المصداقية السياسية والسيطرة على اللغة والفكر


 

المصداقية السياسية هي السيطرة على اللغة . و السيطرة على اللغة سيطرة على الفكر . نقطة أول السطر!
إن بروز مصطلح المصداقية السياسية الحديثة مثال عظيم على الطريقة الماكرة التي يعمل بها المهندسون الاجتماعيون (المتلاعبون في النظام العالمي الجديد). المصداقية السياسية رقابة ناعمة . وكما قال جورج كارلين إن ” الفاشية تتظاهر بأنها أخلاق ” . إنها تعصب متنكر في هيئة تسامح ، وتترك ندبتها في كل مكان تقريبا في المجتمع.
تماماً كما رسم جورج أورويل بدقة في روايته 1984 ، فإن المصداقية السياسية هي “النداء” الذي يهدد بالحد من قدرتنا على التحدث والتفكير بحرية من خلال تقليل عدد الكلمات المتاحة في مفرداتنا .
المصداقية السياسية : تعتمد على ” الحق ” غير الثابت في عدم الإساءة.
الحقيقة أغرب من الخيال . عندما تنظر إلى تعابيرها الملتوية ، يصر أنصار المصداقية السياسية على أن يحاول الناس تخليص لغتهم من أي شيء “عدائي” ثم يدخلون مسرح العبث . إن المصداقية السياسية هي من يملي عليك ما لا يمكنك قوله وما لا تستطيع قوله على أساس مدى ” عدائية ” الكلمة .
الحقيقة في عالم طيور الليل هي أن هناك العديد من المشاكل مع هذا المصطلح . أولاً ، من هم المفوضون أو المسؤولون أو السلطات التي تمنح نفسها سلطة هائلة من خلال اتخاذ القرار بشأن تصنيف “العدائية”؟
ثانياً ، منذ متى أصبح “الشعور بالإهانة” أو “جعل مشاعرك تؤلم” مسألة مهمة تبرر قانونياً تقييد حرية الجميع ؟ في المرة الأخيرة التي تحققت فيها من الأمر كانت حرية التعبير حقًا إنسانيًا حقيقيًا وشرعيًا مكرسًا في الوثائق القانونية للعديد من الدول ، في حين أن ” الحق في ألا تشعر بالإهانة ” هو مفهوم وهمي وغير موجود. إنها مجرد طريقة رائعة لجعل الناس يخجلون ويشعرون بالذنب من دون سبب وجيه.

ثالثًا ، والأهم من ذلك ، وكما يكون الجمال في نظر الناظر ، كذلك “الشعور بالإهانة” في نظر من يتعرض لها . الكلمات هي الكلمات . وكل شخص مسؤول عن عواطفه الخاصة . اختر التجاهل أو التفاعل أو الرد على الكلمات بالطريقة التي تريدها ، ولكن لا تلقي اللوم على شخص آخر لدوافعك العاطفية . وأنت تتحكم في حالتك الخاصة من الوعي . وهذا ينطبق على القاء اللوم على شخص آخر لأنك تشعر بالغضب أو الإهانة أو الغضب لأنه دليل على التخلي عن المسؤولية وافتقار تام للنضج العاطفي والروحاني.
منذ متى أصبحنا نحن البشر مثل الأطفال النائحين لا نستطيع تحمل أو سماع كلمة أو اسم أو علامة أو عبارة ؟ من فضلكم تحلوا بالنضج !

