ظاهرة العزوف عن القراءة .. بين سندان الاقتصاد وارهاصات تكنولوجيا العصر الحديث .. ؟!


 

هل اصبحت وامست ظاهرة العزوف عن القراءة ظاهرة عراقية انفرد بها مجتمعنا او المجتمع العربي ام انها اصبحت سمة تسود دول وشعوب العالم اجمع ..؟! وهل التقدم التكنولوجي في عصر العولمة وتطور وسائل الاتصالات الى اقصاها هو السبب الاساسي في تلك الظاهرة ، ام ان هناك اسبابا اخرى لاتقل اهمية يأتي في مقدمتها المشاكل والازمات السياسية والاقتصادية والحروب التي شهدها العالم ، وتوفر وسائل التسلية والالعاب الالكترونية التي استحوذت هي الاخرى على قلوب الشباب في العالم !! مما جعلهم يتراجعون عن القراءة والبحث عن الاصدارات والكتب والعناوين التي كانت لاتقل اهمية عن الكثير من الاهتمامات الاخرى ..بالرغم من ان وسائل الاتصالات المختلفة قد وفرت المعرفة العلمية والادبية والسياسية والروائية ..الخ بشكل اوسع واقرب للمتلقي وللقراء بشكل خاص، ومنهم الطلبة من كافة المستويات والمراحل الدراسية ..

ـ الباحث رغدان عدنان استاذ بجامعة بغداد يقول لـ الصدى نت : بلا شك ان القراءة تعد المعيار الاساسي لقياس مدى تطور الامم وازدهارها و مفتاح العلم والمعرفة ،وتعتبر نقطة الانطلاق للابداع والابتكار ،ولكن ومع الاسف الشديد نجد في مجتمعنا عزوفا عن القراءة ،بحيث لا يمارسها الا النخبة المثقفة في المجتمع ،او طلبة الجامعات الذين يسعون من اجل الامتحانات او الحصول على الوظائف ،بل هناك فئات قليلة من تقرا لاجل العلم والتحصيل المعرفي ،وهنالك اسباب عديدة لظاهرة العزوف عن القراءة منها اسباب نفسية و اجتماعية و سياسية واسباب اقتصادية ،واظهرت الدراسات أن معدل قراءة الفرد العربي ربع صفحة سنويا، بحسب إحصائية أجرتها لجنة تابعة للمجلس الأعلى للثقافة في مصر، و تقرير التنمية البشرية الصادر عن مؤسسة الفكر العربي للعام 2011 يشير إلى أن معدل قراءة الفردالعربي 6 دقائق سنويا، بينما الفرد الأوروبي يبلغ 200 ساعة سنويا. ومن المحتمل عدم دقة الإحصائيات المختلفة هنا وهناك، لكنها في جميع الأحوال تقر بالفرق الشاسع بين معدلات القراءة لدى المجتمعات العربية والأوروبية ، وهو ما يحيلنا مباشرة إلى المقارنة بين مستويات المعيشة والحرية في أوطانهم، وازدهار الحرية يعني الانفتاح على المعلومة الصحيحة والكلمة الحرة، ونتيجة لتراجع الحريات والحريات الشخصية ،والاضطربات السياسية وتدني مستوى المعيشة وتأثير التكنلوجيا الحديثة على المجتمع ،حيث يقضي الشباب اكثر اوقاتهم امام الملهيات والمغريات غير مكترثين للقراءى والمتابعة..

ـ المربية الفاضلة ابتسام الخزرجي تتحدث بالم عن ذلك :لقد كنا نربي جيلا كبيرا متعلما ومتابعا لكل تفاصيل الامور الانسانية والثقافية والحياتية عندما كنا ندرس ونخرج الطلبة انذاك ونوفر الكتب بل الكتيبات الصغيرة التي تنشر في وقتها مثل قصص الانبياء وقصص انسانية وفكرية بسيطه ولكنها كانت تشجعهم على القراءة من الصفوف الاولى وندفعهم للذهاب الى المكتبات العامة في حينها ونساعدهم في تنمية افكارهم بالرغم من بساطة تلك الكتب او الكتيبات ولكن الان لم تعد هذه الروحية موجودة في جيل المعلمين الحالي ومع الاسف الشديد اقول ذلك بمرارة ،وخاصة عندما نتحدث عن اسباب العزوف عن القراءة !! لابد ان يكون الواقع الاقتصادي في البلد حاضرا امامنا ،لان الاقتصاد يلعب دورا كبيرا في ذلك ولايمكن ان نلقي باللوم على مسالة توفر وسائل الاتصالات الرقمية الحديثة وتطوراتها الهائلة والتي دخلت في صلب حياتنا وتمرير اعمالنا وتصريفها في ادارة الدوائر الحكومية والمؤسسات المختلفة والتجارة والسيولة النقدية بشكل عام لانها تمهد لمن يطلب تلك الامور لتسديد مايترتب عليه من اشتراكات في خدمات الانترنت وغيرها من وسائل الاتصال وشبكات التواصل الاجتماعي التي وجدت ايضا لتسهل عملية توفير اجواء القراءة ومتابعه العناوين والاصدارات المختلفة ، واما بالنسبة لعزوف الناس عن مطالعه وقراءة الكتب فهي شى اخر له صلة ايضا بما نشير اليه لان الانترنت ليس العامل الوحيد في ذلك بل ارتفاع اسعار الكتب المحلية والعربية والعالمية له صلة وثيقة بذلك وارتفاع كلفة المطبوعات احد اسباب العزوف عن القراءة وليس السبب الرئيسي كما يشار اليه ،واعتقد لو توفرت تلك الكتب باسعار مناسبة بالتاكيد ستكون عاملا مهما في الترويج والاقبال عليها والتي كنا في فترة من الفترات التي مرت علينا نهتم بها ونقبل عليها بشكل منقطع النظير.

ـ اما عمار مجيد صاحب دار الياسر للنشر والطباعة فيؤكد من جانبه : قراءة الكتب في العراق وفي العاصمة بغداد كانت متواصلة وفي قمة عصرها الذهبي ومتابعه لمعظم الكتاب العراقيين والعرب والاجانب وكانت هناك اصدارات مهمة اصبحت بعد ذلك ملهما لكتاب السيناريو سواء للدراما السينمائية والتلفازية وبرزت العديد من الاعمال للكتاب العراقيين والمصريين من خلال الاعمال التي برزت في تلك الفترة ، اما الانترنت ايضا دخل بشكل مفاجئ لكل بيت ومنطقة وكما يقال اصبح العالم بواسطته كالقرية الصغيرة التي تلم بكل تفاصيلها بمجرد النقر على زر واحد! ولابد من التاكيد على معرفة الأسباب التي وقفت حائلاً بين الشباب والقراءة منها اللهو بالاجهزة والالعاب الالكترونية وارتفاع اسعار الكتب والمجلات سواء العراقية والعربية والعالمية ، ناهيك عن ارتفاع كلف الطباعه والاجهزة الحديثة التي دخلت في هذا الجانب وارتفاع اسعار الورق الطباع والاحبار وتفاصيل كثيرة قد لايعرف به العديد من الناس والقراء بشكل خاص..وهناك بعض الحلول التي قد تكون ناجحة لترسيخ مبدأ القراءة في نفوس الفتية وغرسه في ذاتهم ، منها إدراك ومعرفة فوائد القراءة وثمرتها في رفع المستوى الثقافي عند الشخص من خلال التعميم في وسائل الاعلام ، واعتبار الكتاب صديق لا يمل ورفيق يؤنس ويسلي ويثقف ومهما تعددت وسائل اكتساب العلم والمعرفة ، وتنوعت في العصر الحديث ، ومع كثرة ينابيع القراءة واختلافها تبقى هي الركن الأساسي نظرا لما تمتاز به من يسر وسيلتها ، والسرعة فيها والانطلاق في مجالاتها وألوانها المختلفة ومصادرها الكبيرة والكثيرة..

