكان…ثمّة من يراك”

موقف ألفة مسعود سالم التّونسيّ وهي في حجرة جدّها” تلج عالَمه الخاصّ” تجتهد في إنفاذ وصيّة جدّها، عالمًا من الغرابة هو عين موقف سالم دمدوم وهو ينقّب في الكتابة الرّوائيّة يكتشف سرّها وسؤالها الّذي لم يُسأل خوفَ إزعاج ثوابتَ سكنت إليها الأقلام واطمأنّت فمِلؤها صوت يتناهى من مقبرة فرعونيّة: “لا تفتح التّابوت، فسيذبح الموت بجناحيه كل من يجرؤ على إزعاجنا”. السّؤال الّذي تسأله الرّواية هو سؤال الشّكل لا المضمون، سؤال كيف تقول الرّواية نفسَها لا ماذا تقول، سؤال القيم الّتي تعطف إليها من خلال شكلها لا مضمونها.

شكل مفتوح يفيض عن حدود الجنس والمكان والزّمان، تتضامّ فيه الومضات والشّذرات والقصاصات على “غير نظام ولا تنسيق”، وتنجم فيه الشّخصيّات كما تنجم الذّكريات تعطب الجراح القديمة، تغيم فيه الإحالة ويلتبس فيه التّخييل بالواقع. شكل يحرّض القارئ تحريضا:” ما جمعه من وثائق مختلفة، وما يورده من أخبار، وما يعمد إليه من ذكر أحداث يسردها غفلا، حتّى لا تدري هل هي حقائق أم أوهام، وهل هي تخصّه أم متعلّقة بحياة آخرين…مثّل لي نوعا من التّحريض”. (2)

تقف الحفيدة “سارحة بعيدا مع اللّوحة الخالدة ” لوحة الحريّة تقود الشّعب للرسّام الفرنسيّ ” أوجين دي لاكروا” فوق مكتب جدّها، توقّفتْ عند المرأة الشّابة بؤرة الضّوء تقود الجماهير نحو النّصر ضدّ الطّغاة وقد تمرّدت على المَشدّ يكبّل صدرها كما تمرّد المذهب الرّومانسيّ الّذي صاغ اللّوحة على الحدود والقيود.

لوحة اختارها الجدّ فهي بعض عقله وجهاده يطلب الحريّة تشهد بذلك أشياؤُه الحميمة في صندوقه الخشبيّ الكبير العتيق ذي النّقوش المختلفة: ” مسدّس، خراطيش، منظار، كسوة عسكريّة لملازم…” وهي أوجاعه “ذاكرة للملح والدّم” كما تنطق بذلك مذكّراتُه، وهذه الأوراقُ الّتي قد تكون ” لمقاوم ثوريّ تنكّر له رفاق السّلاح فأكلته الثّورة كما تأكل الثّورات رجالها حين يستغلّها الخونة والوصوليّون، وكّاب المحطّات الأخيرة”. كذا اجتهدت الرّوائيّة الفقيدة صاحبة ” اغتيال الثّورات” في الفهم، وكذا كانت اللّوحة معبر الكاتب من الفنّ إلى الواقع، وضعها النّاشر بإيعاز من الكاتب سالم دمدوم على غلاف روايته مخالفا بذلك رغبةً للحفيدة أنطقها الرّاوي بها(3) تأكيدا على راهنيّة اللّوحة تعبيرا عن واقع تونسيّ وعربيّ تناضل فيه الشّعوب من أجل “ثورة تصحيحيّة” ضدّ” الوصوليّين والمجرمين يزيّفون إرادتها ويوقفون مسار تطوّرها ويحاولون تغيير نمط حياتها”.

اللّوحة المسرحيّة حيث إيزيس تحضن طفلها، تميس بغلالتها الأرجوانيّة كأنّها حمامة تهمّ بالطّيران، تاجها يتوهّج في ضوء المشاعل، تترنّم بأنشودتها: “لأنني الأولى والأخيرة، لأنني المُبجَّلة والمُحتقرة، الزوجة والعذراء، الأم والابنة،…لأنني العاقر ولأن أولادي لا يُحْصون،…ولأن زوجي هو ابني الذي تخلّيت عنه لأنّني كلّ ذلك، قدّموا لي الاحترام على الدّوام، لأنّي من ضحّت بحياة العزّ والمجد في سبيل عزّة وطني”،