المصداقية السياسية : تحالف جديد بين روتشيلد روكفلر
كما هو الحال دائمًا ، هناك المزيد مما يمكن أن يضاف حول القصة هنا. المصداقية السياسية لها جذورها لدى الماركسية والشيوعية . تلاحظ موسوعة ويكيبيديا أنه ” في أوائل القرن العشرين وحتى منتصف القرن العشرين ، ارتبطت عبارة ” المصداقية السياسية ” بالتطبيق العقائدي للمذهب الستاليني الذي ناقشه أعضاء الحزب الشيوعي والاشتراكيين ” . ومع ذلك ، يعود تأسيس المفهوم إلى مدرسة فرانكفورت ( معهد البحوث الاجتماعية) التي أنشئت في عام 1923في ألمانيا .
كانت مدرسة فرانكفورت مؤسسة فكرية للهندسة الاجتماعية وكانت تهدف إلى نشر المفاهيم الجماعية ( أو فروعها من الاشتراكية والماركسية والشيوعية) في جميع أنحاء العالم . يذكر معهد شيلر في وثيقة له ما يلي :
“كانت مهمة مدرسة فرانكفورت الأولى هي تقويض التراث اليهودي – المسيحي من خلال إلغاء الثقافة في ألمانيا لوكاش ؛ وثانيًا ، كانت مهمتها تحديد الأشكال الثقافية الجديدة التي من شأنها زيادة عزلة السكان وبالتالي عملت على خلق “بربرية جديدة”.
وهذا يشير إلى أولئك الذين يقومون بتمويل مدرسة فرانكفورت :
“على الرغم من أن معهد البحوث الاجتماعية بدأ بدعم من الكومنترن ) الشيوعية الدولية ) إلا أنه خلال العقود الثلاثة التالية شملت مصادره المالية مختلف الجامعات الألمانية والأمريكية ومؤسسة روكفلر ومؤسسة كولومبيا للبث واللجنة الأمريكية اليهودية والعديد من أجهزة الاستخبارات الأمريكية و مكتب المفوض السامي الأمريكي لألمانيا ومنظمة العمل الدولية ومعهد هاكر وهي عيادة للأمراض النفسية الراقية في بيفرلي هيلز. ”
هناك إشارة إلى أن عائلة روكفلر تمول مدرسة فرانكفورت ، ومن المعروف أيضا أن عائلة روتشيلد قد مولت صعود ونشوء الماركسية . تقول الوثيقة : ” كان ناثان روتشيلد قد أعطى ماركس شيكتين بعدة آلاف من الجنيهات لتمويل قضية الاشتراكية . وقد تم عرض الشيكات في المتحف البريطاني ، بعد أن قام اللورد ليونيل والتر روتشيلد ، الوصي ، بتخصيص متحفه ومكتبته لها .”
وبذلك تكون كلتا العائلتين الرئيسيتين في النظام العالمي الجديد متورطتين في تأسيس الماركسية ومدرسة فرانكفورت والمصداقية السياسية . ومن المثير للاهتمام أن العديد من الأبحاث قد أشارت إلى أن المصداقية السياسية هي جزء من حركة أوسع للماركسية الثقافية وهي تخريب ثقافة البلد مع الأيديولوجية الجماعية ، في مقابل النسخة السياسية الأكثر وضوحا للماركسية .
وقال يوري بيزمينوف ، وهو عميل مخابرات سابق في الاتحاد السوفياتي ، إن “التخريب الأيديولوجي” من شأنه أن يغير مفهوم حقيقة كل أمريكي . فقد أوجز يوري بيزمينوف كيف تجري عملية غسيل دماغ بطيئة لتغيير الثقافة الفردية للغرب. وتتكون هذه العملية من:
اضعاف الروح المعنوية ( وهي عملية سرية تستمر من 15-50 عاما ) وقد اكتملت المهمة .
زعزعة الاستقرار ( وهي مهمة علنية تستمر من 2-5 سنوات )
خلق الأزمات ( تستمر لمدة 6 أسابيع)
التغيير العنيف والتطبيع (يمكن أن يستغرق سنوات ،وقد يستمر إلى الأبد)
وقد تم تنفيذ كل هذا بهدف عمل جماعي الروح والنزعة والسقوط تماشيا مع النظام العالمي الجديد.
السؤال هو : إلى أي مدى نجح ذلك ؟
عبثية المصداقية السياسية :
أياً كانت النوايا الحسنة التي تعلنها مفاهيم المصداقية السياسية في محاولة وقف رهاب المثلية والعنصرية والتمييز على أساس الجنس والتمييز من أي نوع ، فقد تخطت على الدوام عتبة العبثية . فكر في الأمثلة التالية عندما يحاول أنصار المصداقية السياسية جعل الناس يقولون “بلغتهم الخالية من التحيز” ما يأتي من مفاهيم :
كبار السن والشيوخ والمتقدمين في العمر تعني أن : الناس مسنون .
زيادة الوزن والسمنة تعني أن الناس كبيرون في الحجم .
الغنى يعني الثروة المادية .
الأمريكي مصطلح يشير إلى المواطن الأمريكي .
وهذا المصطلح الأخير هو الأكثر إثارة للاهتمام بشكل خاص حيث نرى حكومة الولايات المتحدة عبارة عن شركة تستحوذ ملكية كل الولايات المتحدة الأمريكية في حين يشير مصطلح ” الأمريكي ” إلى الفرد المولود طبيعيا في الجمهورية . وتحاول شرطة المصداقية السياسية الغاء الكلمات والمصطلحات التالية من الحياة وإزالتها للأبد من القواميس :
ذكر ، أنثى ، أب ، أم ، أيضا ، عامل مجد ، العالم الثالث ، مجنون ، معتوه ، متخلف عقليا ، مثلي ، مستبد ، مخاتل ، غريب غير شرعي ، ممل ، مغلق ، بالي.
بالإضافة إلى عبارات عامية مثل : ” أود أن أموت .” و ” ذلك ” الاختبار دوخني.”

لقد تعرّض دونالد ترامب مؤخراً للمضايقات بسبب استخدام مصطلح “طفل رضيع” من قبل أحد صحفيي المصداقية السياسية وقد قصد منه ذلك الصحفي أن يقول “الطفل المولود في الولايات المتحدة لمهاجر غير شرعي”. يا لها من عبارة معبرة!. حسناً ، يكفي أن يكون الصحفي قد خرق قواعده الخاصة بالمصداقية السياسية ، لأنه قد قيل لنا الآن أن ” الأمريكي” غير مسموح به . أتذكرون حملة “منع التسلط”؟ وانغماس الكبار في الغباء المطلق . وهذا يعني المزيد من المصداقية السياسية ومراقبة اللغة . كيف يمكنك حظر الكلمة على أي حال؟ ومن لديه هذا الحق؟

الأمر ليس مجرد كلمات أو عبارات محددة يرغب جمهور المصداقية السياسية في محوها. ونجد أنه في بعض الجامعات يحظرون أنماطا كاملة من التصرف ويمكنك التحقق بذاتك من هذه القواعد الجامعية السخيفة وهي مأخوذة من كتاب ” كيف تختار الكلية الصحيحة لعامي 2012-2013 والتي انتقلت من التحكم والسيطرة على الحديث إلى التحكم والسيطرة بالسلوك الكلي للملتحق بالكلية .خذ مثلا :
جامعة براون : حظرت استخدام أي خطاب يجعل الناس يشعرون بالغضب أو الهزيمة أو الشعور بالحرمان
جامعة كولبي: حظرت أي خطاب “يؤدي إلى فقدان احترام الذات”
كلية هافرفورد: حظر “المغازلة غير المرحب بها”
جامعة كونيتيكت: حظرت “الضحك بلا مناسبة ”
جامعة ويست فرجينيا: حظرت استخدام عبارة “صديق” أو “صديقة” ، ولكن بدلاً من ذلك طالبت الطلاب بأن عليهم استخدام كلمات مثل “الحبيب” أو “الشريك”.
انظر أيضا إلى ما توصي به جامعة جراند فالي ستيت تحت مسمى إزالة “التحيز” من لغتنا:
تجنب العنصرية والعمر
اذكر عرق الشخص أو عمره فقط إذا كان ذا صلة بالقصة.
السلوك المتحيز : تحدث رجل عجوز غريب معي في محل البقالة.
السلوك المفضل : تحدث رجل غريب معي في محل البقالة.
تجنب الحديث عن الإعاقة والمرض والتركيز على الناس بدلا من الحالة الصحية أو الاجتماعية .
منحاز: لقد التقيت بمصروع في الحافلة اليوم.
الأفضل: التقيت بشخص مصاب بالصرع في الحافلة اليوم.
منذ متى يجري صار وصف (“المسن” أو “صرع”) معادلا للتمييز؟ منذ متى صار الوصف الأقل معادلا لعنصرية أقل ؟ هل نتحدث عن انحراف الخطاب المستقيم والعادي؟ سنجد أن المصداقية السياسية تشرئب برأسها أمامنا.