ـ الباحث محمد حميد اليعربي يؤكد : لقد وجدت القراءة منذ خلق الطبيعه ومنذ نزول الاية القرانية المباركة ( اقرا باسم ربك ) نعم فالقراءة ليست وليدة اللحظة انما وجدت معنا في كل مراحل التاريخ ومراحل حياتنا الشخصية، بدا من الصفوف الدراسية الاولى حتى وصولنا لاعلى المراحل والشهادات ، ولكن يبقى الحافز المهم في القراءة ومتابعه كل الاصدارات الروائية والثقافية والدرامية وغيرها من الكتب المعروفة عالميا وعراقيا وعربيا ملهما لنا جميعا، وباعتقادي ان هناك اسباب اخرى تتعلق بالكاتب والناشر فالاول تكون مسؤوليته بتناول المتعة والتشويق وسبل التعبير والمصطلحات ، واما الناشر فمسؤوليته عبر الاعتناء بجمالية الكتاب ومحتوياته حتى تصميم الاغلفة وتنوع اشكالها والوانها ، وان التعاون بين الكاتب والناشر من تقديم الكتاب يغوي القارئ ويثير شهيته الى القراءة ، ومن المهم وضع المطبوعات المختلفة في متناول اكبر عدد من الناس وهذا يمكن ان يتم عبر مقترحات لمن يعنيهم الامر في الجانب التربوي والثقافي وهي افتتاح عدد كبير من المكتبات الجديدة والاهتمام بالمكتبات القديمة ونشر المكتبات العامة او المقاهي (الكوفي شوب) للقراءة في معظم مناطق بغداد وباقي المحافظات العراقية ومحاولة تسهيل وتخفيض اسعار الكتب والمجلات سواء التي تصدر هنا او المستوردة .. ولابد ان نشير ان سببا اخر للعزوف عن القراءة وانحسارها مايتعلق بالتحولات التقنية الكبيرة في مجال الصورة وفي مجال الاتصالات المتمثلة في ثورة الاتصالات وهيمنة الثقافة المرئية وتوفر اجهزة الاتصالات الذكية بمتناول الجميع من الصغار للكبار، كما هيمنت الثقافة المرئية وكثرة المطبوعات وغياب العناوين ..

ـ الاعلامي فلاح المرسومي يشير بهذا الصدد : ان البحث في مشكلة العزوف عن القراءة تكون له بداية وليست له نهاية بصراحة فكلنا يعرف الاحداث التي مرت على العراق والعراقيين والحروب كانت احد اهم الاسباب المؤثرة في القراءة وعدم الاهتمام بهذا الجانب المهم في حياة كل الشعوب ،وقد كان الشباب العراقي مهتما جدا بالقراءة قبل ان تدخل علينا ثورة الاتصالات والانترنت وصفحات التواصل الاجتماعي وغيرها من الا هتمام بجوانب اخرى ابعدتنا جميعا للعزوف عن القراءة بتوجهات لم تكن على البال ، وكذلك لم تعد هناك الاصدارات والعناوين التي كانت في قمة عصرها الذهبي في فترات بعيدة ،ولها كتاب معروفون على الساحة العراقية والعربية والعالمية ، وقد تكون هناك بعض البحوث والدراسات المقدمة من المختصين من اجل النهوض بالقراءة وسبل تطويرها، وتطرق الى رسائل الطلبة والباحثين في الدراسات العليا ، وعليها ان تكون رصينة ومكتوبة بشكل علمي كي يستفيد منها الباحثون في المستقبل تخص مااشرنا اليه ،كما ان المختصين باللغة العربية يقع على عاتقهم ايضا جزء من ذلك الاهمال وخاصة عندما نرى ان الذين يعملون في تدريس اللغة العربية لايجيدون العربية وخاصة في مباحث الالفاظ، والتي تبدا من المراحل الدراسة الابتدائية صعودا وعدم وجود المكتبة المدرسية ايضا يكون سببا في ذلك التعليم الابتدائي في ومع الاسف الشديد ان الاوضاع في المكتبة المدرسية تسير الى الخلف ونرى ان الطلبة كانوا يجمعون كتبا للمكتبة وتصبح صرحا علميا على عكس ما نرى اليوم من اهمال، كما ان هناك توجه لقراءة كتب وقصص ليس لها مردود فكري وعلمي ويقع على الدولة الاهتمام بالمكتبات ودعمها بشتى الطرق..

ـ السيدة امينة نور الادين ربة بيت تقول :حسب معلوماتي وخبرتي عندما كنت استاذة الى ان مجتمعنا يقرا اقل من عشر ساعات اسبوعيا، في حين ان بقية المجتمعات تقرأ ما معدله (30) ساعة او اكثر اسبوعيا، وبين ان الثقافة الاسرية في المجتمعات المتقدمة تربي الطفل على القراءة التي تناسب عمره ويجلب له

المجلات والقصص المطبوعة غاية في الجمال والتصميم، وهناك مكتبة مصغرة للطفل فيها شتى المطبوعات والكتب، ويكون هناك توجيه وتدريب محكم، لكن نرى الاهمال والضعف في عدم متابعة الطفل العراقي، وهذه الاسباب نتيجة عدم المتابعة الاسرية للمجتمع، ونتمنى الاهتمام بهذا الجانب المهم كي يتم بناء جيل مسلح بالعلم والمعرفة كما هناك دور مهم للثقافة التربوية والاجتماعية ونأسف لعدم الاهتمام بالمكتبة المدرسية وهي تكاد لا تذكر وماذا تحتوي، فضلا عن تدني المستوى التربوي والعلمي للكثير من الاساتذة ولا نريد التعميم وهذا يؤثر سلبا على واقع التربية والتعليم، ونتمنى ان نهتم بالمكتبة بشتى الجوانب والاستفادة من تجارب الامم المتقدمة لنبني مجتمعا متعلما ومثقفا و متسلحا بالمعرفة ومن خلال القراءة.

ـ ذو الفقار رحيم طالب جامعي : ان الاسباب الاقتصادية كان لها دور سلبي ونتيجة انخفاض دخل الاسرة العراقية جعلت كثيراً منهم يهملون المهم لعدم وجود الاهم، !! مثل الغذاء والدواء والسكن، كما كان لارتفاع اسعار الكتب المطبوعة وعدم دعم الدولة لها وعلى عكس ما تعمل به الدول المتقدمة من توفير معارض للكتاب وتجعله غير مكلفاً للقارئ . كانت ولاتزال زاخرة ومتنوعة والكل حسب خبرتي كان يقرا وفي الاعوام السابقة التنافس كان فيما بيننا على عدد الكتب التي نقراها في الاسبوع الواحد وكانت الفترة الستينية والسبعينة من اجمل الفترات الثقافية التي مرت على بلدنا ، لكن نرى الان انكماش اغلب الشباب عن اقتناء أي كتاب لاسباب عدة منها انشغالهم بعالم الانترنيت ولذاته ( وخصوصا الالعاب ) او لاوقت لهم بسبب العمل اليومي واخرون يرون هناك مصاعب اقتصادية بحته ، ولذا نرى من المحزن أن غالبية الشباب في عصرنا هذا هجروا القراءة المثمرة ، وقطعوا كل صلة بها ، ومالوا إلى وسائل الإعلام على تباين أشكالها وتعدد أصنافها ومع وجود بعض البرامج العلمية والتثقيفية بها إلا أنهم لم ينظروا إلى هذا الجانب ، وإنما استهواهم جانبها الترفيهي والترويحي فقط ، وبقي الشباب دون ثقافة تبني شخصيتهم. وحتى القرآن الكريم ، صار لا يقرأ إلا في شهر رمضان فقط .

ـ من جهته حدثنا ابا ريفان صاحب مكتبة وسط المتنبي بالقول : بعد التغير الذي حصل في العراق بعد عام 2003 ظهرت معالم التكنلوجيا الحديثة ووسائل الاتصال الجماهيري المربوطة بنظام الكابل الضوئي والاقمار الصناعية مثل الستلايت والانترنت والموبايل وغيرها من هذه الوسائل وكان العراق يفتقد لمثل هكذا امور فأصبح الشباب يقضي جميع اوقاته امام هذه الوسائل ، يضاف الى ذلك المقاهي التي اخذت تتكاثر حتى بالمناطق الصغيرة والمحلات وتبيع الاركيلة وغيرها فاصبح عزوف تام عن القراءة وهجرة المكتبات التي كانت عامرة في البيوت والمكتبات العامة , مبينا انه يجب ان تكون هناك دورات للشباب في مجال التنمية البشرية والحاقهم بالتطورالحاصل في العالم واهتمام خاص من قبل الدولة والحكومات المحلية بالمكتبات وتهيئة الظروف المناسبة للقراءة من كتب ووسائل الراحة حتى تستطيع اجتذاب الشاب الى مثل هكذا أماكن وبالتالي فقد حققنا الاهداف المرجوة .. واليوم نجد من خلال عملنا ان القراء نضب عددهم جدا مما اضطرني الى ان ادخل جانبا اخر في مكتبتي مثل القرطاسية لتصريف الامور التجارية لتسديد كلف الايجار وغيرها من الحاجات المعروفة لدى الجميع..

لا تعليقات

اترك رد