الاصلاح وقرقعة السلاح

 
الاصلاح وقرقعة السلاح.. للكاتب حسن متعب

بعد تقلبات وتحركات مقتدى الصدر، اصبح البلد على شفى حفرة من حرب شيعية شيعية، هذا هو مشهد يمكن للعراقيين توقعه ومعايشته قريبا، اذ ان صراع الديكة القائم الان لايحتمل الوساطات ووفود التهدئة بقدر ما يتطلب عملية كسر عظم لاحد الاطراف الشيعية التي تحاول فرض ارادتها على الاخرين، والى الان فان الصدريين هم من وضع على عاتقهم واجب فرض الهيمنة والبروز كقوة مسيطرة على الشارع اولا وعلى مواقف الشركاء في العملية السياسية ثانيا، ويبدو ان الشركاء وخاصة في التحالف الوطني قد صبروا كثيرا حتى فاض بهم، وكان صبرهم قائما على اساس ان مقتدى الصدر لايمكنه التصرف خارج ما رسم له وتعهد به، وهو انهاء ووأد ثورة الشباب المدني الحر قبل ان تتسع وتخرج عن السيطرة، ولكن احداث البرلمان الاخيرة اعطتهم مؤشرا خطيرا على ان الجماهير الغاضبة، لايمكن السيطرة عليها في كل الاوقات وان كانت مطيعة وتابعة ومؤتمرة، او ان الصدر قد استهوى لعبة التهديد ويحاول ان يضمن مكانة اعلى مما هو فيها اليوم، او انه ايضا يسعى الى بعض المكاسب والامتيازات التي قد تهدد بعض اطراف التحالف، خاصة وان صراعه مع المالكي قد اصبح مكشوفا وتوسع من صراع بين السادة الى صراع بين الاتباع ايضا..

وقبل ليلة سقوط البرلمان، كان جمع السادة والمسؤولين مؤيدا للاصلاح كل بطريقته، وحسب مقتضى مصالحه وموقفه من شركائه واعدائه، ولكن بعد تلك الليلة واختلاط الحابل بالنابل، وترديد شعارات قوية وواضحة ضد ايران وسليمانيها، شعر الجميع بناقوس يدق في الافق وان عليهم التوقف قليلا والنظر الى ما هو ابعد والى ماهو قادم..

المالكي الذي يتهمه بعض شركائه في انه كان المحرك الاساس لاعتصام النواب والذي ادى فيما بعد الى ما اسموه فوضى البرلمان وسقوطه، يتحمل اليوم الكثير من اللوم ومن العداء في الخفاء والعلن، والصدر سحب كتلة الاحرار من اعتصام النواب حين اكتشف ان المالكي هو من يقوده ويحركه، ومازال ثأر صولة الفرسان قائما بينهما، فيما عبر عمار الحكيم عن امتعاضه من الصراعات داخل البيت الشيعي وقرر العمل على تشكيل تحالف عابر للطائفية (حسب قوله) اذا لم يرعوي الشركاء ويعودوا الى البيت الذي اعطى لكل نصيبه ولكل منافعه ..

صورة الصراع القادم سيشكلها المالكي مستندا الى دعم ايران الذي عاد اليه بقوة هذه المرة بعد شعارات الصدريين ضدها، وقوة الميليشيات التي تاتمر بامره والتي نشر قسما منها في شوارع بغداد صبيحة ليلة البرلمان كتحذير للصدريين فيما اذا حاولوا مرة اخرى العبث والاقتراب من الخطوط الحمراء المحددة لشكل التحالفات والامتيازات القائمة، وبدأ الحديث في وسائل الاعلام المرتبطة بايران وبالمالكي عن صولة فرسان اخرى قادمة لتأديب الصدريين وايقافهم عند حدودهم..

القادة الصدريون من جهتهم حاولوا تهدأة الاوضاع وتطييب النفوس فقدموا الاعتذار لعمار طعمة مالك كتلة الفضيلة في بيته في الناصرية وربما سيقدمون الاعتذار للاكراد ولكنهم مطلقا لن يقدموا اعتذارهم لعمار الحكيم او للمالكي، لانهم سيكتبون نهاية خطهم وهم يملكون أيضا ميليشيات بامكانهم الاعتماد عليها كما بامكان الصدر زج اتباعه في اي صراع محتمل ومع اية جهة كانت..

والعبادي، الذي لاحول له ولاقوة، وجد نفسه بعد تكليفه لرئاسة الوزراء في دائرة الصراع المحتدم بين رئيس حزبه وكتلته قائد الميليشيات الاعظم في البلاد واللاعب الاقوى نوري المالكي، وبين ضغط الجماهير ومطالباتها بمحاسبته على فساده وسوء ادارته وضياع ثلث اراضي العراق وافلاس خزينته، هذا الضغط الذي استغله الصدر فيما بعد لقيادة ماسماه بالاصلاح وفرض كابينة وزارية جديدة..

أما الجماهير التي انشغلت بالاصلاح وتظاهرت منذ اب الماضي وكادت ان تصل الى اهدافها بعد ان هزهزت عروش الظلم والفساد، تجد نفسها اليوم عاجزة عن الحراك وسط هذا الصراع القائم بين الشركاء من عمائم وساسة فاسدين، اذ تحولت ازمة البلاد بفضل مقتدى الصدر من حرب ضد الفساد والمفسدين الى صراع وجود وقوة بين الشركاء المتناحرين، وفي ظل دوامة الجدال القائم الان بين احقية المتظاهرين لدخول الخضراء والبرلمان وبين الحفاظ على مايسميه البعض هيبة الدولة، اختفت صرخة الثورة كما اريد لها، لندخل في ازمة جديدة وباهداف جديدة ايضا.. فالصراع الان ليس بين الجماهير وبين قادتها العملاء، بل بين العملاء انفسهم وهو صراع يتعلق بمجالات القوة والنفوذ وقد يتعدى ذلك الى صراع وجود..

تطورات هذا الصراع محكومة اذن بكسر عظم طرف ما، بقاء الصدر او ابعاده وابعاد كتلته عن العملية السياسية كما يدعو البعض، او سيطرته على المشهد بشكل مطلق، والامر لايحتمل قاسما مشتركا بينهما او حلا وسطا مادامت كل الاطراف المتصارعة تملك الميليشيات وتملك السلاح وتملك مفاتيح الدخول والخروج الى حضن الثعبان الايراني، ولذلك فان بدأ هذا الاقتتال واخذ شكله العلني فان اوضاع البلاد متجهة الى حرب دموية شرسة لن تبقي ولن تذر، ولا يمكن ايقافها الا بتدخل قوى اخرى، او بصفقات ترضي قادة الميليشيات وامراء الحروب والباحثين عن السلطة والثروة، وما اكثرهم..

لا تعليقات

اترك رد