دور المثقف في الإصلاح الاجتماعي

 

إذا كان من بين تعريفات المثقف هو من يحمل كم هائل من المعلومات النافعة وهو من اتسعت دائرة معارفه بشكل يميزه عن غيره فان الثقافة هي حصيلة ذلك الكم وما يمكن أن يقدم إلى عامة الناس وان من واجب من يحملها الأول أن يترجم ما حصل عليه إلى واقعه وينقلها إلى بيئته بحيث يمكن الاستفادة منها على أوسع نطاق وإلا لما وصلت إلينا خبرات وتجارب الآباء والأجداد وما عرفنا شيئا عن تاريخ وحضارات شعبنا وامتنا ولا عن الآخرين وهذا ما ينطبق تماما على المثقف اليوم فان من أولى واجباته التي تفرضها عليه ثقافته بدلا من تحجيمها وحبسها في مخيلته أو فكره الذي سيصبح متحجرا بمرور الزمن, عليه أن ينزل بها إلى المجتمع ليكون مؤثر فيه ولتكون الثقافة شعبية تعم فائدتها على الجميع فيشخص الخلل وطريقة معالجته بالقياس إلى ما يكتنز من معلومات بعد أن يعرف أسبابه ولا تقتصر الثقافة على شريحة معينة أو طبقة من أبناء المجتمع وهي لا تقف عند عمر محدد أو جنس أو لون ومطلوب من الجميع السعي إليها وكل حسب إمكانيته في التعاطي مع الآخرين بالإضافة إلى مجال تخصصه المهني فمن المؤكد إن الطبيب بارع في مهنته وكذلك القاضي والمهندس والمعلم والأستاذ الجامعي والعامل وحتى الفلاح وهذا لا يمنع من كونه يستطيع أن يشخص من خلال معاناته ومعانات شعبه ما يمكنه من النهوض به من واقعه المتدني وحالات الانحطاط الاجتماعي التي بدأت تتعاظم في المجتمع العراقي إلى الأفضل ولا يمنعه من الشعور بالبؤس والجوع الذي يعاني منه هو أو الآخرين من أبناء شعبه وبالتالي تكبر الحاجة إلى تنظيم الجماعات التي وعت فكريا وتشبعت بثقافة التغيير في مناهج فكرية تستطيع تنظيم الجهود الشعبية وتوحيدها وتوحيد أساليب عملها.

وإذا كانت الثقافة حق للجميع يسعى الكل إلى الحصول عليه بوسيلته الخاصة فان الإنسان الواحد بمفرده بلا شك مهما امتلك من وعي وثقافة فانه سيشعر بعجزة عن التغير لانعدام القاعدة التي يستند إليها ويعمل بها ولابد انه إذا استمر في هذا الحال مع القليل من ضعف الصبر والإيمان بعدالة منهجه سينكفئ وسيلجأ إلى الانزواء والابتعاد عن المجتمع لأنه سيعاني من سعة الهوة بينه وبين مجتمعه وستصبح الثقافة لعنة عليه يعاني منها إذا لم يحسن استغلالها خصوصا مع انتشار عوامل التخلف والاستسلام في المجتمع وقد حدث هذا واقعا نتلمسه في هجرة الكثير من الشخصيات الثقافية والأدبية والفنية والسياسية والعلمية إلى خارج البلاد بينما صار المواطن البسيط يتحمل العبء الأكبر لوحده أو كجماعات أخطاء وممارسات طبقة من الجهالة وأصحاب الأفكار الظلامية المنحرفة حتى صار البلد مسرح للجريمة المنظمة ومرجلا يغلي بالفوضى تقف الدولة في حالة شبه عجز عن مقاومتها وسادت مفاهيم كثيرة بعيدة عن المواطنة الصالحة.

إذا تعاونت جميع النخب الفكرية وأصحاب العقول النيرة وتوحدت جهودها وأهدافها فيجب أن تبدأ أولى خطواتها في اكبر واهم عوامل التغير الاجتماعي مع توفر فسحة كافية من الناحية الدستورية من عملية المشاركة في الانتخابات مثلا والجدوى من المشاركة فيها أو مقاطعتها وما هي نتائج ذلك لكي لا يكون احد جزءا من تكرار عملية اختيار من افسد وأساء لموقعه ولشعبه ونصبح جميعنا تحت ضغط ما يحصل اليوم في البرلمان الذي يتصارع من اجل أشخاص محددين لا يمكن إبدالهم وكأن نساء العراق قد عقمت عن إنجاب غيرهم فأما هم وأما يبقى الحال قائما على ما هو عليه مهما حصل من تجاوز على الأعراف القانونية التي شرعوها حسب مقاساتهم كوسيلة لغاية من المؤكد إنها اكبر مما تظهر عليه بينما يعوم الشعب وسط تلاطم أمواج لا عد لها ولا حصر من المشاكل التي تصعب حلولها يوما بعد آخر وتدفع بالجميع إلى حافة المجهول الذي لا يعلم خاتمته إلا رب العالمين ومن يخطط لها وينفذها.

ولأن مجتمعنا مليء بالمشاكل فهناك حاجة لوضع الحلول المناسبة لها ولن يتصدى لها والبحث فيها إلاَّ المتضررون منها ويجب أن يكون بالمستوى الثقافي الواعي لها ولأن الأمية والجهل هما من المشاكل التي أصبحت متفشية ومزمنة في مجتمعنا بشكل كبير في الوقت الحاضر كان لا بد من العمل الجاد على مكافحتها أولا ومن ثم تعميم الثقافة والوعي، على الأقل بين النخبة من الأفراد والجماعات، لتقوم بمهمة النهوض به وبناء عليه، تبتدئ تلك العملية من كون الإنسان عضواً في أصغر خلية اجتماعية، وتنتهي بدوره كعضو في دولة.

في الظرف الراهن ليس النشاط الفكري الثقافي والتوسع فيه لأبعد مدى حقاً للمواطن فحسب وإنما هو واجب أيضاً كما أن العمل السياسي لا يجوز أن يبقى حكراً على طبقة معينة بذاتها تعيد استنساخ نفسها بحيث ينتقل الحكم بالوراثة داخل الطبقة الواحدة خاصة بين من أصبحوا في طبقة الأغنياء والموسرين وكبار التجار والاقتصاديين بمواقعهم الطبقية الجديدة مباشرة أو بالواسطة باستخدام المال السياسي وتنتج باستمرار المفاهيم السياسية والاقتصادية وتشريعاتها وقوانينها وتطور أساليب عملها لتضمن مصالحها وتؤمن عليها وهذا ما يبرز الدور المهم لمن يحمل على عاتقه مهمة تثقيف المجتمع والنهوض به إلى المستوى الذي يمكنه من المشاركة الواعية في إدارة شؤون البلد ومنعه من الانحدار أكثر إلى هاوية التخلف والعودة إلى الوراء التي تعاظمت بشكل مخيف مع الارتفاع الحاد في الصراع الدائر الآن على كراسي السلطة وفق الآليات القائمة على الطائفية والقومية وإهمال حقوق المواطن التي باتت ملحة ويتوجب الالتفات إليها .

المقال السابق” العاصفة ” لخالد يوسف
المقال التالىلاعب النرد
لاسم/ رقيب عبد الرحمن المطيري التولد / 1957 التحصيل الدراسي / بكالوريوس آداب / قسم التأريخ المهنة / متقاعد اعشق العراق وشعبه بجنون ولا فضل لي بهذا اكتب ما أراه يخدم شعبي وتنشر لي بعض المواقع والصحف....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد