ذكرى المكان


 

سُجّل غيابها عن المشفى التعليمي الساعة الثامنة صباحاً دون معرفة أسباب عدم الحضور…

هيلين المرأة السبعينية التي تهتم بهندامها المميز بارتداء ملابس الموضة الجديدة ونظارتها البيضاء المدورة التي تفتح لها آفاق الوصول الى حيت تروم دون مشاكل مرورية متوكأة على عكازها البني الغامق الذي يسعف خطاها المرتبكة ..

انها ملتزمة الحضور في الوقت المحدد بشكل يومي لتجلس في الممر الرئيس تراقب حركة عمال الخدمة وهم يمسحون الأرضيات ويجمعون النفايات في أماكنها المخصصة..بل وتراقب مرور الكتل البشرية التي تمر الى الاستشارية والردهات وتتفحص وجوههم فردا فردا وكأنها تبحث عن وجه غائب كما انها تود معرفة أسباب قدوم كل واحد منهم ومرضه الذي يعانيه والطبيب المختص الذي يراجعه كما انها تزج نفسها في بعض الخلافات التي تنشب في طابور التذاكر بالكلام او الحركة أو شرح آلية العمل هنا عندما تجد من يجهل ذلك شعورا منها بالمسؤولية الكبيرة التي تنيطها لنفسها تلقائياً..

تخرج العجوز قبيل انتهاء الدوام معلنة الانصراف دون المرور بالبصمة الالكترونية ليس لأنها مصابة بمرض السكري الذي من عواقبه الوخيمة إنهاء بصمة الإبهام وعدم ظهورها للمسنين..

ان مراجعتها المستمرة نابع من التزام مهني وا خلاقي وفراغ البيت بعد خروج ابنائها وبناتها الى الدوام الرسمي في دائر شتى يولد عقدة الاكتئاب والشعور بالوحدة وجلب مأتم الذكريات القديمة وثم سبب غامض لم تبح به سوى نفسها المرهقة ..

انقطعت عن الحضور مدة شهر كامل ومازال الكرسي الذي تجلس عليه يتيماً وكلما دخل الموظفون صباحا يتهامسون بينهم حول سبب غيابها المفاجئ ..

ستيفان الرجل الطويل ،ضخم الجسد ،الكرش المدور وخلفيته الغائرة ،والأسنان التي تداعت كبرج التجارة العالمي بات يسأل عنها هذا وذاك وبعد اليأس من الجواب الشافي ، قرر الاستئذان بإجازة زمنية للبحث عنها وبعد جهد كبير واليأس من وجودها نظر الى احد المحال التجارية الصغيرة في الفرع المقابل له واذا بعربة تجلس عليها امرأة فقرر الذهاب والسؤال لكن المفاجأة كبيرة حين علم انها هيلين ذاتها ،فرح فرحاً كبيراً وبعد تبادل التحايا الحارة أجابت عن سؤاله الذي قدم لاجله:

* المرض الذي قصم ظهري عن الحضور فمنذ ثمانية أشهر انا اعاني
* ولماذا لم تراجعي طبيب مختص
* ليس لدي مجال مطلقا وأنت ترى بعينك مسؤوليتي إثناء الدوام
ولكن ثم أمنية تعتريني (ستيفان )ان ادفن في المشفى لعله يمر فأشم ريحه
* ومن هذا
* ومثلي لا يذاع له سر، أربعون عاما سوية ومات في المشفى ومازال عبق ذكراه يملأ المكان..
ابتسم برفق ودعها بصمت محافظا على توازنه متاثراً بجراح بليغه..

المقال السابقحركة السترات الصفر .. الواقع وآفاق المستقبل
المقال التالىالإبتلاء
عامر الفرحان كاتب و قاص وروائي من مواليد العراق -صلاح الدين 1968 -حاصل على بكالوريوس إعلام –صحافة-كلية ألآداب- جامعة بغداد و ماجستير إعلام الجامعة الحرة -هولندا.. عضو نقابة الصحفيين العراقيين.. عضو مؤسسة النور للثقافة والإعلام... عضو مؤسس في رابطة مثقفي الرافدين.. عضو الاتحاد العالمي لللثقافة والادب....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد