نقاط المراقبة في شرقي الفرات .. مَن يراقب مَن ؟!


 

يحاول المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا “جيمس جيفري” من خلال جولاته المتناقضة في الدول المجاورة لسوريا أن يجعل كل الأطراف يصلوا صلاة جنازة على مسارَي “أستانة وسوتشي”، وبعد أيام قليلة، يصبح أول الرافضين لأداء هذه الصلاة، كما أنه يستطيع التحدث عن إستراتيجية خاصة لدعم الكورد في شرق الفرات، على غرار سيناريو دعم إقليم كوردستان في العراق، ومن ثم يتراجع أثناء زيارته لأنقرة، ويتحدث عن دعم تكتيكي ومؤقت لهم، فهل الكورد سيبنون علاقاتهم مع أمريكا وفق هذه المعطيات المتناقضة؟ هذا ما سيثبته العام الجديد.

إن نقاط المراقبة الأمريكية شرقي نهر الفرات في سوريا التي تقول واشنطن أنها أنجزتها، ليس لحماية الحدود التركية ولا لإنقاذ الكورد ولجم الاندفاعات التركية، التي تدير قوات سوريا الديمقراطية، بل لتأسيس وجود أمريكي دائم في مستقبل سوريا، لوجود النفط فيه، والموقع الاستراتيجي، والامتداد إلى التنف على المثلث الأردني السوري العراقي؛ ولقطع طريق التواصل البرّي بين دول ما سمّي “الهلال الشيعي” بما يحاصر التمدّد الإيراني ويضعف محاولاته بناء مواقع إستراتيجية في العراق وسوريا ولبنان، والتي تقلق إسرائيل والسعودية، أما تسونامي التوتر في شمالي سوريا بين أنقرة وواشنطن ليس إلا “تسونامياً إعلامياً”، إذ لا ثوابت أمام الأهداف.

تدرك تركيا جيداً أن أمريكا في خطوتها عن نقاط المراقبة ترمي لتوجيه أكثر من رسالة مشفرة تعنيها، مفادها أن أيّ مغامرة عسكرية تركية في شرق الفرات بعد الآن بدون ضوء أخضر منها، ستُواجه بخطوات أمريكية سياسية وميدانية عسكرية؛ فالوضع القائم اليوم في شرق الفرات يختلف تماماً عن غربه، فلولا الدعم الأمريكي لأنقرة حول إدلب لما كانت تركيا ستحصل على ما تريده في هذه المنطقة، ولما كانت موسكو سترضخ لتفاهمات سوتشي وأستانة.

إن غاية واشنطن من نقاط المراقبة في شرقي الفرات ليست لتشكيل قوة مسلحة مدرّبة ومزوّدة بعتاد كامل لتأسيس دولة كوردية وحمايتها – كما يتزعّمه كل إعلام معادي لهذه

الدولة – فلو بالفعل هذه غاية أمريكا فالأرضية كانت مواتية في العراق يوم دعت قيادة إقليم كوردستان إلى استفتاءها الطبيعي والشرعي، فلماذا هي وحلفاؤها وشركاؤها عارضوا الاستفتاء، وحاربوا الكورد بدبّاباتهم في كركوك؟!

لا يتركّز هدف واشنطن من خلال نقاط المراقبة على محاربة تنظيم داعش «تقع مهمّة محاربة داعش على عاتق الكورد!!»، ولا لقطع الطريق الكامل على المشروع الإيراني وتحجيمه، عبر محاولة ربط نفوذه في العراق بوجوده في سوريا، والاقتراب من ساحل البحر المتوسط، فأمريكا وإيران شريكتان سرّاً عدوّتان علناً.

تحدث عضو الكونغرس الأمريكي “توماس ألكسندر غاريت”، الذي زار شمال شرق سوريا، لمسؤولين في قوات سوريا الديمقراطية عن نقاط المراقبة الخمسة بقوله “إما أن تنسحب تركيا من سوريا، أو تخرج من الناتو.. العلاقة الأمريكية التركية انتهت”. إن هذا الكلام العاطفي لا يؤسّس لأيّ حالة خلق توازن بين الكورد والأتراك، وعلى الكورد ألا يعوّلوا عليه، فتركيا لن تنسحب من قوات الناتو، ولن تقبل أمريكا بذلك أيضاً، ولو في ظل التوترات والتطوّرات الراهنة، فكلّما عزّزت وجودها في سوريا وقوّت من شوكة الكورد فهو قد يؤدي إلى القطيعة الأمريكية – التركية.

مَن يراقب مَن؟ هل نقاط المراقبة الأمريكية ستعيق عمليات تركيا ضد الكورد في شرقي الفرات، خاصة وأن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد أعلن منذ أيام على أن العملية العسكرية لبلاده ستبدأ خلال هذا الشهر؟ وبحسب المسؤولين الغربيين أيعي أردوغان أن شمالي سوريا باتت قضية أساسية في إستراتيجية واشنطن السورية والإقليمية معاً؟ وهل نقاط المراقبة العسكرية، تحمل رسالة تحذيرية بأن الكورد تحت الحماية الأميركية؟ في المقابل أيفرض الكورد أجنداتهم ووجودهم وقضيتهم في المعادلات الدولية والإقليمية؛ لتأسيس مشروع مشابه لإقليم كوردستان، أم أنهم سيبقون أصدقاء للجبال والرياح؟!

يبدو أن علاقة الشدّ والجذب بين تركيا وأمريكا باتت سمة – يجب الوقوف عليها بجدية من قبل المسؤولين الكورد – لزمت وستلزم العلاقات الثّنائيّة طويلاً، وقد ناءت بملفّات عالقة لطالما تمّ تأجيلها، خاصة وأن الأخيرة تدرك على المدى القريب والبعيد أنه لا يوجد أيّ مشروع إقليم كوردي سوري في إستراتيجية أمريكية التي تظهر ملامحها يوماً بعد يوم.

المقال السابقجزاء
المقال التالىالشعرالعربي بين المعاصرة والتجديد ج9
شاعر وكاتب وصحفي سوري. من مواليد مدينة كوباني، ومقيم الآن في تركيا. عمل أستاذاً في اللغة العربية، في المدارس والمعاهد التعليمية الخاصة في المدينة. له نصوص شعرية، وقصص وخواطر أدبية، ومقالات سياسية وثقافية ورياضية نقدية، منشورة في الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية، منها كُردية وأخرى عربية. انت....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد