نوال السعدون نتاجها التشكيلي نبض من الحزن والألم


 

الفنانة التشكيلية نوال السعدون في نتاجها الفني التشكيلي إنعكاس لمشاعر تواقة إلى تفريغ الهموم والكبت المخزون. وهي صفة لأصحاب المشاعر الحساسة لدى غالبية الأدباء والفنانين. يتجسد مضمون ذلك بصيغته الشكلية وثيماته الفكرية بنوع الأنعكاس في الأيدي بأقلام وفرش ومواد من خامات متنوعة تخص التشكيليين وكذلك أيدي العازفين على آلات السمع الحساس، أو بلسان شعري وادبي ناطق بصوت ملفت للأنتباه والتوقف والتأمل ثم تفريغ الهموم لدى المنتج والمتلقي.

تلك الصفات تجول بها الفنانة نوال السعدون المتميزة بأسلوبها الخاص من حيث البنية التكوينية الشكلية ومحتويات موادها المختلفة بما يتناسب مع تلك الدوافع النفسية وعوامل التأثير الصاخب والمثير عبر مراحل الأزمنة التاريخية للبلد العراق، تبقى ساكنة المشاعر لدى الفنانين عبر مراحل حياتهم في داخل البلاد وخارجه. إنها ترسم الملامح، بوجعه الخاص، من خلال البنية التكوينية للأجساد وملامح الوجوه وبألوان معتمة أو متضادة.. تصوِّر الفنانة التشكيلية العراقية نوال السعدون حزنها على الآخرين من الإنسانية المشتركة، في مكانات عامة بما يحملونه من متاعب إنعكست عليهم عبر مراحل الأحداث المتنوعة من حروب وحصار وما نتج من فروع متعددة.

يحصل ذلك من خلال رسم الأبواب، والشبابيك.. حيث تجمع أشلاء بيوت قديمة لترسم عليها ذاتها وذوات الآخرين. يتم تدوين المشاعر الرقيقة ليس في إطار التراجيديا الحزينة فحسب وإنما بمشاعر متقابلة بين الحزن والسعادة أحياناً، يتم ذلك من خلال ذلك جدران مرسمها الذي يتوسط حي القيمرية في دمشق القديمة، وهو أشبه بمعرض جماعي للسعدون وحدها، إذ غطّت جدرانه لوحات متفاوتة من حيث التقنية الأدائية، وانفرادية الإسلوب، انها عملية تواصل وتجسيد لمحتويات ذاكرتها المخزونة.

ومن ضمن أعمالها أوقفت بومة عندها، كرمز لطرف شؤم واحد، يتحكم بالبلد ويكبّل مجتمعه، وأغرقت رجلاً مكبلاً فيها. تعود هذه اللوحة إلى مشروع تخرجها في أكاديمية الفنون الجميلة في بوخارست عام 1980.. ضمَّ المشروع مجموعة من الأعمال الغرافيكية المحمَّلة رسائل سياسية منصبّة على الهمّ العراقي آنذاك، كالمجازر، والاعتقالات السياسية، وتكبيل الحريات. وكذلك هنالك تجسيد مضموني قُرب بومة العراقيين، علَّقت على الجدار نفسه حزنها ووحدتها، بملامح تصخب بالألوان الحارة في ثلاث لوحات من الزيت، تنتمي إلى مجموعة زيتية صوَّرت فيها تعبها وتشتتها اللذين عاشتهما بين رومانيا والدانمارك.

تتضخم ملامح الوجوه في المجموعة، وتتمزق الأجساد، وتختفي ملامح الأسترخاء والرقة في الوجوه، وسط مساحة من الألوان الحيادية الهادئة ذات باثات ساكنة. إنها فضاءات تسكن عليها مضامين الكتل التكوينية للأشكال. ما يميز أعمال الفنانة نوال هو الإستمرار في إستخدام الأجساد والرؤوس البشرية بما يحمل من مكنونات داخلية ومظهرية. وهنالك أعمال تمثل إستعادة الذكريات بمادة الكولاج الكرافيكية، تم عرضها في غاليري «شمبلا» في كوبنهاغن، وفي سنتر المتاحف في مدينة أوهوس الدانماركية، وفي الكثير من المدن الأخرى..تتميز أعمال الكولاج بحرفية وتقنية تحتاج إلى التخصص والمعرفة في آلية التنفيذ المهني كما جربناه شخصياً في تخصص الكرافيك المتنوع في وسائل التنفيذ التقني. ومنها إستخدام التقارب المنسجم بين تلك الخامات. ولقد أستخدمت مواد تشكيلية من الخزف مقارب ومجاور لمواد الكرافيك باجساد بشرية مقطوعة الأيدي ووجوه مشوهة، من جراء الأحداث التي شهدتها من حروب وآثار سلبية. ولديها عمل نحتي فيه تقنية الراكو أنجزته عام 2007. وفي عمل آخر بطريقة الراكو متكون من ٦٨ قنينة كوكاكولا.

عمل حذاء الممثل اللاجئ أدى بالتشكيلية إلى السينما، عبر فيلم شارك في المسابقة الرسمية للأفلام القصيرة ضمن مهرجان دمشق السينمائي الأخير.. سمّته «صورة شخصية»، وأعطت صاحب الحذاء دور البطولة فيه، بل قام على قصته التي بدأت من العراق وانتهت في دمشق. الفيلم التسجيلي، «صورة شخصية»، هو التجربة الأولى لتشكيلية أحبّت تغيير أدواتها في التعبير، لكن بإمكانات إنتاجية فقيرة، وبخبرة متواضعة. لم تتوقف السعدون عند تجربتها السينمائية الأولى، لأنها تعتزم تصوير فيلم آخر، أخذت فكرته من مسرحية «في انتظار غودو» للكاتب صموئيل بيكيت، تمثل فيه ابنة أخيها الممثلة والمخرجة العراقية التشيليانية عشتار ياسين، وتصوّره في دمشق القديمة، ويحمل اسم – انتظار بغداد.

العبث لن يقتصر على الفيلم في مشاريعها المقبلة، لأن الأشلاء البشرية بألوانها الصاخبة تتناثر الآن على أرض مرسمها الذي بدأ يعيش تغيراً في ملامح جدرانه.. «بورتريهات» لأشخاص لا يمكن التعرف إليهم، لأن أجزاء من أجسادهم، كالعين أو الرأس، هي كل ما يدل على وجودهم في اللوحة. أعين تتوسط اللوحات، وكأن شخصاً يقف خلف اللوحة، تشعر بوجوده، يراقب من يقف أمامه، الأمر الذي يزيد الإحساس بالأرواح التي تسكن اللوحات.. دوائر اللا نهاية تتخلل العناصر في اللوحات، من خلال خيوط قماش تتسلل إلى جسد اللوحات منتهية بدوائر اللا نهاية تلك. لم تغير نوال السعدون من تقنياتها في خلق اللوحات، ولا يزال تعاملها مع الكتلة والفراغ ينتصر دوماً في الأعمال، أما تعاملها مع الألوان فيُظهر رغبة في العودة إليها بعد تقشف طويل. ما الحزن والموت اللذان يسكنان لوحاتها إلا حصيلة عقود من النفي، والحنين إلى وطن تعيش كل تفاصيل بعده.. تعتقد أن لوحاتها تحمل الكثير من الفرح، لفرط الطفولة التي تعيشها أثناء ممارسة الرسم، لكن الحقيقة أن تجربتها التشكيلية فيهاعمق رفيع المستوى من التناظر حول العراق حزناً.

شكلانية التكوين :
في أعمالها صيغة خاصة تتوزع في أجزاء من مكونات نحتية على شكل كرات مدورة تتوزع بسياقات دائرية أيضاً. تسري بإيقاعاتها المتكررة لتوحي لنا بإيصال ديمومة مجاري الأحداث والهدف، وفي بعض أعمالها وجوه يسودها مساحة غامقة سوداء تدل على الحزن والرثاء والانغماس في انحناء وتأمل. وبشكل عام تلك الوجوه تسودها الصفة العامة للغاية التعبيرية بعيدة عن تفاصيل دقيقة لبنية مفرداتها التكوينية من وسائل الحواس : العيون والأنف والفم والأذن التي تعني وسيلة السمع. وفي غالبية الرؤوس هي عبارة عن جماجم مزاحة عنها اللحوم الحية..أي إنها بأوضاع شكلية تؤكد وجودها بعد ممات وأحداث طويلة الأمد وشديدة الفعل والصخب.

لذلك وكما ذكرنا بأن أعمالها إنعكاس لهواجسها الوجدانية ومشاعرها الفكرية، ومنها معرضها الخاص الذي أقامه بيت المدى للثقافة والفنون بدمشق، حيث تجسد بأعمالها التجريدية التعبيرية بمواد الكرافيك توترات مثيرة من خلال الملامح الغائمة، التي تستوقف المشاهد نحو تبادل الرؤى والأفكار في الأبصار والتبصير.الفنانة نوال السعدون تقيم في الدنمارك منذ خمسة عشر عاماً، وقد درست الفن في بغداد وبوخارست، وأقامت العديد من المعارض الفردية والجماعية في دول عربية واجنبية، وهي متفرغة للفن، وعضوة في اتحاد الفنانين العالمي.

ولدت في عائلة تهتم بالثقافة والفن، واخوتها الأربعة الأكبر منها عمراً، حيث تشير بأنهم سافروا الى أوربا ودرس أحدهم التمثيل والآخر هندسة العمارة والثالث الموسيقى والرابع فن السيناريو، وبعد عودتهم الى العراق ومزاولتهم لمهنهم، أصبحت على احتكاك مباشر بالوسط الفني، كنت لا أشاهد العروض المسرحية فقط، بل أتابع التدريبات عليها، تعرفت على رسامين مهمين أمثال: محمد مهر الدين وماهود احمد وملاح الجواهري، وهكذا بدأت أتعلم العزف على البيانو، وبدأت ارسم، لكني احسست ان الرسم هو المجال الأقرب الى روحي، الذي استطيع من خلاله ان اقدم شيئاً مهماً. وتشير إلى ان التأهيل الاكاديمي في أوروبا مختلف عما لدينا، فدراسة مادة التشريح هناك مرتبطة بالموديل الحي والجسد العاري وهذه بحد ذاتها معرفة مهمة جداً للفنان. وكما تشير أيضاً بأن وجودي في الدنمارك منذ خمس عشرة سنة أثر ايجابياً على تجربتي، فالحياة المفتوحة وامكانات التجريب والسفر واقامة المعارض والاطلاع على معارض الآخرين، أمور قد طورت كثيراً من تقنياتي ورؤاي وفهمي للعمل الفني، صارت لديّ مشاركات كثيرة في المعارض التشكيلية داخل الدنمارك وخارجها وتعرفت على الملتقى الاجنبي وسررت بقبوله لفني.

المقال السابقلماذا هذا البون الشاسع في رواتب الموظفين
المقال التالىعاشقان تحت الشمس
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد