هل تتوقف التظاهرات

 

لا نتحدث عن شيء جديد أو ممارسة غير معروفة في العراق أو في أي بلد من العالم فالتظاهر حق طبيعي أقرته اغلب دساتير العالم التي تعمل بالنظام الديمقراطي من خلاله يستطيع المواطن أن يوصل راية إلى المسئول ويعبر به عن حاجته لنقص في أداء الحكومة لواجباتها التي اقرها الدستور حيث يبدأ الإخلال بالعقد العرفي المبرم بين الشعب من جهة والحكومة من جهة أخرى وعلى أساسه تم انتخاب أعضاء الحكومة وتكليفهم بمهام عملهم ويختلف هذا العقد من بلد إلى آخر حسب ما اقره دستور كل دولة ووافق عليه شعبها فالحالة الفرنسية أو غيرها مما يجري الآن في أوربا, من المؤكد إنها تختلف عن الحالة العراقية حيث يتزامن انطلاق التظاهرات في كل البلدان الأخرى لاختلاف طريقة انتخاب الحكومة ولكنها تشترك في أحقية المطلب الشعبي وضرورة استجابة الحكومة إليه ونحن غير معنيين بالحالات الأخرى فلها من يختص ويبحث فيها ولها شانها الخاص بها ونتائجها وطريقة الاستجابة لها .

ربما تحدث الكثير عن التظاهرات العراقية القائمة الآن في محافظة البصرة وأدلى الكثيرين بدلوهم فمنهم من اصطف معها ومنهم من عارضها أو كان له وجهة نظر معينة فيها وفي كل الأحوال هي تعبير عن غليان شعبي له أسبابه وإلا ليس من المعقول أن يتفق هذا العدد الكبير من مختلف الأعمار ويتحمل العناء والتعب والمخاطرة بحياته أو أن يعتقل من اجل لا شيء أو لأجل هز كراسي الحكومة المحلية والحكومة المركزية أو الاتحادية وربما إذا استمرت قد تؤدي إلى إسقاط الحكومتين إذا كان المعني في تلبية المطالب يحترم الرغبة الشعبية ويستطيع أن يعلن أمام الملأ عن تقصيره أو عدم إمكانيته في تأدية برنامجه الذي أعلنه أمام عامة أبناء الشعب ولكن في الحالة التي نتحدث عنها هناك ما يحتم الوقوف عنده ومناقشته ومن ثم طرح الرأي المناسب.

إن ما يحصل في البصرة لا يختلف عن كل ما يجري في مدن العراق الأخرى وهو تراكم لتقصير كل الحكومات السابقة التي مرت على العراق ولكن لا يمكن القياس على ما جرى قبل عام 2003 لان الوضع العراقي برمته كان مرتبكا بسبب ظروف الحصار الجائر الذي فرضته الولايات المتحدة الأمريكية بإمكانياتها المعروفة للجميع والقوة والسطوة على الشعب العراقي وليس على الحكومة في حينها والتي كانت تمتلك مفاتيح البلد ولابد أن شباب اليوم قد عرفوا معنى الحصار بطريقة أو بأخرى وتأثيره على المواطن البسيط الذي باع كل ما يملك ليسد قوت يومه ومعروف من كان يدعم الحصار من أشقاءنا العرب وجيراننا وهذا الموضوع قد تجاوزناه وأصبحنا بعد الاحتلال الأمريكي في حالة ثانية نحاول بها اللحاق بركب تطور الحضارة العالمية على اقل تقدير أو لنقل تحسين الحالة المعاشية للعائلة العراقية وتحسين مدخولات الفرد إلى ما يناسب الاحتفاظ بكرامة الإنسان ولكن ما حصل كان خلاف كل التوقعات التي دفعت بالمواطن إلى قبول الاحتلال على انه أمر واقع ينتقل به إلى الحالة الأفضل .

لقد خابت آمال المواطن العراقي إلى الحد الذي أصبح به لا يطيق الحياة في بلده فمع كل الأسف انتشرت البطالة بين الجميع من كل الإعمار ومن الجنسين وهي بحد ذاتها تحتاج إلى بحث مفصل في أسبابها ونتائجها ولكنها خلفت حالة من اليأس في اقل تقدير وضعت الجميع أمام خيارين أسهلهما مر لا يطاق فأما التظاهر وأما ترك البلد إلى ارض الله الواسعة وهذه أيضا هي الأخرى كانت نتائجها قاسية جدا على من اختارها فمن نجا من الغرق في بحور الأرض أصبح يعاني ذل الغربة وان توفرت له لقمة بمساعدة دولة المهجر تغنيه حاجة يومه أضف عليها لا نقص الخدمات وإنما انعدامها في كل مناحي الحياة فظاهرة انتشار الأمراض المستعصية بشكل جماعي تحدث بها بما شئت وسينطبق عليها إضافة إلى تغذية الأسواق الطبية بالأدوية المنتهية الصلاحية وربما المسرطنة أو القاتلة عن عمد مع غياب الإشراف والسيطرة النوعية وتحول اغلب المستشفيات إلى ما دون مستوى الفنادق الشعبية البعيدة عن الرقابة أما التعليم فهو أم كوارث الشعب العراقي ولك أن تقيس على تعاظم مستويات انتشار الأمية بعد أن كان العراق قبل عقود خالي منها بشهادة منظمات الأمم المتحدة المعنية بمجال التعليم فتعرف الهزال الذي أصيبت به هذه المؤسسة التي تشكل العصب الرئيس في بناء أي دولة تتطلع إلى الاقتراب من ركب تطور الحضارة العالمية فاكتظت المدارس لهدم أعداد كبيرة منها واقرنها بعدم استقرار المناهج الدراسية وتخبط الوزارة في اختيار المناسب منها ولا نتجاهل انتشار ظاهرة التعليم الأهلي الذي لن يكون حاله أفضل من التعليم الحكومي لنفس الأسباب إضافة إلى الكلفة المادية العالية التي لن يتمكن المواطن من الالتزام بها.

تلكم حالتين فقط تطرقنا إليهم بشكل سريع وللاختصار لم نتحدث عن فشل الحكومة في توفير الخدمات البلدية ولا الماء الصالح للشرب ولا الكهرباء التي أنفقت عليها الحكومات المتعاقبة ما يكفي لشراء عمالقة الشركات بمردوداتها المالية الهائلة بالإضافة إلى إعادة بناء شبكة الكهرباء الوطنية من جديد ويسري الحديث إلى انهيار المنظومات الصناعية والزراعية والتجارية في البلد وكل مواطن عراقي له روايات عن ما يعرفه ويصادفه في حياته اليومية وهي كلها مجتمعة أو منفردة دواعي مهمة تدفعه إلى التظاهر وحسنا منه انه لا زال يحتفظ بشيء من العقل والصبر والأمل في أن يكون يوم الغد أفضل من يومه الحالي.

في مقابل هذا ماذا يمكن أن تقدم حكومة عجز البرلمان عن الاتفاق على من يشغل حقائبها الوزارية ولا زالت بحاجة إلى من يشغل ما لا يقل عن ثمان وزارات لا لعدم وجود الكفء بل لصراع فرض الإرادات بين الكتل الساعية إلى الهيمنة على البرلمان والحكومة تحت حجة مغرية هي مكافحة الفساد والقضاء على الفاسدين وقد ملت أسماعنا تكرار هذه العبارة التي لم تعد تعبر عن معناها وقد يضيفون إليها الأمن والحفاظ على الحدود بينما هم يستخدمون وسائل الإعلام ويتقاذفون الشتائم وفي العلن ويطرحون ما لا يعلم به المواطن فيغذون النقمة على الحكومة بقصد أو دونه ويبقى الخاسر الأكبر والوحيد هو المواطن البسيط مع إمكانيتهم باللجوء إلى ما القضاء يملكون من معلومات.

إذن والحالة هذه مهما تم التعتيم والتجاهل وتسويف المطالب ومهما تعرض المتظاهرون إلى الضغط والملاحقة والتخويف والاعتقال لا يمكن أن يتوقفوا إلا بنزول المسئول إلى الشارع لا بالتعامل الفوقي والقوة والتفاهم معهم بشفافية وصدق وإقناعهم بما يملك من وسائل في تحقيق مطالبهم وإلا فان العاقبة ستكون إلى ما لا يحمد عقباه فالشعب هو من انتخب وهو من يسقط خصوصا أن ذاكرة الجميع لازالت مليئة بصور أحداث المنطقة الغربية والشمالية وما آلت إليه النتائج إذا كنا فعلا نحتكم إلى نظام ديمقراطي وليحفظ الله كل العراق وشعبه بلطفه ورحمته.

المقال السابقمِحنَةُ القدس
المقال التالىهل وصل الفن إلى نهايته ؟
لاسم/ رقيب عبد الرحمن المطيري التولد / 1957 التحصيل الدراسي / بكالوريوس آداب / قسم التأريخ المهنة / متقاعد اعشق العراق وشعبه بجنون ولا فضل لي بهذا اكتب ما أراه يخدم شعبي وتنشر لي بعض المواقع والصحف....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد