صباحك.. خمس قصائد

 
صباحك: خمس قصائد.. للشاعر زياد جيوسي
لوحة للفنان عبد السلام عبد الله

1

صباح الخير حبيبتي، لا أسمع جوابًا، صحوت من نومي لم أجدك كالعادة، غادرتني دون أن توقظيني، شعرت بأثر عسل على شفاهي، إذ استرقتِ قبلة أثناء نومي، شعرت بشهد شفتيك، همساتك مسكوبة في أذني، سكبتُ القهوة فأنا أريد احتساءها مع عبقك المنتشر ياسمينًا في فضائي، أشعلت لفافة تبغ وجلست في صومعتي العمّانية، سنبقى ونحن تغيّبنا النّظرة، تسرقنا الذّكريات.. ينسدل الليل ونبقى نحن ويبقى الحنان.
آخذ حمّامي الصّباحيّ وأحلق ذقني، أعطّرها، تحبّينها هكذا، أعود من جديد لفنجان القهوة وحيدًا ولفافة تبغي، أحلّق مع روحك من جديد، سآتيك في السّابعة لنحتسي قهوتنا معًا، هل عندك التزامات؟ إن كنت مشغولة أخبريني، صباحك قصائد زنبقتي.

2

يوم حافل بالتّعب، توقّعت هذا وقد اعتدت على ذلك.. أنت دومًا معي، وصباحنا افتقدته بقوّة اليوم، حسنًا لن أكون في السّابعة معك على فنجان القهوة فلن تكوني بانتظاري، أفكّر بأن أذهب إلى وسط المدينة، ربّما أذهب أيضًا لتلك التلّة التي شهدت صبانا وهوانا، ربما أذهب لمقهى شعبيّ لأمارس هوايتي بتأمّل وجوه الآخرين دون أن يشعروا، أذكر أنّه في وسط المدينة كان ينتصب مقهى شعبيّ لطالما اقتعدت أحد كراسيه، ترى أما زال موجودًا؟ سأتعشّى وحدي إذًا، ربّما أدخل ذلك المطعم القديم التّراثيّ، ستكون روحك معي.

هل قلت لك من قبل أنّك ساحرة؟ السّاحرة وحدها من تستطيع أن تدخل لبّ السّنديان، كان شعرك منسدلاً على كتفي، حين أغمضت عينيكِ ولهاث أنفاسكِ هادئ كملاك صغير، عبق عطرك الزنبقي يلفني فحملتك بين يديّ، رسمتك في سريرك، جلست تحت شجرة صنوبر في جانب الطّريق، شعرت بأنّ جزءًا منّي بقي معك، حافظي عليه في أعماقك.
تطلبين منّي الهدوء، تقولين هو القدر فعلينا أن نحتمل، سأكتب إذًا بهدوء، فمن يمكنه أن يرفض طلبًا لسيّدة الزّنابق، دعي همسات حروفي تلامس شفتيك قبل أن تقرأيها، فروحك التي ترافقني منذ أربعين عامًا مضت، تزداد توهّجًا وتنسكب حروفًا من روحي، أشكر لك قبلة الصّباح.

3

بانتظار أن تنهي حمّامك، رجاءً لا ترشّي العطر مباشرة، أجّليه قليلاً فرائحتك تثير شيئًا خاصًّا في داخلي، رائحة الأرض حين يسقط عليها المطر بعد غياب هي رائحة جسدك حين تخرجين من حمّامك.
سأضع القهوة على جذوة نار لنحتسيها معاً مع لفافة التبغ، انتظري.. لا تنسي منشفتك كالعادة، اتركي قليلا من طل الندى على جسدك، سأحتضنك بها.. أتنشقها.. قلتِ لي أني طماع وأجبتك بنعم، هل تسمحين لي أن أطمع المرة قبل الأخيرة بقبلة مع شدو الموسيقى، تعالي أتنشقك فأنا أعشق الجسد برياً جامحاً بلا رتوش، فكما قلت لك، رائحة جسدك الأنثوي بعد الحمام تثير بداخلي مشاعر خاصة، كما الأرض بعد المطيرة الأولى.

4

مساء الخير.. ما عدت بعد. مهمّتك مرهقة جدًّا، أتخيّلك باجتماع قانونيّ بنصوصه الجامدة، لا نكهة رومانسيّة فيه، لا عبق أزهار، كان الله بعونك فعليكِ أن تؤدّي الواجب، جهّزت لك ثلاثة نصوص لنقرأها معًا، فأنا حين أكتب تكون روحي محلّقة مع طيفي، مع زنبقتي، وحين تنتهين من أعمالك المفروضة وواجباتك الملحّة، اتّصلي لنلتقي، نتمشّى قليلاً فالجوّ لطيف، وإن جعنا نعرّج على بائع لنأكل معجّنة زعتر أخضر، فالزّعتر الأخضر له نكهة خاصّة كما أنتِ، لا تتأخّري فأنا أنتظرك زنبقتي الرّائعة.

موافقة طبعًا فعشاء خفيف لا يجلب الكرى مبكّرًا.. هل تغضبين حين أناديك باسمك مجرّدا من كلمة حبيبتي؟
لا بدّ من بعض المراسم أحيانًا، فقدسيّة العلاقة تستدعي ذلك، لا أستطيع أن أخاطبك أمام الآخرين كما لو كنّا وحدنا، حين نظرت في عينيكِ رأيت ابتسامتك الخفيّة، شعرتُ بما شعرتِ به، شعور ينتاب المرء حين يحسّ بأن وراء الكلمات كلمات خاصّة له وحده، فتعطيه نشوة خاصّة.

5

لا تجلسي على الطّرف الآخر من مقعدنا الجميل، سأحتضنك بقوّة فحبّك يمنحني شعور نشوة خاصّة، قبلات، أشكرك، لشفتيك رضاب مميّز.. الجوّ بارد في الخارج قليلاً، ابقَي معي، قبّليني، ضمّيني إلى صدرك، لنحتسي القهوة، لفافة التّبغ، فكلانا توحُّدٌ واندغام وانصهار.
هكذا أجمل، اللون الأزرق عليك، أرى في وجهك وفستانك غيمة بيضاء تعلو السّماء أو تعلو البحر، تعالي بجواري، تعالي أضمّك وأحتضنك، لتغسل دموعنا آثار كلّ التّعب، وإن كنت أخشى أن يُسحق جسدك على جسدي، صدرك على صدري، فأنت رقراقة ناعمة، ما أجمل عبق رائحتك، سأدسّ أنفي في شعرك، أتنشّقه، في عبيرك الذي أخفي دموعي فيه، أمّا أنت.. فلا تتكلّمي فأنت متعبة اليوم، أدرك ذلك، سأهمس أنا في أذنيك، أقبّلك، لعلّنا ننسى.

* النص من كتاب أطياف متمردة الصادر عن دار فضاءات في الأردن

المقال السابقالاصلاح وقرقعة السلاح
المقال التالىموت قسري
كاتب الفلسطيني من مواليد 1955 في مدينة الزرقاء في الأردن، وأصوله من بلدة جيوس قضاء قلقيلية في الضفة الغربية الفلسطينية.. حاصل على بكالوريوس آداب تخصص جغرافيا من جامعة بغداد 1976.بقيم في فلسطين - رام الله منذ عام 1997. بدأ الكتابة والنشر منذ عام 1972. ناشط في المجالات الثقافية والفنية مع اهتمامات خاص....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد