تلك الليلة ج 2

 

أَوّل تهنئة تأتيك عندما تولد يقول المهنئون لأبيك وأمك ” أنه جاء إلى الحياة.” ويبدؤون بوصفك إن كنت باسما أو عابسا أو مشاكسا ويذكرونك بكل هذا التفاصيل عندما تتقدم في العمر وعندما تحين الفرصة . وأَجملُ ما يحبو الإنسان عليه وينمو معه : استكشافُ الحياة من حوله في عطف الأهل وتحنانهم و في رؤية جمال الألوان وتمايزها مع عذوبة الأصوات والأنغام وفي تذَوُّق طعم الأطعمة.
ينمو الإنسان مع الحياة فتنمو فيه عوالم تزيده كلّ يوم إحساساً ومتعة بوعي الوجود.فتصير الحياة أحلى وأجمل .

وأجمل ما يكتشفه الإنسان عندما يفتح عينيه مستيقظاً عند الصباح أنه لا يزال حياً ، فلا يبهجه أن يبدأ يومَ عملٍ جديداً بقدر ما يشعر في أعماقه أنه يحيا من جديد.
هكذا عشت حياتي وهكذا سلكت طريقي بصمت إلى أن صارت تلك الليلة أجمل ليالي العمر وأحلاها .
تلك الليلة قرر مدرس العلوم والفيزياء والكيمياء لافوازية ( أخبرتكم عنه سابقا ) أن يسمّع لنا في نصوص مادة الكيمياء العضوية والروابط الكيميائية وكنا في الصف التاسع وكان يحق للأستاذ أن يعاقب تلاميذه لأننا كنا نعيش في مجتمع أبوي السيطرة فيه كاملة للأكبر سنا وسلطة وكانت سلطة المعلمين مطلقة في تلك الأيام . أحضر الأستاذ عبد الله رجب عصاه معه تلك الليلة . بدأ التسميع صباحا . وبدأت العقوبات تتوالى . وكنت لا أحفظ عن ظهر قلب إلا سؤال واحد في الكيمياء العضوية عن الروابط لأنه لفت نظري أثناء الشرح وكان حظي كبيرا أن كل الشعبة عوقبت بالضرب بالعصا وعندما حلّ دوري سألني لافوازية ” عين السؤال الذي أحفظه عن ظهر قلب ” فبدأت أشرحه له بطلاقة وعفوية ممزوجة بالدهشة مترعة بالخوف . في تلك الليلة سرّ الأستاذ مني وضربني مثلا للجد والاجتهاد وأنا في الحقيقة لم أكن أستحق كل هذا الثناء .
تلك الليلة ونحن في الصف التاسع أقنعني ابن خالي عبد الله عبد الله رحمه الله أن نهرب من حصة الرسم ظهر يوم الخميس ، وفعلا نفذنا المخطط المرسوم دون أن يلحظنا أحد . سررت بهذا العمل المقدام كثيرا لأنني كنت للمرة الأولى أخرج عن السلطة الأبوية وأنفذ شيئا جديدا كنت أرغب أن أقوم به في عقلي الباطن . فوجئت يوم السبت بأن مدير المدرسة ابراهيم الحكيم رحمه الله يطلبني للمثول أمام طلاب المدرسة بجرم الهروب من درس الرياضيات وأنا في الحقيقة هربت من درس الرسم لأنه لا يوجد مدرس رسم في تلك الفترة بسبب قلة المعلمين . أوضحت للأستاذ ابراهيم الحكيم صديق والدي أنني قد هربت من درس الرسم وأنه لا يوجد مدرس للمادة وكنت مشغولا بعمل للبيت وانهالت سلسلة التبريرات لكن المدير لم يقتنع أبدا وقال إنني هربت من درس الرياضيات الذي أعطاه هو في حصة الرسم وأن تمرينات /11/ هي الأهم وما كان عليّ أن أهرب من ساعة الرسم وفرض علي عقوبة أمام طلاب المدرسة بعد تحية العلم الصباحية يوم السبت ومنذ تلك الليلة لم أستمرىء لنفسي شيئا ليس لي . لقد كان درسا لا أنساه للأبد .
كان والدي عبد الكريم يوسف رحمه الله دائم السفر وكانت أمي تشرف على تربيتنا وتعليمنا رغم أنها أميّة لا تجيد القراءة والكتابة . كانت السيدة الفاضلة أم محمد تسيطر على مشاعرنا وعقولنا بالكلمة الطيبة فلا يتجرأ أحد من أولادها الخمسة أن يعصي لها أمرا أو يخل بقاعدة . وفي تلك الليلة في الصف التاسع طرحت عليّ فكرة أن تتابعني دراسيا وأن تسمّع لي المنهاج وأنا أحببت الفكرة والتزمت بها حتى النهاية . كنت أقرأ لها النصوص في الأدب العربي والتاريخ والجغرافيا والوطنية واللغات جهرا وكانت تحفظ النصوص عن ظهر قلب . يبدو أن أمي كانت تستمتع بالقراءة المسموعة وكانت تظهر لي أنها تحب سماع صوتي فأنا بكرها وصديقها وشريكها في كل المحن وكانت تمسك بالكتاب وتسمّع لي وتردني حين أخطئ وتصوب المعلومات . يسألها الناس حاليا كيف حفظت القرآن الكريم والتاريخ والجغرافيا والوطنية وهي أميّة . فتجيب مبتسمة : للعلم حدود تخطاها الله في قدرته.
في الصف العاشر ، كبرت قليلا . انتقلت إلى القطيلبية . كانت القطيلبية مركز ناحية أوسع فكريا وعمرانيا وثقافيا وسياسيا . هناك تعرفنا على الكتب والمجلات والرأي والرأي الآخر ومعارض الكتب . تلك الليلة اشتريت من المكتبة مجلة اسمها ” هنا دمشق ” كانت تصدر عن وزارة الإعلام السورية وفي الصفحة الأخيرة قرأت قصيدة للشاعر نزار قباني بعنوان ” حكاية ” . قرأتها أكثر من مرة وأعجبت بها وقلت في نفسي سأتلو لأمي القصيدة الجديدة الرائعة لنزار قباني . كنت أعتقد أنها أحدث قصيدة كتبها الشاعر . كانت كلماتها تقول :

كنت أعدو في غابة اللوز .. لما
قال عني ، أماه ، إني حلوه ..
وعلى سالفي ، غفا زر وردٍ
وقميصي .. تفلتت منه عروه
قال ما قال ، فالقميص جحيمٌ
فوق صدري ، والثوب يقطر نشوه
قال لي : مبسمي وريقة توتٍ
ولقد قال : إن صدري ثروه
وروى لي عن ناهدي حكايا
فهما جدولا نبيذٍ وقهوه ..
وهما دورقا رحيقٍ ونورٍ
وهما ربوةٌ تعانق ربوه ..
أأنا حلوةٌ ؟. وأيقظ أنثى
في عروقي ، وشق للنور كوه ..
إن في صوته قراراً رخيماً
وبأحداقه بريق النبوه
جبهةٌ حرةٌ كما انسرح النور
وثغرٌ فيه اعتدادٌ وقسوه
يغصب القبلة اغتصاباً .. وأرضى
وجميلٌ أن يؤخذ الثغر عنوه
ورددت الجفون عنه حياءً
وحياء النساء .. للحب دعوه
تستحي مقلتي .. ويسأل طهري
عن شذاه ، كأن للطهر شهوه ..
***
أنت .. لن تنكري علي احتراقي
كلنا في مجامر النار .. نسوه …

كانت قصائد نزار قباني تفعل في الشباب فعلها تحرك المشاعر العاطفية والوطنية وكان مثل عبد الحليم حافظ رمزا من رموز الغرام والحب . وصلت للبيت تلك الليلة وقبل أن أتناول الغداء مع أمي بدأت أروي لها حكاية اكتشافي الجديد للقصيدة الجميلة الجديدة . استمعت إلي حتى انتهيت ثم ضحكت وأخبرتني أن القصيدة قديمة وأن والدي قد أهداها القصيدة منذ كانت في مرحلة العشق هي ووالدي .
تعلمت في الصف العاشر أن الحياة صفة الطموح والإقدام . إنها العافية والحب وركوب المغامرات . وكلما رأيت بلداً مزدهراً وشعباً راقياً ومؤسسة ناجحة وعملاً إبداعياً ساحراً وشوارع مزينة جميلة وبناء منسقا متسقا جميلا أقول في نفسي إن هذا البلد ” مليء بالحياة “، أو “جدير بالحياة “.
من أُعطي متعة الحياة فأيّ متعة قد حُرم. وكل خسارة ، مهما عظمت ، لا توازي لحظة فرح .
ومن يقعده المرض عن الحركة وتثقل كاهله السنون ، يستعيد أجمل أيام شبابه باستعادة ذكريات جميلة ، استذكار قصيدة إلى حبيبة ، قراءة كتاب يفتح أمامه صفحات حياة جديدة ولا أحلى .

…………..يتبع الاثنين المقبل ……………

1 تعليقك

اترك رد