الرحيل بين عالمين !

 

لا أحبذ استخدام كلمة ” الموت ” ( بالرغم من كونه حق لا يعلى عليه ) لأنها احيانا لا تتطابق مع ما يصيب هذا الإنسان أو ذاك. ولذلك وضعت الرحيل بديلا عن الموت.
مضى أكثر من ألف عام على رحيل المتنبي ومع هذا ما زال يعيش معنا بكلماته وابياته وقصائده! وهناك مئات الأمثلة تؤكد خلود من رحلوا!
ولهذا فأنا على يقين بان غياب شاعرنا عريان سيد خلف سيكون غيابا جسديا فقط، وسيبقى خالدا في قلوب وذاكرة الشعب ما دام العراق باقيا.
لقد صادف يوم رحيل الشاعر عريان، في الاسبوع الماضي، الذكرى السنوية الاولى لرحيل الفنان الفرنسي – العالمي “جوني هوليدي” (1943 – 2017 )، الذي غنى على مدار أكثر من نصف قرن، ورغم التظاهرات الصاخبة والمثيرة للجدل في فرنسا، إلا أن التلفزيون الفرنسي، بقنواته المختلفة، لم ينس ذكرى رحيل مطرب فرنسا العالمي، لذا خصصت الفضائيات برامجا عنه، وبالأخص عن التكلفة المالية الضخمة لتشيعه، والتي تقدر بعشرة ملايين يورو! هذا المبلغ هو مدار خلاف عن من سيقوم بدفعه: الدولة ام الورثة؟!
جوني هوليدي عاش معززا مكرما حتى في موته، بعكس ما يحدث لمعظم الطاقات الفذة في بلداننا، التي عودتنا على كتابة جملة نعي متشابهة لمعظم الحالات: وللاسف فقد عانى الفقيد من العوز المادي في أيامه الأخيرة!
الشاعر عريان سيد خلف عاش كبيرا ورحل كبيرا بفضل محبة مواطنيه وأصدقائه ورفاقه في حزبه الشيوعي، ولا فضل لدولة أو وزارة أو مؤسسة عليه!
وهنا السؤال الذي يطرح نفسه رغم انف الجميع عن دور الدولة ومؤسساتها برعاية كل مواطنيها وبالأخص المبدعين منهم، مثل ما يحدث في العالم المتمدن!
لدينا عشرات الطاقات الفنية، ومنهم من رحل، ارتضوا المنافي منذ أكثر من ثلاثة عقود بسبب سياسة النظام السابق التعسفية، فمن يسأل عنهم أو يرعاهم؟ لقد جرب البعض منهم العودة للوطن لكنهم فوجئوا بطريقة معاملة فجة، فاثروا الرحيل ثانية.. منْ يتذكر الفنان المسرحي المبدع روميو يوسف في منفاه الروماني؟ وعالم البحار الملحن مفيد الناصح في منفاه الهنغاري؟ والملحن سامي كمال في منفاه السويدي والفنان التشكيلي علي فنجان في منفاه الفرنسي ؟ وهناك العديد من الطاقات العلمية والرياضية والأدبية مبعثرة على قارات العالم المختلفة، فهل تعتني حكومتنا الموقرة بهذه الطاقات؟!! ام أن كلماتنا واسئلتنا ستمر كهواء في شبك؟!!
فلا عقل يصغي ولا إذن ترى!

المقال السابقتنور أمينة
المقال التالى” التأثر والرفض “
الكاتب د. طه رشيد حاصل على ليسانس فنون مسرحية / أكاديمية الفنون الجميلة ـ بغداد ـ 1974 ودبلوم لغة فرنسية من جامعة بواتييه 1988.عمل في الصحافة الاذاعية بين 1975 - 1978 وساهم بكل ألاعمال المسرحية في فرقة المسرح الفني الحديث - مسرح بغداد لنفس الفترة. - 1978 - 1984 منشط ثقافي واستاذ مسرح في المدارس الثا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد