أقلام واعدة / نصوص مائزة .. قراءة نقدية في إبداعات قصصية لأقلام شابة


 

في الاشتباك النقدي مع الجديد من القصص القصيرة في إبداع الشباب العربي المعاصر ؛ الكثير من النقاط الكاشفة ، والتي توضح سيرورة الإبداع السردي العربي على صعيد القصة القصيرة ، والطروحات المقدمة من الكتّاب ، وكيف يتفاعلون مع الواقع المعيش في الأمة ، وكيف يصوغون إبداعاتهم على صعيد الأسلوب والبنية السردية ، أي أننا نطرح سؤالين محورين : الأول نعبر عنه بأداة الاستفهام ماذا؟ والثاني بالأداة كيف ؟ ، فالأول يتجه إلى المضمون ، والثاني يعالج الشكل .

وتأتي هذه الدراسة التطبيقية على عدد من النصوص القصصية، لتبين أبرز ملامح إبداع الشباب العربي، في القصة القصيرة ، وأبرز المضامين المطروقة من قبلهم ، وأيضا ما تميز به إبداعهم ، فيما نسميه الإضافة الإبداعية / الجمالية / الرؤيوية ، فالإبداع الحقيقي لابد أن يضيف، وإلا سيكون عبئا على القارئ والمبدع نفسه ، فنبحث عن الجديد المطروح ، وعلى القيمة الجمالية والدلالية المقدمة .

( 1 )
في قصة ” وداعاً روخشانا ” ، للقاص العراقي عبدالكريم الساعدي ، نجد وصفا سرديا مدونا ، لمشهد يكاد يكون نمطيا ومذاعا في وسائل الإعلام والسينما العالمية ، ألا وهي رجم الزانية والزاني ، وتحديدا من قبل المتشددين دينيا من حركة طالبان الأفغانية . والقضية التي تعرض هنا ، تنتصر للحب ، ضد التقاليد والتشدد الديني. حيث يعيد القاص تصوير المشهد ، لحظة اقتياد اثنين : الفتاة ” روخشانا ” وحبيبها وقد هربا معا ، ليتزوجا في مدينة أخرى ، ولكن تم القبض عليهما ، بتهمة الزنا وعقوبتها الرجم للمحصن ، حيث تقدم شخصان للسلطة ، وأخبراها أن ” روخشانا” متزوجة ، وهو ما نفته الفتاة عند استجوابها ، مؤكدة أنها لا تزال عذراء، وأن الحب ثم الزواج جمعها مع حبيبها . ولكن عبثا إقناع مثل هذه العقول ، كما يخبرنا المتن في طياته. ولكن أحداث القصة في مجملها ومضمونها يتماشى مع الرؤية النمطية التي سوّقها الإعلام الغربي عن الشرق والمتدينين ، وربطهم بالتشدد والإرهاب .

تنتهي القصة بإعدام الاثنين بالأحجار، وسط عيون الناس المحدّقة لمشهد الموت البطيء ، أما الزوجان / الحبيبان ، فهما يودعان بعضهما كروحين في جسد واحد . رسالة القصة المبطنة تتلاقى مع أفعال داعش التي ظهرت في العراق وسورية، وحبذا لو كان القاص قد لامس وسرد بعضا من سلوكيات داعش، وما قامت به من مظالم عديدة، شوهت صورة الإسلام ، في الإعلام العالمي ، وجلبت الدمار لبلادنا.

القصة ذات أسلوب شاعري ، استطاع القاص الغوص في أعماق الحبيبين، واصفا بدقة مشهد الرجم ، وتدهشنا قدرته البلاغية على مزج التصوير الخيالي بالحدث السردي ، كما في قوله : ” تتنفس رعباً، يترنّح الاستغراب فوق ملامحها، وحيدة تواجه موتها على أعتاب عالم ممعن بالخراب، ملتحف بالوهم ” ، إنها في لحظة الاقتياد نحو ساحة الإعدام ، حيث تتطلع إلى مصيرها ، والناس حولها، والخراب الذي عمّ القرية ، وهذا الوهم الكبير الذي يعيشون فيه .

وأيضا في قوله : ” المسافة بين التكبير والتشهد ليست بعيدة، تمطر حجراً كي تدكّ بكارة الأرض، تتّقيه بيدين رقيقتين دون جدوى ” ، وهنا نجد الزمان والمكان يتلاقيان، مع الحجارة المنهمرة عليها . فبلاغة الأسلوب وعمق التحليل وبنية المشهد سرديا ، كلها أمور تحسب للكاتب ، وتميز نصه القصصي .

( 2 )
قصة ” غابة الخنازير” ، للقاص العراقي محمد نايف أحمد، واضح من مضمونها وأحداثها أن القاص استوحاها من رواية ” مزرعة الحيوانات Animal Farm) لجورج أورويل، وقد نشرت في إنجلترا في 17 أغسطس 1945م ، وتناقش استبداد الحاكم الطاغية وتحكمه في الرعية ، وهو نفس ما درج عليه الكاتب ، وإن اختلفت أحداث قصة مزرعة الخنازير، حيث جعل شخوصها حيوانات كلهم ، لا بشر فيهم ، وجعل الحملان معبرة عن الشعب المسكين المستغل من قبل الخنازير وبنات آوى، وكيف أن الخنازير ردت على شكوى الحملان ، وأنها عاشت خائفة من انتقام الأسد، ولم تنتبه من أن الخنازير ذاتها تعتاش عليها ، والتهمت أربعة حملان في ليلة واحدة، فجيب ألا تنخدع بالخنازير ، وتواجهها ، بدلا من انشغالها بالخوف من الأسد . وكان زعيم التمرد حمل مسكين ، وقد اكتشف أنّ بنات آوى تجلس مع جمعٍ غفير من الخنازير في صفقةٍ مشبوهة تقضي بتمكين الخنازير من رقاب جميع الحملان، وتزين الأمر لحيوانات الغابة على أنّ الأسد هو المصدر الأوحد الذي يهدد أمن الغابة.

رسالة القصة واضحة ، وهي استغفال الشعب ( الحملان ) بعدو وهمي هو الأسد ، في حين أن هناك فئات مستفيدة ( بنات آوى والخنازير) من تسويق هذا العدو، وهي لعبة مخابراتية سياسية مألوفة في الأنظمة القمعية الفاسدة، حيث تسوق للشعب دائما خطابا فيه تخويف من عدو محتمل ، كي يسكت الشعب عن الحيف. وهي نفس الرسالة التي حملتها رواية مزرعة الحيوانات ، وإن كانت الأخيرة تفوقت في كشف فساد من يكون في موقع المسؤولية ، وكيف أنه يمارس نفس الخداع .

أجواء القصة رمزية، وقد بالغ القاص في استنطاق الحيوانات ما يريد قوله من كلمات وتعبيرات سياسية مباشرة مثل مقولة حكيم الحمير ناصحا الحملان : ” معاشر الحملان، تجاربكم ما زالت غضّة في ميدان التعايش في الغابة، فالخنازير يجمعنا وإيّاها مصيرٌ مشترك، إذ لم نر منها سوى حسن السيرة والسلوك ” ، في صياغة خطابية جلية ، وحبذا لو دارت القصة في أجواء سرد ودراما ، على نحو ما نجد في سرديات كليلة ودمنة ، ففيها صراع وحدث وشخصيات مشوقة ، والقارئ يستلهمها .

( 3 )
ونلتقي مع قصة : “على حافة السقوط ” للقاص السوري وسام محمد دبليز، التي تدور حول صراع نفسي لفتاة ، سقطت مع همسات الحب ، ونداء الحبيب العاشق الولهان أن تحضر إليه ، ليعيشا أجمل لحظات من المتعة الحسية، ويشبعان نهمهما للذة، وتذهب إليه بالفعل ، وصوت أمها وعصا والدها يترددان في نفسها ، أن لا تذهب، حفاظا على القيم والأخلاق ، ولكنه ترضخ ، وتذهب مستسلمة ، وتقف بعري جسدها أمامه ، إلا أنها تفاجأ بأن هناك أنثى أخرى مع الحبيب في الشقة ، وأن العاشق ما هو إلا زير نساء ، يتفنن في إسقاطهن في حبائله ، فما كان منها إلا أن تنحني وتتقيأ بشدة ، في إشارة إلى تقززها وصدمتها العنيفة ، وأن الرومانسية ما هي إلا تجارة رخيصة بالكلمات، لتكون جسرا لجسد الأنثى .