وتحقيقا لهذه الغاية ، نورد هنا اقتباسا تقشعر له الأبدان من رواية 1984:
قال بحزن غامر :” أنت لا تكن تقديرا حقيقيا لنيوسبيك (الخطاب الجديد ) يا ونستون .في داخل قلبك أنت تفضل الالتزام بأولد سبيك ( الخطاب القديم ) بكل غموضه وظلاله غير المفيدة للمعنى المراد . أنت لا تدرك جمال تدمير الكلمات . هل تعلم أن نيوسبيك ( الخطاب الجديد ) هو اللغة الوحيدة في هذا العالم الذي تنقص مفرداته كل عام ؟”
” ألا ترى أن الغاية من نيوسبيك ( الخطاب الجديد) هو تضييق نطاق التفكير ؟ وفي النهاية سنجعل جريمة الفكر مستحيلة تقريبا لأنه لن يكون هناك كلمات يعبر فيها الناس عما يجول في خواطرهم . ”
أي شيء وكل شيء هو عدوان محتمل:
كل الكلمات يحتمل أن تكون مسيئة. ومن المحتمل أن ترتبط كل كلمة بشيء “سيء”، لذا يمكن أن تأتي كل كلمة تحت رقابة شرطة المصداقية السياسية . دائماً هناك أخطاء وإهانات ولغة مهينة منذ أن بدأ البشر في الكلام . لا يمكن القضاء عليهم . وحتى مفاهيم مثل ” العدوان الصغير” و “الكلام الذي يحض على الكراهية” هي أفكار فاشلة تحاول أن تجعل من “الشعور بأذى المشاعر” أو “الشعور بالإهانة” مكافئًا أخلاقياً أو قانونيًا للمضايقات . ليس هناك تكافؤ! العصا والحجارة قد تكسر عظامي ، لكن الأسماء لن تؤذيني …
أنا أشجع أي شخص لديه أدنى مصلحة في الحرية الإنسانية مع حرية كاملة في التعبير وحرية فكرية كاملة لمقاومة المصداقية السياسية بكل ما أوتيت من قوة وبكل خلية من جسدك . وإذا كنت قلقًا بشأن إيذاء مشاعر الناس دون داعٍ ، يمكنك دائمًا العثور على طرق للتعبير عن شيء ما بالطريقة الصحيحة والفعالة . في هذا النوع من المواقف ، إن ما يهم حقا هو الطريقة التي تقول بها الكلمات ، وليس ما تقوله من كلمات .
نحن لسنا بحاجة لشرطة الخطابات لإخبارنا بما يمكننا وما لا نستطيع أن نقوله أو ما لا يمكننا فعله . نحن لسنا بحاجة للذهاب لنقول ما نفكر فيه أو نعبر به عن أنفسنا من خلال الجمباز اللفظي المعتاد والاستمناء فقط.
حان الوقت لأولئك الذين يختبئون وراء “الشعور بالإهانة” للنضوج . توقف عن مطالبة من حولك بالتغيير بسبب نقص النضج . توقف عن محاولة اختطاف حرية أي شخص آخر بسبب خوفك. وكما يقع الجمال في عين الناظر موقعه ، فإن الجرم يقع في العقل والموقف ورد الفعل في عين الناظر موقعه .
حان وقت تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية. نحن بحاجة إلى روح الكلام المستقيم. نحن بحاجة إلى الشجاعة في التعبير عن الحقيقة للسلطة وعدم الذهاب في الاتجاه المعاكس والخوف من قول أي شيء . الأجندة الحقيقية للمصداقية السياسية هي خنق التحقيق الموضوعي وحرية التعبير. وفي نهاية المطاف ، هدفها القضاء على من ينتقد المتلاعبين بالنظام العالمي الجديد تحت ستار وقف “خطاب الكراهية” وجعل كل شيء منصفا وعادلا.

العنوان الأصلي للدراسة :

Political Correctness = Language and Thought Control, Makia Freeman , 2018

بقلم ماكيا فريمان
ترجمة محمد عبد الكريم يوسف
مراجعة سوسن علي عبود

المصادر

fid_91-96/921_frankfurt.html
who-was-karl-marx.html
watch?v=lMl4kIxw-jo
watch?v=AAYQ-rfj1CI
watch?v=xyOxQJNC2Us
watch?v=6dynbzMlCcw
bias-free_language.pdf

لا تعليقات

اترك رد