صباح محي الدين الزهاوي – مقاطعه اللونية سيمفونيات كردستانية


 

” بداياتي الفنية كانت مُذ كنت تلميذاً في المرحلة الإبتدائية من عام 1950-1956 حيث كنت أساعد جدي و أعمامي في صناعة النجارة و في صناعة صناديق الملابس للعشائر الكردية في خانقين و قراها و كنت أقوم برسم واجهة الصناديق دولاب كردي بصور فرس الرسول أو بالمناظر و الزهور ” بهذه العفوية الشفافة يتحدث الفنان صباح الزهاوي ( 1943 ) عن خطواته الأولى والتي عليها اتكأ ليشق طريقه في الحقل الفني الوعر ، فالذي تكون هذه بدايته و هو ما يزال طفلاً ، لا بد أن يصادق مساحة يصوغها بنفسه ، و يوقظ القابع في داخله ليروي عنه سيرته و يقدمه للملأ ، و تتحول حكايته إلى شاهدة تسرد صوته العادي بنبرة غير عادية ، تسرد كل مرورياته و مروياته بلغة تكشف عن طبيعة مفرداته ، بلغة تحدد موقعه في المشهد التشكيلي العراقي على نحو عام و الكردستاني على نحو خاص ، و تحدد رؤيته في الحياة و موقفه منها ، بلغة بها يرسم المسافة الفاصلة بينه و بين عتبات الآخرين .

الزهاوي يلجأ كأبناء جيله إلى الطبيعة ، كمنفس لأحاسيسه و كحامل لرؤاه ، فهو يعتمد على التنوع المستمر في معالجاته التجريبية ، و لهذا ينجز بالبحث عن المألوف و العمل على تجاوزها ، فما يشتغل عليه يأتيه من الخارج عبر إلتقاطه لبؤر جمالية و القبض عليها ، و عدم تركها ملفوفة في قماطها ، بل لفظ القماط عنها ، و رميها إلى الداخل ، حيث الدرب الذي سيشرع فيه الزهاوي بصحبة ألوانه و ترشيدها نحو سرد مدينته ( خانقين ) ، أزقتها ، جسرها ، ناسها ، تاريخها ، تراثها ، بيوتها ، جبالها …. إلخ ، و هو من موقعه هذا لا يسمح لأي إضطراب أن ينتشر في عمق نتاجه ، بل يجمع من التأملات ما تيسر له ، هذه التأملات التي ستكون بدورها رنيناً لمقاصده غير المحدودة و التي سيميل بها نحو المغايرة و الفعل المتعدد بتضافر إنتاجه و هو يعيدها إلى سياقها الخاص ، إلى سياقه هو ، السياق الذي سينحسر نحو سلسلة محاكاته للطبيعة في أبعد حالات إختزالها ، و محاكاته للتاريخ و التراث في أعذب إنتشائها ،

فالزهاوي ينتمي إلى الطين الصاعق لجذور حكاياته القديمة ، و لرائحة عالمه الطفولي المليء بالأساطير ، فهو يجمع بينهما ضمن رموز هي وليدة واقعه ، فكل لمساته تحرض ذاكرته لتعيده إلى طبيعة البدايات في وهجها ، و في تفاعلاتها الحسية بخيوطها اللونية الحيوية ، الممزوجة بوعي بصري تحيي طقسه القديم مع أدواته في التعامل مع التراكمات الجمالية المستنبطة من القيمة الواقعية كحالة أبعد من حالة المفردات المرمية في الطبيعة ، و كم هي كثيرة و كثيفة مقاطعه اللونية التي تجسد وعلى نحو كبير طبيعة كردستان و التراث الكردي ، فجمال كردستان ، بجبالها و سهولها و قوس قزحها ، كانت لا بد أن تشغل الزهاوي كثيراً ، كما شغلته بيوتها و ناسها بعاداتهم و تحركاتهم اليومية البسيطة كأرواحهم ، لما فيها عناصر إنسانية عذبة و متعددة .

الزهاوي و بشحنات إنفعالية تعبيرية يسيطر على الحركة المستديمة في مساحاته الحاملة لخصوصية المكان ، و بواقعية تحمل في ثناياها كل ملامح المرحلة يكثف الزهاوي المعاني الإنسانية ليطلقها طيفاً لونياً تلخص مقاصده بتجلياتها ، و معالمه الفنية بنضوجها و بقدرتها على حشد تجربته و إبرازها .

الزهاوي و خوفاً من أن يجرح نفسه و تلك التي يشتغل عليها و ما تحمله من أحاسيس و مواضيع و موسيقا ، أقول خوفاً من كل ذلك لا يخرج الزهاوي عن السائد و المألوف ، بل يبقى أميناً على ما يؤكد إنتمائه إلى هذا المكان بحميميته المنبسطة أمامه و الممتدة للأفق العاري ، و بوجوهه التي تلمع ببريق شاحب و غامض تتلاشى في فضاءاته و هو يكتشف من قاع الوهم أن الجمال لا نهاية له ، بل و يرفع له تاجات الملاكات العاشقات جداً و هن يرقصن بجنونية على طريقة زوربا .

لا تعليقات

اترك رد