عنوان القصة يختصر أحداثها ، وهو مباشر ملخص لأحداثها ، كما أن الفكرة تقليدية مطروقة بشكل كبير، في القصص العربية التي تعود لحقبة الخمسينيات والستينيات ، وأيضا عولجت في العديد من الأفلام ، ولعل أشهرها فيلم أنف وثلاثة عيون ( 1972م )، المأخوذ عن رواية بنفس العنوان لإحسان عبد القدوس، حيث البطل عاشق لإناث ثلاث ، يتنقل بين أحضانهن .

الجديد في هذه القصة ، أن السارد لديه لغة سردية بليغة ، نجدها في المطلع : “تتسلل أصابع الكلمات نحو خصري تحيط بي وترميني عاشقة فوق هضاب جسده، أفقد توازني أخاله أمامي، هل لكلمات أن تتحول لأصابعٍ تثرثر بلهفة فوق تضاريس جسدي، وأنفاس تلامس وجهي فترميني في فراش الهيام”، كما أنه يمسك بخيوط السرد بشكل بارع ، ولديه القدرة على التشويق ، لذا ندعوه إلى المزيد من الاجتهاد في التقاط الجديد من الأفكار والشخصيات والأحداث .

( 4 )
ونجد في قصة ” هاجر ولم يهاجر” للقاص السوري محفوض جروج، فتعالج بأسلوب بليغ الصراع النفسي لأحد الشباب ، الذي حمل حقيبة ملابسه ، مقررا الهجرة، ويتناول السرد لحظة المغادرة ، وما اعتمل في نفس البطل من مشاعر ، وهو يرى أرض الوطن تنأى عنه ، ويرنو إلى مصير مجهول في الغربة ، فلم يجد أمامه إلا أن يعود إلى بيته ، متمسكا بثرى الوطن ، وإن عاش فيه فقرا وخوفا وحرمانا .

رسالة القصة مباشرة ، ومكررة بشكل كبير ، في القصص العربية ، حيث تنتصر للبقاء في الوطن ، مهما كانت أسباب الهجرة ملحة ، كما أن عنوان القصة ملخص مباشر ، فهو يعبر عن الحيرة . وتجدر الإشارة إلى أن العنوان الأجمل هو الذي يعطي طرفا بسيطا مع بلاغة ، ويشوق القارئ للأحداث ، لا أن يختصر القصة كلها في ثناياه ، مما يفسد متعة القارئ قبل الشروع في القراءة .

على صعيد آخر ، فإن الأسلوب السردي اقترب كثيرا من الشاعرية ، بل تكاد تكون القصة شاعرية في صياغتها ، وإن أسرف السارد في التعبير ، مكررا المعنى المقصود بأكثر من جملة ، وإن كان يحسب له قدرته على التنويع في السرد بالضمائر ، فيما يسمى فن الالتفات في الأسلوب ، ففقرة تكون بضمير الغائب ، تليها فقرة بضمير المتكلم ، حيث نقرأ : ” عاودته ذكريات الماضي، فتأوه طويلا، وطفرت من عينيه دمعتان انهمرتا بين أخاديد وجنتيه الذابلتين..، لن أندم بعد الآن، فما عادت تغريني الهجرة، فإن نسيتك فلتنسني يميني،لهفتي عليك أنت ما دمت حية”
وتلك هي الإضافة الإبداعية في هذه القصة ، بطريقة لا تشعر المتلقي بوجود فجوات في السرد ، بل إن القارئ يتنقل بين الضمائر بكل سهولة ووعي .

( 5 )
و في قصة ” الحلم ” للقاصة المغربية فاطمة كطار، نجد السرد على لسان ذكوري، لبطل واضح من السياق السردي أنه في مقتبل الشباب، حيث يعيش في أجواء الحلم ، تلك الخصلة التي أخذها من جدته ، والذي هو يشبهها في الشكل، وها هو يشبهها أيضا في الطباع والنفس ، كما يقول في المفتتح : ” على التلّ، قرب النهر، كنت ٲربّي نفسي على الحُلم٬ ٲو بالٲحرى كان يُربّيها٬ سمعت من جدتي يوما ٲن ٲحلامنا يحققها الحُلم٬ وٲعطابنا يصلحها الحُلم ٲيضاً ” الصياغة شاعرية ، في المعنى والمقصد ، فالحلم حياة يحيا فيها البطل مع محبوبته زينب ، ويقتل أمها التي تضايقه ، مثلما قتل في الحلم شيخ المسجد الذي أتعبه في الحفظ القرآني ، فالحلم ملاذ ، ووسيلة ، وهدف ، وهروب .

ولأن حالة الحلمية لا نهاية لها ولا فكاك منها ، فإن خاتمة القصة تنتهي بها أيضا حيث يقول : ” في الحلم كنت أمشي عارياً٬ كما في الحمام٬ أغتسل من أدران الواقع الذي أعيشه ويعيشني٬ لأخرج إليه نظيفا صافياً ” ، ليصبح الحلم وسيلة للتطهر .

الأسلوب السردي بليغ معبر ، والقاصة تمتلك ناصية الحكي بشكل بارع، ربما تكون أجواء القصة مطروقة في سرديات الشباب والرومانسية ، ولكن القاصة نجحت في تقديم بناء سردي، عرفنا منه شخصية البطل ، وتشابهه مع جدته ، وحبه وتمرده .

( 6 )
قصة ” وانهار بيت جدّ” ، للقاصة التونسية سعاد الفقي بوصرصار، وتدور أجواءها على لسان الحفيدة ، التي وصفت بيت جدها بشاعرية مسهبة ، موضحة العلاقة بين الجد والجدة ، وكيف أن الحب رفرف عليهما لسنوات ، وأن ملاذ الحفيدة من خضم الحياة هو بيت جدها ، تقول : ” في بيت جدّي أنسى زحمة الطرقات، وتلوّث المدينة، وخبث البشر، ومشاكل الحياة، جدّي وجدّتي نهر محبّة نستحمّ في مياهه العذبة والدافئة ونسعد ” ، وتكون المفاجأة أن الجدة تموت ، ويحزن الجميع عليها ، ويجتمع الأبناء والبنات والأحفاد ، يتحلقون حول الجد ، يواسونه في حزنه، إلا أن الجد يفاجئهم بأن هناك من قالوا له : لا تبق وحيدا ، أي عليه بالزواج بعد الجدة. وهو ما يصدم الأسرة ، خاصة البنات ، فيغمى على أم الحفيدة، وتنتهي القصة بسؤال من الحفيدة نفسها : ” وصحتُ فيه: ــ قالوا لك أم قالت لك نفسك؟ “، هو سؤال مباشر خطابي ، ولو تم حذفه لكان السرد أكثر بلاغة، خاصة أن العبارة الخاتمة : “وأقفر البيت” ، دالة على خواء بيت الجد من الحب والأنس .

مضمون القصة تقليدي بشكل كبير، وإن برعت القاصة في صياغة أجواء المنزل، بأسلوب شاعري ، ولكن يؤخذ عليها الإسراف الشديد في وضع النقاط بين الجمل، ومعلوم أن النقاط دالة على حذف كلمات أو جمل ، وهو غير محقق في الدلالة، والأفضل استخدام علامات الترقيم المتعددة وفق دلالاتها المعتمدة .
*****
يمكن القول إن إبداعات الشباب العربية في القصة القصيرة تحمل كثيرا من الخير، فالنصوص التي عرضناها توضح أن كتّابها لديهم موهبة القص، وكثير منهم يمتلكون ثراء لغويا ، تبدى في الصياغة الأسلوبية ، التي لامست الشعرية في كثير من النصوص ، وبعضها فيه إسهاب نوعي ، وهناك بعض الغموض، وإن لاحظنا أن غالبية النصوص دالة على قدرة القاصين على تقديم بنية مشهدية سردية مكتملة، بدون افتقاد لخيوط السرد ، ولا إحداث شرود للمتلقي .

إننا ندعو الشباب العربي إلى المزيد من الاطلاع على حركية القص العالمي والعربي ، والأفكار الجديدة التي يتم تناولها ، وأيضا إلى الاشتباك مع قضايا الواقع، بما فيه من مشكلات وأبعاد ، اجتماعية ونفسية وفكرية .

المقال السابقأوضاع خارج السيطرة
المقال التالىتنور أمينة
المؤهلات العلمية : 1 ) دكتوراه في البلاغة والنقد الأدبي ، دار العلوم ، جامعة الفيوم ، 2006 م ، بعنوان: منهج الرواية وبنية الحكاية في كتاب الفرج بعد الشدة للتنوخي ، بتقدير : مرتبة الشرف الأولى . 2 ) ماجستير في النقد الأدبي ، كلية دار العلوم ، ج . القاهرة ، 2000 ، بعنوان: خصائص الأسلوب في صحيح البخ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد