فتاة قابلة للكسر


 

في مدينة صغيرة من المدن الشرق أوسطية كانت تسكنها أعداد غفيرة من النساء مع عوائلهن يتسمن بلباسهن الأسود ووقارهن مع كثرة الأطفال الذين يحيطون بكل واحدة منهن . كان الرجال في هذه المدينة متعبين لطول الحرب التي مرت بهم ، وكان النساء يقمن بأعمال الزراعة والحصاد والتعليم . لم يكن هناك طبيب في هذه المدينة ، فيضطر الجميع للذهاب إلى المدينة المجاورة . كان أبو خالد يطمح بأن يكون إبنه طبيباً لكنه دائم التعثر في دراسته ، وكانت إبنته سهاد فخره ونور عينه ، كان يتمنى أن تحقق هي أحلامه لكنه كان يخشى عليها من التغرب بالعاصمة ومن ( أولاد الحرام ) .

كان أبو خالد معلماً سابقاً وكان محباً للعلم لكنه أصبح متقاعداً لمرضه . قالت سهاد لأبيها ذات يوم سأُعاهدك يا أبي حين أصبح طبيبة ، وكان يمازحها قائلاً ليس لدي نقود لأدفع لك ، فكانت تضحك وتخفي وجهها براحة يديها .

ذات صباح وصلت إلى بيت أبو خالد رسالة تخبرهم بترشح سهاد لإحدى البعثات الدراسية إلى لندن لدراسة الطب . لم يكن ذلك سهلاً ولا منطقياً بالنسبة لأبو خالد ، أما الفتاة ووالدتها فكانتا خائفتين . عند المساء زارتهم إحدى معلمات سهاد ، كانت قد سمعت بالخبر وأرادت أن تباركه ، قالت لها أم خالد الفتاة لم تزل صغيرة أين ستعيش ومن سيهتم بها . طمأنتهم المعلمة بقولها في سفارتنا هناك من سيرشدها ويهتم بها . بقي والداها لأيام بين مصدق ومكذب ، ثم قرر الأب أن يصحب سهاد إلى العاصمة لتلتحق بالمجموعة التي ستسافر . قدم الوالد إلى إبنته مجموعة من النصائح علها تحميها في مدينة لم يسمع عنها إلا في نشرات الأخبار .

كانت الفتاة كمن خرج من متاهة صغيرة إلى متاهة أكبر ، أو كمن دخل إلى نفق مرعب تتمنى أن تصل إلى نهايته . كانت الأضواء ساطعة من حولها والملابس الأنيقة التي تتزاحم بين وجوه الرجال والنساء ، وعطور فواحة لا تشبه رائحة المحاصيل من حولها ولا رائحة تراب الأزقة أو حتى رائحة الحناء من رأس أمها . كان الجميع يبتسم بوجهها ، لكنهم قالوا لها لا تبتسمي أبداً وأنظري إلى الأرض دائماً . شعرت بأنها وحيدة في عالم غريب تمنت أن ترى وجهاً مألوفاً . كادت تتعثر بتنورتها الطويلة ، شدت الوشاح حول رقبتها من شدة البرد وقررت العودة إلى قسم الطلبة ، لكنها تذكرت بأنها جائعة ويجب أن تبحث عن مطعم قريب ، وإستطاعت أن تكشف وجوده في الجانب المقابل للشارع ولمحت بقربه مكاناً لغسل الملابس ، وبعد أن أكلت عادت إلى بيت الطلبة فقررت أن تدق باب إحدى زميلاتها الآسيويات ، قررت سهاد أن تسألها عن مسجد المدينة ، وحينما سألتها ضحكت الفتاة ولم تعطها أي جواب ، قررت أن تتصل بوالدها لتطمئنه . قالت له أنا بخير يا أبي لا تقلق ، لكن الوالد كان قلقاً ولا ينفك يلوم نفسه على تسرعه في القرار .

قررت سهاد أن تفتح كتبها ولا تبالي بأي شيء آخر وبعد عودتها من الجامعة في اليوم التالي قررت الذهاب إلى نفس المطعم لتناول وجبة سريعة ثم العودة إلى البيت . مرت الأيام والأسابيع على الفتاة ولم تجد من يطرق بابها لا من أبناء بلدها أو من زملائها الآخرين . وكان هذا شيئاً قاتلاً بالنسبة لها ، فهي قد تعودت أن تأكل مع الجميع وتمزح مع صديقاتها وزميلاتها ، حينما يمرض أحد في الحي يلتف الجميع من حوله وهم في الوفيات معاً وفي الأعراس معاً أيضاً ، لم يصادف أن تحرش بها أحد من أبناء جيرانها ، الجميع هنا يعرفون بعضهم البعض ويلقون التحية صباح مساء ، وهنا لا أحد … لا أحد .

قررت سهاد ذات مساء أن تخرج لتتعشى في المطعم المقابل وكانت مراسيم أعياد رأس السنة قد بدأت ، الأشجار مضاءة ، كان الكل يرتدي القفازات لكن الأيدي كانت متشابكة . قررت القيام بجولة في شوارع المدينة لترى المزيد وسطع أخيراً أمام عينيها مطعم كبير ، ولم تتذكر كم مرة تراجعت للخلف ثم تقدمت ، وأخيراً قررت الدخول وهي تغمض نصف عينيها بسبب الأضواء الساطعة . وقررت الجلوس على إحدى الطاولات ، وإنتبهت إلى أن البعض يتهامس وينظر إليها ، ثم طلبت فنجاناً من القهوة ، فإقترب إليها رجل وسألها إن كانت تجيد الإنكليزية ، أجابت نعم وسألها عن بلدها ، ثم سألها عن سبب وضعها للوشاح على رأسها ، وهل يرتدي جميع النساء في بلدها هذا الوشاح . قال لها ضاحكاً ما رأيك لو نتبادل قبعتي بمنديلك فضحكت وهربت إلى الخارج تاركة قهوتها ساخنة .

ظلت طوال الليل تفكر ما الذي يدفع هؤلاء الناس للإقتراب سريعاً من بعضهم ، في بلدتي لا يتحدث الرجل مع إمرأة غريبة ، لكنها عادت وفكرت أشعر أن الكل هنا سعداء وهم متراصون مع بعضهم وأنا دائماً وحدي .

إقتربت ليلة رأس السنة وقررت سهاد أن تتجول مساءاً في أرجاء المدينة ، كان المطعم الكبير يضيء بقوة وكان يجلبها إليه ، إقتربت قليلاً فإذا صوت الموسيقى مرتفع يصم الآذان . فدارت وجهها إلى الخلف فرأت ظلاماً ووحدة ، ثم عادت وأدارته إلى الأمام ، قدمت قدم واحدة إلى الأمام ثم قدمت الأخرى ، كانت جائعة فقررت أن تأكل وتخرج ، جلست على إحدى الطاولات فإذا بيد نتقر على كتفها . قال لها هل ستخلعين هذا المنديل ، أعتقد أن شعرك جميل ، أدارت وجهها غاضبة ، الأمر لا يعنيك . وضع الرجل قبعته على الطاولة . قامت بسرعة وذهبت إلى الحمام . حاولت فك الدبابيس عن منديلها ورأت شعرها وكأنها تراه لأول مرة . قالت إنه جميل فعلاً . أسدلت شعرها ومسحت عليه بحنان . قالت وكأني فتاة أخرى أجمل ، حاولت فتح باب الحمام ثم أغلقته نظرت إلى فتاة بقربها تنظر إلى المرآة وتضع أحمر الشفاه على شفتيها . قالت لها أعيريني إياه قليلاً وضعت منه سهاد القليل فقالت الأخرى ( واو ) . تقدمت إلى باب الحمام وهي تلتفت يميناً ويساراً وكأنها تمشي في الأزقة المظلمة في مدينتها ، ثم إنتبهت فجأة إلى الأضواء الساطعة وإلى الفتية والفتيات الذين يرقصون على وقع الموسيقي . قالت في نفسها ( كأنه عرس ) ، عرس من ؟ . عادت إلى طاولتها فوجدت طعاماً وشراباً والرجل ذو القبعة . قال لها مبتسماً ألم أقل لك بدونه أجمل . قالت الفتاة ما هذا ، قال إنه عصير العنب أليس لديكم مثله ، قالت نعم إنهم يقدمونه في الأعراس ، قال تذوقيه قليلاً ، إنه صناعتنا الفذة ، قالت إنه لذيذ حقاً وأفرغت الكأس في جوفها ، أجابها إنه سيجعلك سعيدة ومتفتحة لا تخافين من شيء . أحست الفتاة بالريبة من كلامه فقررت الخروج لكن قدميها أصبحتا ثقيلتين ، فبقيت جامدة في مكانها . أحست بالجوع فأخذت تأكل وهي لا تريد النظر إلى هذا الرجل ، ثم أحست بالدوار . لن تتذكر بعدها ماذا قالت أو ماذا فعلت . وكل ما تذكرته أنها في الصباح الباكر قد عادت بسيارة إجرة من مكان بعيد ولم تعلم أين كانت وكل شيء قد مر سريعاً وكأنه كان ساعة من الزمن . أحست وقتها وكأن قارورة بلورية قد دفع بها تيار هواء قوي فسقطت إلى الأسفل متناثرة إلى مئات البلورات الصغيرة في الهواء البارد .

لا تعليقات

اترك رد