فأنا الفاجرة وأنا المرأة النّبيلة”، هي المعادل الرّمزيّ لثورة تنتصر لقيم التّضحية والحبّ والخير والسّلام وتكبُر باجتماع الكلمة ولكنْ دون ذلك كافرون بها وبأوطانهم وبالحياة:” أفّ لكم ماذا سيكتب التّاريخ في صحائفكم؟ جلسوا على كرسيّ مسروق من قوت الشّعب ذلّوا واستكانوا، سلّموا أوطانهم لأعدائهم” (4)، ثورة تحمل لواءها العقول وينتهكها الجهلُ والتّسليمُ الغرّ السّاذج وأفهامٌ معطّلة كسلى انتهبها دجّالون خرّاصون باعة لصكوك الجنّة، ناطقون باسم الدّين والإله “برهان الرّحمان الشّعشعانيّ” وطيور الظّلام تُرسِل في أرجاء الوطن “نعيبها المؤلم” (5)، وينتهكها الولاء للسّلطان قبيلِه وعائلتِه لا للوطن، يُجمّل أفعالهم شيوخ البلاط.” إنّ مولانا أيّده اللّه بنصره شديد التّسامح عطوف على رعيّته” (6)، ثورة تتنافر مشاهدها وتتناقض صورها. وما فوضى الشّكل الرّوائيّ وتشظّيه إلّا صورة من التّبعثر واللّامنطق والغموض الّذي يلفّ الواقع. إنّه الصّوت المستكنّ في العمل الفنيّ يصدح به القارئ.

وتقف الحفيدة مشدوهة إزاء لوحة أثيرة لجدّها وضعها في إطار مذهّب قبالة سريره حيث يستريح من تعب. لوحة الفتاة ذات القرط اللّؤلؤيّ للرّسّام الهولندي يوهانس فيرمير: “العينان الواسعتان الصّافيتان” والنّظرة الثّابتة إلى رائيها لا تريم عنه، “الضّوء الهامس على شفتيها المسوّكتين الفاغرتين قليلا” تكاد تقول ولا تقول، التفاتتها أتخطو إلينا أم بعيدا عنّا؟، العصابة الزّرقاء الشّرقيّة على رأسها والشّال المرسل على كتفيها وقرطها اللّؤلؤيّ. وجه يحفل بالمعاني يُخفيها ولا يُبينها، مخابر الأنفس تتخايل على ظاهر الصّور، غموض ساحر وسحر غامض ذاك فنّ “البورتريه” Portrait ، كما أراده أعلامه فهو “ما ينشأ في نفسك منه”.

أمّا الحفيدة فقد ذكّرتها امرأةً خالت أنّها رأتها، وأمّا أنا فـ” لا أعتقد أنّ أراقون رأى في عيون إليزا ما رأيت أنا في عينيك ! …في عينيك يرقد ليل إفريقيّ حالم بالأنداء مليء بالأسرار يزداد خصبا ورعونة كلّما استسلمت له” (7)، ويحملني “البياض ذو اللّمعان الحليبيّ لبشرتها” ” بعيدا جدّا في أعماق التّاريخ فإذا ” باقة من كواعب بربريّات عاريات تماما …يفردن شعورهنّ الطّويلة للرّيح الجنّوبيّة اللّافحة” يتضرّعن لربّ المطر والجسد منهنّ متّقّد دافق خصيب حيّ: “أنزار يا أنزار أنزل ماءك”(8)، وتعيدني إلى أهازيج “البُرّاش” الرّامزة و” طقوس طلب المطر:

” يا مطر يا خالتي *** صبّي على قطّايتي
قطّايتي مدهونة ***بالزّيت من الزّيتونة” …
اعذرني صديقي سالما أن أعدت تشكيل أصباغك فالعين ” باب النّفس الشّارع”.

هذا الإنسانيّ العميق وهذا الإحساس الشّفيف اللألاء في لوحة ذات القرط اللّؤلؤيّ تناظره فنّا وواقعا حيوانيّة مقيتة تعود إلى كهوف ما قبل الحضارة: مشهد الجنود يضرمون النّار في كهف لجأت إليه “قبيلة كاملة بأطفالها وحيواناتها” فهم يتلذّذون برائحة الشّواء. تلك معركة الإنسان مع الحيوان المتوحّش فيه الّتي لم تحسم بعد على خِلاف ما تنبئ به الصّورتان المنقوشتان على صندوق الجدّ (9)

وشدّت الحفيدةَ روعةُ لوحة ثالثة: فتاة فارعة زرقاء العينين “شعرها أصفر طويل ينسدل على ظهرها، ويتبعثر فوق عجيزتها ويختلط بالسنابل الّتي يتفجّر بها الحقل”. إلى صدرها ضمّت يُسراها حزمتَها، وبيُمناها زهرات من النّرجس البرّي. لوحة من لوحات الحياة تُخصب صفحاتٍ من كتاب الحبّ تضفر العمر جديلةً والوقتَ سنبلة حالمة:” تمرّغ رأسها على صدري وتتبعثر خصلات شعرها الأصفر الطّويل وتتهدّل على السّرير ويسري عطرها إليّ فيأسرني”

” حلم الشّفاه بالشّفاه
في مشاوير قبل
حلم الكفّ بالكفّ يحضنها حرير
مشاريع غفوة على صدر حبيب”.

لوحات ثلاث كانت فضاء الجدّ الجماليّ اختصرت وعيه وتجربته وحلمه وكانت أيضا مفتاحا للأساس الفنّي الّذي اعتمده سالم دمدوم في تشكيل روايته وهو تقنية الشّظايا أو الفسيفساء. فنحن فيها إزاء أوراق مشظّاة، كلّ ورقة هي لوحة تتشظّى لقطاتها، تتجاور، تتوازى، تتقاطع، تتداخل. انظر تجد هذا في عناوين يضعها الرّاوي وهو يسلم مقاليد الرّواية لعدد لا حصر له من الرّواة، عناوين تترى منكّر أغلبها (وثيقةٌ)، لا منطق سببيّا ينتظمها أعلمتها أرقام (عدد1-10) أو نعوت مبهمة (أخرى)، قد تتفرّع عن العنوان الأصل عناوين وقد يقوم الفرع فيها مقام الأصل (لعنة صيّاد الغزال، أخبار برهان الرّحمان…)، وفي وثائق انقطعت عن سياقها تشي بذلك علامة الحذف (…) أو صريح العبارة فهذا جزء من رسالة أو من ملفّ وهذه قصاصة، وثائق ضمّت إلى بعضها بعضا على تباين مصادرها ( وثيقة من ملفّ باحثة الآثار، صفحة من كتاب الحبّ، من أوراق مسعود اللّفتي، من أوراق دانيال، صفحات من كتاب المدقّ، صفحة أخرى من ملفّ مذكّرات خاصّة) وتباين شخصيّاتها وأزمنتها وأمكنتها، وفي سرود تقطعها تعاليق تقصر أو تطول من أصل المخطوط أو من إضافة اليد الّتي استلمته (اعتذار للقرّاء، تعليق من عائشة عبد الرّحمان).

وتقتضي تقنية الشّظايا اعتماد أسلوب الوصف والصّور الوصفيّة تشكّل معمار الرّواية وحركتها فأنت تنتقل من صورة طبيعيّة إلى صورة منحوتة فمشهد مسرحيّ فصور متخيّلة فصور واقعيّة فصور نفسيّة فمشاهد حواريّة فضلا عن أفعال وصفيّة تنهض جميعها بوظيفة استبطان الذّات آلاما وأحلاما وأوهاما، حاضرا وذاكرة. ذات الإنسان تردّد الأزمانُ صداها. لمّا كان السّرد هو الحركة والحدث النّامي فليس هو الوسيلة المثلى لتعبير الرّواية عن هذا العالم المتصدّع المتآكل الّذي لا يفعل ولا ينمو. قيمة فنيّة ودلاليّة يضمرها الشّكل الرّوائيّ.

وقيمة أخرى أجلّ وأبعد مدى ينطق بها هذا الشّكل الرّوائيّ الفسيفسائيّ هو أنّ وظيفة السّرد بإطلاق هو وصل التّجربة الفرديّة الموقوتة في الزّمان والمتعيّنة في المكان بتجربة الإنسان أوساعَ ذاكرة وتاريخَ ثقافة. قيمة تجلوها خواصٌّ فنيّة ثلاث في الرّواية: تراسل الأجناس، العجائبيّة، اللّغة الشّاعرة.

أمّا تراسل الأجناس فماثل في هذا التّجاور والانصهار بين الأفنان؛ اقرأ هذه الأوراق تجدْ القصّة وقصّة القصّة، الإبداع ونقده، الصّورة وقراءة الصّورة، السّرد والتّعليق، تجد الوصيّة والخاطرة والأغنية والأنشودة والأهزوجة والرّسالة والمذكّرات والخبر، تجد الشّعر والتّوقيع والمسرح والأسطورة، واقرأ تجد ألوانا من الخطابات سرد ووصف وحوار وألوان من النّصوص تالد وطارف، أصيل ومترجم وملخّص ومختصر، مزاج من الأجناس تسأل سؤال الكتابة تكتب في الإنسان تاريخ كلّ النّاس، تلج أعماقه بقدر تمرّدها عن سلطة النقّاد وبقدر ابتعادها عن مقولات التّجنيس والتّنميط ، وجوهر الإنسان أن يحاور أبعاده الذّاهبة في الزّمان وفي المكان.

أما العجائبيّ في النّصّ فمظهر من مظاهر تخطّي قيد الأطر الموضوعيّة تجلّى من خلال استدعاء الموروث العربيّ والإنسانيّ يحملك إلى ساحق الأزمان وأعماق التّاريخ تجتمع وتتنافذ مطلّة على الحاضر في حوار خفيّ؛ إلى عجائب الآثار، إلى فتاة كورنثا تعكف على وجه من رخام لحبيبها، إلى أنزار الإله الأمازيغيّ، إلى تغريبة بني هلال، إلى أساطير الجنوب التّونسيّ، إلى الإلاهة كالي وأتباعها الهندوس، إلى حكايا التّراث… تجدُ فيها قراءات حميمة وأوقاتا وعادات أليفة، وتقرأ فيها قضايا مجتمعك الرّاهنة: حريّة المرأة ومساواتها الكاملة مع الرّجل، قضيّة الإرهاب والتّغرير بالشّباب. نصوص وإن نأت فإنّ حضورا يملؤها إذ تنتابك مشاعر الخوف والضّياع أو الشّوق والرّجاء أو الشّكّ والاغتراب، ويحملك على الدّهشة إزاء كون يلتبس فيه الواقع بالخيال، والحلم باليقظة، والجدّ بالهزل التباس التّجربة الإنسانيّة فلا وجهة واضحة ولا يقين. وهذا مسعود اللّفتي يقول في يوميّاته:” مازالت الأقدار عابثة على مسرح حياتي، ولم يتحدّد بعد الاتّجاه الّذي ستسير فيه بقيّة الأحداث، مازالت قوّة ما تقذف بالأصباغ والألوان في رعونة عابثة، مازالت ريشة مجهولة تطعن في انفعال غريب قماشة المرسم، ومازال من المبكّر جدّا معرفة ما تحمل اللّوحة من معان واتّجاهات” ((10

وأمّا اللّغة إن لم تسبق إليك شواهدها فدونك النّصّ تقرّاها فيه: مستويات تتراكب، أساليب تتظاهر، رموز تتوالد، تكثيف وإيحاء، سخرية وهجاء، بوح ومكاشفة…تسائلك -ممتحِنةً-أن تقرأها حتّى تنكتب فيك.

خارجَ الصّندوق وجدت الحفيدة ملفّ الأوراق الّذي تصفّحنا، وخارج الأطر والحدود أراد سالم دمدوم أن يكتب وأراد لقارئه أن يقرأ.

صديقي سالما، هذه أصباغك نثرتها على هذه القماشة البيضاء. أذكر أنّي فعلت شيئا شبيها بهذا عندما دعانا أستاذ الرّسم ذات حصّة إلى وضع الأصباغ على جانبَيْ الصّفحة عشوائيّا ثمّ طيّها فنشرها.

فماذا ترى؟.

(1) ستّ نزهات في غابة السّرد. أمبرتو إيكو. ترسعيد بنكراد. المركز الثّقافيّ العربيّ. الدّار البيضاء. ط1. 2005. ص 19-24
(2) من أوراق مسعود اللّفتي. سالم دمدوم. دار الاتّحاد للنّشر والتّوزيع. ط1 2018. ص 22.
(3) تقول الحفيدة في شأن لوحة الفتاة ذات القرص اللّؤلؤيّ ليوهانس فرمير:” ووفاء منّي لروح الفقيد قرّرت أن أنسخ هذه الصّورة على غلاف هذا العمل إذا قدّر له أن يرى النّور”. المرجع السّابق. ص 38.
(4) المرجع السّابق. ص 51.
(5) المرجع السّابق. انظر أخبار حارس السّوق خليفة المزّة المشهور بمكسور الأنف. ص 91-93
(6) المرجع السّابق. انظر خبر اغتيال الزّنديق. ص 127.
(7) المرجع السّابق. انظر صفحات مشرقة من كتاب الحبّ. ص 102.
(8) المرجع السّابق. انظر وثيقة أخرى من أوراق باحثة الآثار. ص 54-55
(9) المرجع السّابق. انظر ص 18.
(10) المرجع السّابق. ص 149.

لا تعليقات

اترك رد